:New Mindset

”اتجاهات“ التفكير الرئيسية في التعامل مع حالات الفوضى الداخلية والإقليمية

Trending Events - Future Concepts - - لماذا تفقد الدول السيطرة ” أحيانا“ على أوضاع الداخ -

تتسم التفاعات السياسية في المرحلة الحالية في المنطقة العربية وفي العالم، بسيطرة موجات متتالية من عدم الاستقرار ومن التحولات السريعة المتواترة بشكل قد يفوق قدرة العديد من صانعي القرار والمراقبين على الإحاطة بهذه التطورات ومآلاتها المحتملة. ومن ثم تزايدت الحاجة إلى تطوير قدرة الدول على التعامل مع هذا الواقع الذي أصبح يتسم بقدر كبير من المخاطر ومن التعقيد ومن عدم اليقين.

فمن ناحية، تشكل حالة الانفات وعدم الاستقرار الداخلي واحدة من أبرز السمات التي تشهدها العديد من دول الثورات العربية، ودول شرق أوروبا )أوكرانيا) ودول أمريكا الاتينية. وينطوي عدم الاستقرار الداخلي على مظاهر عدة بدءاً من تعثر عملية الانتقال السلمي للسلطة، وافتقاد نظام الحكم للشرعية السياسية نتيجة تراجع القبول الشعبي، وضعف المشاركة السياسية عبر القنوات الرسمية، على نحو يؤدي إلى تزايد اللجوء لآليات المشاركة الاحتجاجية الضاغطة على النظام، والتي قد تهدف لتقويض دعائمه، وزيادة أعمال العنف السياسي، مثل الاغتيالات السياسية، واتساع نطاق الصراعات الداخلية المسلحة، وذلك إلى جانب تصاعد الانتماءات الأولية الإثنية والدينية والجهوية على نظيرتها الوطنية، مما يساهم في زيادة حالة عدم الاستقرار الداخلي، خاصة إذا ما ارتبط ذلك بنزاعات مسلحة بين الجماعات المختلفة أو صاحبة مطالب بالانفصال، لاسيما في حال تركز أقلية متجانسة في إقليم جغرافي طرفي بعيد عن المركز(1(.

ومن ناحية ثانية، أصبح عدم الاستقرار سمة مميزة للبيئة الإقليمية والدولية، حيث يفتقد النظام الإقليمي والنظام الدولي إلى وجود قيادة واضحة قادرة على فرض قدر من الاستقرار وضبط التفاعات بين أعضاء النظام، على نحو يوجد مناخاً من الفوضى، خاصة في ضوء تعدد الفاعلين بشكل كبير في النظام، واختاف قيمهم وتوجهاتهم على الصعيد الاستراتيجي( ،) كما أصبح الصراع على مصادر

2 الطاقة عاماً أساسياً في تغير بنية النظام، سواء من حيث تحديد إمكانيات نمو القوى المختلفة وتوسعها، أو اتجاهات هذا النمو أو التوسع( ).

3 إلى جانب ذلك، وعلى الرغم من أن الحديث عن دور الفاعلين من غير الدول على الساحة الدولية ليس بجديد إلا أن التحولات الحالية في العالم وفي المنطقة، تساهم في بلورة موجة جديدة من الفاعلين من غير الدول، مثل تنظيم القاعدة، وجوجل، والفضائيات العابرة للقوميات، والتي لها تأثيرات كبيرة على الاستقرار، سواء على المستوى الداخلي أو الدولي( ).

4 فعلى سبيل المثال، شهدت المنطقة العربية زيادة ملحوظة في دور الفاعلين من غير الدول، خاصة مع الثورات العربية، حيث زادت قدرة هؤلاء الفاعلين على التأثير على الاستقرار الداخلي للدولة، بالإضافة إلى التأثير على السياق الإقليمي والدولي، حيث لعبت الشركات عابرة القارات في مجال تكنولوجيا المعلومات دوراً رئيسياً في الثورات العربية،

مثل فيسبوك وتويتر اللتين لعبتا دوراً محركاً في الثورات العربية، من حيث كونهما أداة للحشد والتعبئة والتنسيق في المراحل الأولى للإعداد للثورة.

كما ساهمت زيادة ضعف الدولة وضعف قدرتها على القيام بوظائفها الأساسية في قيام بعض هؤلاء الفاعلين بعدة وظائف كانت في الأصل من اختصاص الدولة، ومن ذلك دور جيش المهدي في الحفاظ على الأمن والنظام في مدينة الصدر في العراق، من دون الحاجة لأي مساندة من القوات العراقية( .) كما حاولت جماعات أخرى القضاء على شرعية

5 الدولة وهدمها وبناء دولة بديلة، كما حدث في شمال مالي وبشكل أكبر في العراق مع إعان "داعش" قيام الدولة الإسامية على حدود سوريا والعراق، وقامت بفرض قوانينها الخاصة هناك.

وتجدر الإشارة إلى أن هناك جدلاً كبيراً حول تعريف الفوضى، سواء من حيث الأبعاد الأساسية للمفهوم أو مظاهره، أو حتى تقييم إيجابيات وسلبيات كل منهما. وبعيداً عن هذا الجدل، تتبنى الورقة مفهوماً واسعاً للفوضى أو عدم الاستقرار يربطهما بمفهوم المخاطر السياسية، بحيث يعني الخروج عن أنماط التفاعات المألوفة، وارتفاع حالات عدم اليقين في البيئة الخارجية، وتصاعد المخاطر التي تواجه الفاعل كمياً ونوعياً، بما يؤثر سلباً على استراتيجيات الفاعل وسياساته( (.

6 وفي هذا السياق، يفرض تصاعد اتساع نطاق الفوضى وعدم الاستقرار داخلياً وخارجياً ضرورة تطوير الأنساق العقائدية وأنماط التفكير الخاصة بصانعي القرار، وهو ما يقتضي ابتداء التأكيد على ضرورة انفتاح هذه الأنساق ومرونتها في الاستجابة للتغيرات في البيئة المحيطة وتدفق المعلومات الجديدة، والبعد عن الأنماط المغلقة الجامدة( )،

7 نظراً لما تحمله من مخاطر التحيز والانتقاء في استقبال المعلومات الجديدة وتأويلها وتقييم آثارها وتداعياتها( ).

8 وفي هذا الإطار، ستتم مناقشة خمس أفكار رئيسية تعد لازمة لتغيير أو تطوير الأنساق العقيدية لصانعي القرار والقيادات، حتى تكون قادرة على إدارة شؤون الدولة في ظل حالات الفوضى الممتدة.

1- التحرر من وهم السيطرة الكاملة Illusion of : Control

يحتاج صانعو القرار إلى التحرر من وهم أنه يمكن تحقيق السيطرة الكاملة على أي موقف، على نحو يسمح بتعزيز قدرة الدولة على التكيف مع التحديات الجديدة المتزايدة والتعامل معها. كما أن الاعتقاد بأن السيطرة الكاملة قد تكفل تحقيق الاستقرار هو اعتقاد غير سليم، حيث على العكس قد تؤدي إلى انهيار هذا الاستقرار.

فمثاً على المستوى الداخلي، قد يدفع وهم السيطرة الكاملة المؤسسات الضابطة للتفاعات المجتمعية، خاصة المؤسسات الأمنية نحو السلطوية وقمع الحريات العامة أو تهميش الأقليات واضطهادها، كما أن سيطرة هذا الوهم لا تُمكن صانعي القرار من إدراك المطالب المجتمعية المتصاعدة، أو إدراك بداية تشكل مؤشرات عدم الاستقرار، مما يؤدي إلى تآكل شرعية النظام السياسي وسقوطه( ).

9

2- هناك آليات تسمح بالتحكم في الفوضى Chaos : Control

يحتاج صانعو القرار خال المرحلة الحالية، للتعامل مع الفوضى ليس على أنها شر مطلق، أو أنها تعني انعدام النظام، أو الانفات، فهناك أبعاد أخرى للفوضى مرتبطة بوجود قدر من النظام النسبي وبالقدرة على التحكم فيها. وتقدم نظرية الفوضى بعض الأفكار في هذا الصدد، منها التغيير المحسوب للقيم بما يسمح بقمع الفوضى Suppression أو إضفاء الاستقرار عليها Stabilization أو تقليل سرعة حركة الأطراف الفاعلة فيها ونطاق حركتهم وتوجيههم باتجاهات مختلفة.

كما تطرح هذه النظرية، بعض السياسات التي تسمح بمزامنة الفوضى Synchronization سواء عبر إضفاء طابع من الانتظام على ردود أفعال الفواعل المسببة للفوضى، من خال توظيف مثير معين على نحو متكرر، أو عبر الاستفادة من التأثيرات المتعارضة لتزامن نوعين من الفوضى، بحيث يعادل أحدهما الآخر، أو توليد الفوضى أو إيجاد الفوضى Chaos Generation ، أو السيطرة المضادة على الفوضى Anti-Control of Chaos في حال الاعتقاد بالطابع البناء لها، وضرورة كسر طابع الفوضى المستقرة للنظام عبر إدخال عناصر جديدة في عملية الفوضى، على نحو يسمح بتوفير المزيد من الفرص، مع الاعتقاد بالقدرة على مواجهة المخاطر المتولدة عن هذه الفوضى الجديدة.

وعلى الرغم من أن مثل هذه المفاهيم والأفكار تظل جديدة نسبياً على صانعي القرار، وأكثر ارتباطاً بالعلوم الطبيعية، إلا أنه يمكن العمل على تطويرها من قبل الخبراء والأكاديميين لتكون أكثر ماءمة في مجال التفاعات السياسية، لاسيما مع كون التفاعات التي تشهدها المنطقة حالياً تعبر في أجزاء منها عن مؤشرات لمحاولات توظيف هذه الأفكار فعلياً من قبل بعض الدول بهدف إعادة هندسة تلك التفاعات( ).

10

3- أحياناً يكون "الاحسم" هو الخيار الأكثر ماءمة:

في ظل حالات الفوضى الممتدة، قد يكون تبني مواقف متعددة غير حاسمة، هو الخيار الأكثر ماءمة للحفاظ على مصالح الدولة، وربما على بقائها، وهو ما يعرف باسم استراتيجية التحوط Hedging strategies ، وتعني تجنب المخاطر أو تقليلها من خال تبني خيارات سياسية متعددة، في الوقت ذاته لها نواتج وتأثيرات تصب في اتجاهات متعارضة mutually counteracting effects للتعامل مع بيئة ومواقف خارجية عالية المخاطر تتسم بدرجات مرتفعة من عدم اليقين.

ويمثل التحوط بدياً للدول للتعامل مع المواقف التي يصعب فيها الحسم بين خيارات الموازنة balancing، أي التحالف ضد القوى الأكثر تهديداً والسعي لاحتوائها والحد من تمددها، أو اللحاق بالركب bandwagoning، أي الانضمام أو التبعية أو الالتحاق بقوى أكبر سواء للحماية في مواجهة تهديدات مصدرها قوى أخرى أو يكون مصدرها هذه القوى الأكبر ذاتها، أو سعياً للتوسع واستغال فرص تحقيق مكاسب إضافية، أو من خال اعتماد سياسة الحياد . neutrality

ولا تعني سياسات التحوط افتقار الفاعل لتحديد واضح ودقيق لمصالحه وأمنه، ولكنها تقوم على مرونة أكبر في محاولة الإمساك بأكبر قدر من البدائل لتأمين تحقيق هذه المصالح، فيما يشبه عمليات تنويع المحفظة الاستثمارية بين مختلف الأسهم والسندات، حيث اشتق مصطلح استراتيجيات التحوط أساساً من المجال المالي واستراتيجيات إدارة المخاطر الاقتصادية، ويقوم الفاعل استناداً لهذه الفكرة بتوزيع المخاطر عبر تبني سياستين متعارضتين تجاه فاعل آخر، مثل الانخراط الإيجابي engagement والموازنة balancing والسعي لاحتواء، بما يجعل الدولة أكثر جاهزية للأسوأ عبر بناء وتطوير قدراتها وشبكة تحالفاتها على نحو يسمح باستعدادها للمواجهة من جهة، ولاستعداد للأفضل عبر الانخراط في بناء شبكات عاقات مختلفة مع الفاعل الآخر من جهة أخرى.

كما لا يعني تبني صانع القرار لهذه الفكرة، اتجاهه للتوزيع المتوازن بين جميع هذه البدائل، إذ قد يكتسب بعضها ثقاً نسبياً أكبر، بحيث تبدو الدولة كما لو كانت تتبنى رهانات كبيرة في اتجاه معين عبر تبني استراتيجية الانضواء في ركب قوى كبرى، مثل لجوء قطر لخيار الاحتماء بالمظلة الأمنية الأمريكية عبر استضافة أكبر القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة على أراضيها، مع القيام برهانات أصغر في اتجاهات أخرى من خال فتح قنوات اتصال مع أطراف معارضة لهذه القوة الكبرى بما يمثل نوعاً غير مباشر من استراتيجيات الموازنة وعدم الخضوع الكامل للقوى الكبرى، ومن ذلك حفاظ قطر على عاقات طيبة مع إيران والحركات الإسامية في المنطقة، مع السعي لبلورة صياغات تقلل التعارض الظاهر بين هذه الاستراتيجيات، من خال الدفاع عن هذه القنوات مثاً، باعتبارها آليات تسمح للقوى الكبرى بالانخراط غير المباشر مع خصومها، أو إضفاء الاعتدال على سلوك هؤلاء الخصوم، أو تبني شعارات السياسة الخارجية متعددة الأبعاد والبعد عن المحاور والاستقطابات( ).

11 وقد اهتمت العديد من الدراسات بدراسة سياسة التحوط في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الصين وكذلك عدد من الدول الآسيوية وعلى رأسها اليابان، والتي اتجهت إلى تبني

سياسة التحوط في عاقاتها مع الصين تحسباً لتمدد نفوذ هذه الدولة وعدم وضوح الرؤية حول أهدافها، ودرجة الخطورة التي قد يمثلها الصعود الصيني على مصالح طوكيو( ).

4- الحياد أو الانعزال هو خيار انتقالي مشروط:

تلجأ الدول إلى تبني استراتيجية الانعزال عن التفاعات المحيطة، أو الحياد تجاهها، إذا ما كانت هي نفسها تمر بمرحلة تحولات داخلية تتسم بقدر من عدم الاستقرار، على نحو يدفعها إلى الحد من الانخراط في القضايا الخارجية حتى تستقر أوضاعها( ،) أو قد تتبني الدول هذه الاستراتيجية في

13 مرحلة تحول النظام الدولي وبروز قوى صاعدة طامحة حتى تتجنب المخاطرة بالانحياز إلى أي من الأطراف المتنافسة، مما يمكن أن يكون خياراً مكلفاً لها إذا تفوق الطرف الآخر الذي لا تنحاز له( (.

14 ولكن يظل هذا الخيار مرهوناً بعدد من المحددات، على نحو يجعله خياراً انتقالياً، لا تستطيع الدول الالتزام به لفترة طويلة، وأحياناً لا تستطيع أن تتبناه في سياساتها الفعلية. فمثاً لا يُمثل هذا الخيار الحل الأفضل بالنسبة لدولة مثل مصر، فعلى الرغم من حالة عدم الاستقرار التي شهدتها مصر منذ ثورة 25 يناير 2011، إلا أن خيار الانعزال لم يكن خياراً متاحاً لصانعي السياسة الخارجية المصرية، فالموقع الاستراتيجي الجغرافي والثقل السياسي لمصر وطبيعة مصالح الأمن القومي المصري، تفرض على مصر الانخراط في تفاعات مع الإقليم المحيط بها والعالم حتى في ظل حالة عدم الاستقرار التي تعانيها. ومن ناحية أخرى، فإن طبيعة التحولات التي تمر بها المنطقة العربية لا تسمح لمصر برفاهية الانعزال عما حولها، فهناك من ناحية المواجهات الفلسطينية - الإسرائيلية المتكررة، والاضطرابات المستمرة في سوريا واليمن وليبيا وأخيراً العراق، بالإضافة إلى قضية مياه النيل وسد النهضة في إثيوبيا.

كما فرض سقوط حكم الإخوان في مصر نتيجة ثورة يونيو 2013 وما تبعه من أزمة سياسية داخلية كبيرة على مصر ضرورة أن تتبنى سياسة خارجية نشطة تتحرك فيها في عدة جهات، خاصة أن ثورة 30 يونيو وما تبعها من أحداث ومواجهات بين النظام الجديد وجماعة الإخوان قد استدعت ردود فعل دولية متباينة من دول مؤيدة مثل دول الخليج العربية باستثناء قطر، ودول معارضة مثل تركيا وقطر، ومن دول تبنت موقفاً وسطاً أو محايداً مثل الدول الأوروبية، والتي لم تتخذ موقفاً معادياً لثورة يونيو، وإن كانت أبدت عدم ارتياحها لعودة المؤسسة العسكرية مرة أخرى للساحة السياسية في مصر.

5- بناء التحالفات ليس خياراً متاحاً طوال الوقت:

قد يأخذ اتجاه صانع القرار لتبني خيار بناء التحالفات في إدارته شؤون الدولة الداخلية أو الخارجية، بهدف موازنة مصدر تهديد ما، أحد صورتين، هما الموازنة الداخلية Internal، Balancing أي بناء القدرات الداخلية للدولة مثل بناء قدراتها العسكرية لزيادة قدراتها على مواجهة المخاطر حولها، والموازنة الخارجية External Balancing من خال إنشاء تحالفات لموازنة صعود قوى إقليمية أو دولية صاعدة أو مجابهة المخاطر التي تفرضها البيئة المحيطة. وقد لجأت العراق إلى هذه الاستراتيجية، خاصة التوازن الخارجي، في التعامل مع تهديد تنظيم "داعش"، حيث طالبت بتفعيل وتقوية دور التحالف الدولي للقضاء على التنظيم، ويضم التحالف حالياً العديد من الدول على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى السعودية ودول الخليج ومصر( ).

15 وعلى الرغم من أهمية فكرة التوازن في التعامل مع حالات الفوضى، إلا أن قدرة صانعي القرار على توظيفها للتعامل مع مواقف محددة، تحكمها عدة متغيرات خاصة بشرعية الحكم، وقدرتها على التفاعل مع أطراف متعددة داخلية وخارجية، يمكن أن تمثل حليفاً محتماً له، فضاً عن وجود تصور مشترك بأن هناك خطراً ما أو تهديداً ما يتعين التحالف في مواجهته.

فعلى سبيل المثال، شهدت ثورة يونيو 2013 في مصر تحالفاً بين أطراف داخلية مختلفة حاولت موازنة القوة السياسية والتنظيمية للإخوان، في حين لم تستطع الجماعة تكوين تحالف مماثل واسع النطاق، حيث ضمت القوى المؤيدة للثورة قوى المعارضة الليبرالية والمسيحيين، وجموع المصريين غير المحسوبة على الإخوان، والتي ترجمت رفضها للإخوان من خال توقيع وثيقة تمرد التي طالبت الرئيس الأسبق محمد مرسي بالرحيل، أضف إلى ذلك موقف المؤسسات الأمنية، حيث تبنت الشرطة موقفاً أكدت فيه قيامها بدورها في حماية الأرواح وحماية الممتلكات الخاصة والعامة وعدم التعرض الى المتظاهرين السلميين، في إشارة واضحة إلى أنها لن تقوم بحماية النظام ضد خروج التظاهرات.

ويبدو أن النسق العقيدي للحكم الجديد في مصر يدرك أهمية الحفاظ على هذا التحالف، فعلى المستوى الداخلي استمر النظام في تكثيف الجهود الأمنية في مواجهة أعمال العنف من قبل الجماعة والجماعات المؤيدة لها، بالإضافة إلى العمل على تطوير آليات لزيادة مشاركة المواطنين والقوى المؤيدة للنظام لموازنة القدرة التنظيمية والقدرة على الحشد والتعبئة للإخوان ضد النظام الجديد.

وتضمنت هذه الآليات العمل على التواصل مع الشارع والقواعد المجتمعية المؤيدة أو التي يمكن اجتذاب تأييدها، ومن ذلك دعوة المشير السيسي الجماهير للخروج لتأييد جهود النظام في القضاء على الإرهاب في 26 يوليو

2013، وكذلك من خال العمل على تعبئة الموارد، مثل دعوة الشعب المصري لاكتتاب في مشروع قناة السويس الجديد والترويج لها باعتبارها تأييداً للنظام وللسياسات التي يتبناها.

إلى جانب ذلك، تكشف الممارسات العملية، عن أن التوازن قد يأخذ شكل الموازنة "الناعمة"، والتي تشمل تعاون بعض الدول بشكل ضمني غير معلن لا يصل إلى مستوى تشكيل التحالفات لتطوير تفاهمات أمنية محدودة مع بعضها البعض، بهدف موازنة مخاطر محتملة من دولة معينة، أو من قوة صاعدة، وذلك بتوظيف مختلف أدوات السياسة الخارجية من دون الوصول إلى التهديد باستخدام القوة العسكرية أو التلويح باستخدامها( ).

16 هذه الأفكار الجديدة الخاصة بتركيبة النسق العقيدي لصانع القرار، وبكيفية إدراكه للواقع الجديد المحيط به، والذي أصبح يتسم بالفوضى وانعدام النظام، تحتاج إلى تغيير عملية صنع القرار، حتى تكون قادرة على الاستفادة من هذا النسق الجديد، وليكون صانع القرار أكثر قدرة على الاستجابة لمواقف وسياقات الايقين بدرجاته المختلفة والفوضى التي تشهدها المنطقة.

وقد حاولت بعض الأدبيات تطوير إطار عام يساعد صانعي القرار على تحليل مصادر الفوضى وعدم الاستقرار وصياغة وتطوير استراتيجيات التعامل معها على نحو يتماشى مع هذا النمط الفكري الجديد، ومن ذلك الإطار التحليلي المقترح من قبل سوزان فيرستينج وآخرين في عام 2005، وهو يقوم على تعزيز الاستعانة بالخبراء والتفكير الجمعي عبر منظومة ثاثية تبدأ أولاً بتحديد خطة العمل عبر تحديد أهداف التحليل الاستراتيجي، وتحديد الأهداف المراد تحقيقها ، والمدى الزمني له ومراحل تطويره ومراجعته.

ويلي ذلك كمرحلة ثانية التحليل الفعلي لخرائط الفوضى، من خال ثاث خطوات، تتمثل الخطوة الأولى في تحليل الاتجاهات trends analysis ، أي تحديد خريطة الاتجاهات الأساسية لحالات الانفات والفوضى صعوداً أو هبوطاً مع اقتراح توزيعها على 12 مؤشراً رئيسياً تتضمن الأبعاد السياسية والأمنية، والاقتصادية والاجتماعية، ويلي ذلك تقييم الأوزان النسبية لهذه الاتجاهات ومخاطرها وإلحاحها كمصادر للتهديد، مع تعقب التطورات في هذه الاتجاهات عبر الزمن بشكل دوري.

وتتمثل الخطوة الثانية في التحليل المؤسسي institutional analysis، وهو يشمل تحلياً مزدوجاً للكفاءة والفاعلية من جهة، وتحليل الشرعية من جهة ثانية للمؤسسات المختلفة المنوط بها لعب أدوار أساسية في مواجهة الفوضى، وهي تحديداً المؤسسة العسكرية، والشرطة وما يتصل بها من مؤسسات مثل القضاء وجهاز الخدمة المدنية، والبرلمان أو المؤسسات التمثيلية، مع تحديد الاحتياجات الأساسية لكل من هذه المؤسسات لتفعيل أدوارها.

وتنصرف الخطوة الثالثة، إلى تحليل الفواعل السياسية political actor analysis ، أي تحليل خريطة الفاعلين الأساسيين النشطين أو المحتملين، سواء كفاعلين داعمين للفوضى أو شركاء في السيطرة عليها، ويشمل ذلك تحديد المصالح والاستراتيجيات والقدرات وشبكات العاقات الخاصة بكل من هؤلاء الفاعلين، والدوافع الممكنة والمحتملة لتشجيعهم على الانخراط في جهود استعادة السيطرة أو التحكم في الفوضى، أو تقليل توجهاتهم لإحداث الفوضى والمشاركة فيها.

وتشمل هذه الخريطة عادة، الأحزاب الحاكمة وقوى المعارضة، والجماعات المسلحة، ووسائل الإعام، والاتحادات والنقابات، وتجمعات رجال الأعمال، والشبكات الإجرامية، والزعامات التقليدية، والمؤسسات الدينية، والدول المجاورة، والدول والأطراف المانحة، والمنظمات الدولية.

وتفضي محصلة هذه التحليات، إلى تدعيم المرحلة الثالثة الخاصة بتطوير السياسات والاستراتيجيات عبر مراجعة السياسات والبرامج القائمة، وتحديد الأولويات الاستراتيجية، والشركاء المحتملين، والقدرات والإمكانيات الخاصة بالتدخل، والفجوات وكيفية مواجهتها عبر تطوير القدرات أو تشارك الأعباء خال مرحلة التنفيذ( ).

17

«Huge swaths of global territory are dominated by populist

,unrest anger and effective loss of state control » .

Zbigniew Brzezinski, talking to Foreign Policy Group CEO and Editor David Rothkopf,July 22,2014

رانيا علاء السباعي(*)

مدرس مساعد في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية – جامعة القاهرة

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.