:Restoring Control

ثلاث استراتيجيات متصورة لاستعادة ”السيطرة“داخل الدول و“عبر الإقليم“

Trending Events - Future Concepts - - باحثة متخصصة في العلاقات الدولية أي -

تُعاني المنطقة العربية خال المرحلة الحالية حالة من الفوضى غير المسبوقة، ويمكن تفسير هذه الحالة في جزء منها بالتحولات التي أعقبت الثورات العربية، وفي جزء آخر بتدخل قوى خارجية في دول معينة، بدعوى إقامة الديمقراطية ونشر احترام حقوق الإنسان، كما حدث في العراق في 2003، وفي كلتا الحالتين، ترتب على ذلك تحول عدد كبير من دول المنطقة بدرجات متفاوتة إلى دول فاشلة، ينعدم في بعضها النظام، ويعاني بعضها الآخر التفكك، أو الفوضى نتيجة انهيار مؤسسات الدولة.

فالدول الفاشلة وفق المؤشر العالمي للدول الفاشلة، هي تلك "التي لا يمكنها السيطرة على أراضيها، ولا تكون حكوماتها قادرة على اتخاذ قرارات مؤثرة، بالإضافة إلى عدم قدرتها على توفير الخدمات لأبناء شعبها، وتشهد معدلات فساد وجريمة مرتفعة". ووفقاً للتقرير الخاص بهذا المؤشر للعام 2013، جاءت الصومال في الترتيب الأول على مستوى العالم، للمرة الثانية منذ عام 2012، ومن بين أكثر عشر دول فاشلة على مستوى العالم، جاءت كل من السودان واليمن في الترتيبين الثالث والسادس على التوالي، كما جاءت العراق في الترتيب الحادي عشر ثم سوريا في الترتيب الحادي والعشرين(1).

إلى جانب ذلك، ساهمت الثورات العربية وما صاحب المراحل الانتقالية من تعقيدات، في إضفاء مزيد من التعقيد على خريطة التفاعات في المنطقة، حيث أصبح الأمن المعقد Complex Security سمة أساسية لأمن دول المنطقة، ويشير هذا المفهوم إلى وجود اعتماد أمني متبادل بين دول المنطقة، بمعنى تأثر أمن أي دولة بأمن الدول الأخرى في المنطقة(2).

ويعد من أهم سمات حالة الفوضى وانعدام النظام التي تشهدها المنطقة العربية حالياً، تراجع دور الدولة القومية، مع فتح المجال أمام القوى العنيفة لتشارك في تشكيل المشهد الاستراتيجي في المنطقة العربية(3،) والتي أصبحت ساحة للإرهاب والإرهابيين(4.) ووفقاً لجويل مجدال في النموذج الذي قدمه عن العاقة بين الدولة والمجتمع، فإن انسحاب الدولة ترتب عليه أن تحل محلها كيانات مجتمعية أخرى وذلك لملء الفراغ الناجم عن غياب الدولة، وفي أحيان كثيرة يترتب على ذلك صراع بين الطرفين(5،) تنتج عنه أوضاع تتسم بالانفات وعدم الانضباط، والفوضى بدرجات متفاوتة.

في هذا السياق، أصبح التحدي الذي يواجه الدولة هو كيفية "إدارة هذه الفوضى"، ومحاولة استعادة قدر من النظام أو السيطرة على التفاعات الداخلية والخارجية، على نحو يحول دون وقوع نتائج غير مرغوب فيها، وعلى نحو لا يعرض الدولة للتفكك، أو خسارة كاملة في أي صراع محيط بها. وأصبح من الواضح، أن الاستراتيجيات التي يمكن اتباعها من قبل الدول في محاولة منها لاستعادة السيطرة، سواء على أوضاع داخلية، أو في تفاعات أو أزمات أو صراعات تحيط بها، هي خاصة باستعادة السيطرة الجزئية، وبإدارة شؤونها بأقل خسارة ممكنة في ظل بيئة تتسم بالفوضى، حيث إن الحديث عن استعادة السيطرة الكاملة على الأوضاع أصبح غير واقعي. وفي هذا السياق تناقش الدوائر الأكاديمية ثاث استراتيجيات من شأنها المساهمة في استعادة السيطرة جزئياً، في ظل حالات الفوضى وعدم اليقين.

-تعزيز دور القيادة "الشعبوية":

ظلت القيادة تاريخياً تلعب دوراً مهماً في توحيد الشعوب، والحفاظ على بقاء الدول، وهذا ما يفيد به تاريخ الدول الأوروبية على سبيل المثال، حيث لعبت قيادات مثل رئيس الوزراء الألماني أوتوفون بسمارك دوراً رئيسياً في توحيد ألمانيا، وأدولف هتلر في تقوية الدولة الألمانية وإعادة بنائها بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، وكانت تحرك كل منهما فكرة مسيطرة خاصة بمستقبل الدولة استطاعا أن يحولاها إلى حقيقة.

وفي أحيان أخرى تسيطر على القائد مخاوف محددة، سواء كانت متصورة، أو حقيقية، خاصة بوجود تهديد يستهدف الدولة، سواء كان نابعاً من داخلها، أو نتيجة التطورات التي تقع في الدولة الجارة، مع احتمال انتقالها إليها، بحيث تكون هذه المخاوف دافعاً لتعبئة موارد الدولة، من أجل استعادة النظام في أسرع وقت ممكن في الداخل، أو في محاولة إظهار أن كل شيء تحت السيطرة للقوى الخارجية الداعمة للفوضى، وأن أي محاولات للتدخل ستبوء بالفشل.

وقد كشفت الثورات العربية عن عمق أزمة القيادة في المنطقة، ليس على مستوى رئاسة الدولة فحسب، ولكن حتى داخل مؤسساتها المختلفة، وهو ما يعد سبباً في استمرار حالات انعدام النظام وعدم الاستقرار في العراق وسوريا على سبيل المثال، حيث فشلت القيادة السياسية في إيجاد هوية وطنية جامعة لكافة الأطياف السياسية.

وفي هذا السياق، تعد أحد استراتيجيات استعادة النظام جزئياً في الدولة، لاسيما في الفترات التالية على الهزات العنيفة، أو الصراعات المسلحة، أو الثورات الشعبية، تعزيز نمط القيادة "الشعبوية"، أي القيادة التي تستطيع أن تطور مشروعاً قومياً يلتف الجميع حوله، على نحو يوجِد هدفاً وطنياً، تلتف وراءه القوى المختلفة في المجتمع، ويتم توجيهها على نحو يخدم هذا الهدف. ويترتب على ذلك من الناحية العملية إضعاف الظهير الشعبي للقوى المعارضة أو غير المؤيدة لهذا المشروع.

وهذا النوع من القيادات، يختلف عن القيادات الكارزمية

التي سادت خال القرن العشرين، حيث يقوم على نمط القيادة "الشعبوية" التي تستطيع أن تحرك الجموع العريضة في الشوارع، وتبرز أهمية الحديث عن هذا النوع من القيادة في المنطقة، في ظل التدهور غير المسبوق للأمن المجتمعي Societal Security في بعض دول المنطقة وأمن الهوية Identity، Security حيث تصبح أحد مهام هذه القيادة الحفاظ على اللغة والثقافة والهوية والعادات الخاصة بالمجتمع، ويرى بارى بوزان، أن تهديد الأمن المجتمعي مرتبط بالهجرة، أو بالصراع بين أبناء الإثنيات والعرقيات المختلفة، أو ما يطلق عليه "الهويات المتصارعة"، حيث ينبع من الهجرة خوف من التغيير المستقبلي في تركيبة السكان، كما أن الصراع بين أبناء الإثنيات المختلفة يؤثر على تماسك المجتمع، ومن ثم يؤثر على الأمن المجتمعي(6).

إلى جانب ذلك، يصبح أحد مهام هذه القيادة، إلى جانب إيجاد تيار رئيسي في الدولة، هو إعادة بناء الدولة بشكل يمكنها من استعادة السيطرة وإدارة شؤونها الداخلية والخارجية من خال سياسات الحكم الفعال .effective governance فمن الناحية النظرية، مازالت الدولة هي الفاعل الرئيسي في العاقات الدولية، والتجربة العملية أكدت أنه من دون وجود قيادة لن تكون هناك قدرة للدولة على الخروج من حالة الفوضى.

إلى جانب ذلك، تعمل هذه القيادة على استعادة ثقة المجتمع بالدولة، وهو ما يعد عنصراً مهماً في تمكين القيادة من استعادة النظام في الشارع، لاسيما في حالة المجتمعات التي انتشرت فيها الفوضى بعد صراع عنيف، وذلك من خال تطوير عقد اجتماعي جديد بين الدولة والمواطن، وأحياناً تعتمد القيادة على دعم ما من القوى الإقليمية سواء دبلوماسياً أو اقتصادياً أو أمنياً في تحقيق ذلك.

-ائتاف الراغبين Coalition of the Willing :

تعتمد الدول على استراتيجية ائتاف الراغبين، عندما تواجه أوضاعاً خارجية "منفلتة"، أو "متقلبة"، ولا يوجد نظام يحكمها أو يحدد مسارها، وتؤثر فيها أطراف متعددة، وعندما يكون من الصعب على الدولة التحكم فيها بالاعتماد على قدراتها العسكرية الذاتية، أو الاستمرار في عدم اتباعها أية سياسات في مواجهتها، حيث تكون تأثيرات ذلك على استقرارها وأمنها مرتفعة.

ولا يتطلب تشكل ائتاف الراغبين، كما تكشف عن ذلك الممارسات الدولية في الفترة التالية على الحرب الباردة، صدور قرار من مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، حيث تقرر الدول التي تتشارك في تصوراتها الخاصة بمصادر التهديد تشكيله.

ويعد هذا النوع من الائتافات أحد صور التحالفات التكتيكية Tactical Alliances ، والتي تتسم بعدة سمات، منها أنها تنشأ لمواجهة قضية محددة من دون أن تمتد

بالضرورة إلى مجمل القضايا موضع الاهتمام المشترك، كما أنها وقتية تنشأ لهدف معين وتنفض بمجرد الانتهاء من تحقيق هذا الهدف، كما أنها لا تتشكل في إطار مؤسسي، سواء أخذ شكل إنشاء منظمات إقليمية أو دولية تجمع الدول المتحالفة، حيث يحكم هذا النمط من التحالف الإحساس بوجود مصدر تهديد مشترك يستوجب التحالف لحين التخلص من مصدر التهديد(7،) كما أن هذه التحالفات أكثر تأثراً بالتحولات والتغيرات الداخلية، والتي تعد مغيراً مهماً في تشكيل تصورات التهديد الخاصة بالدولة.

ويرى جيريمي جيز)8) أن التحالفات المرنة تنشأ لمواجهة تهديد محتمل من الممكن أن يتحول لتهديد حقيقي للمصالح الحيوية للدولة، فهو أداة تمكن الدول من مواجهة قضية طارئة من دون أن ينسحب إلى باقي القضايا. وهو بذلك يختلف عن التحالفات التاريخية Historical Alliances أو الشراكة الاستراتيجية Strategic Partnership وهي تلك الشراكة التي تستمر لفترة من الزمن، ولا ترتكز على قضية واحدة، وإنما تشمل قائمة متنوعة من القضايا، مع ماحظة أن التحالفات التكتيكية لم تلغ التحالفات الاستراتيجية، حيث لاتزال قائمة لكن بصيغ مختلفة عن تلك التي كانت قائمة فترة الحرب الباردة، والتي كانت تستند إلى التقسيم الجامد للدول في إطار محاور تعبر عن خطوط إيديولوجية.

يمكن القول، إن تعقد القضايا وتشابكها، هو الذي أفرز هذا النمط من التحالفات بشكل لا يضع ضوابط على خيارات الدول في مجال سياستها الخارجية، ولا يلزمها بالتزامات جامدة في بيئة دولية شديدة التقلب، وبشكل جعل من غير الواقعي التعامل مع أي دولة على أنها عدو دائم أو حليف دائم.

وهناك تطبيقات متعددة لهذه الاستراتيجية في مناطق مختلفة من العالم، فعلى سبيل المثال، تم تطبيق هذا النمط من التحالف في تيمور الشرقية قبيل استقال الإقليم عن إندونيسيا، ففي 20 سبتمبر 1999 وصلت الإقليم قوة التدخل الدولي INTERFET تحت قيادة استراليا، وذلك عقب الاضطراب الأمني الشديد والعنف الذي شهده الإقليم عقب الاستفتاء الذي تم فيه التصويت على استقال الإقليم عن إندونيسيا( ).

وفي نوفمبر 2002 أثناء قمة الناتو، أعلن الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش عن أنه إذا لم يتخل الرئيس العراقي صدام حسين عن أسلحة الدمار الشامل، فإن الولايات المتحدة ستقود "ائتاف الراغبين" لنزع ساحه. وقائمة الدول

التي تم إعانها في مارس 2003 كانت 46 دولة وفي أبريل 2003 تم تحديث القائمة لتصبح 49 دولة، ثم تراجعت إلى 48 دولة بعد خروج كوستاريكا من التحالف.

ومؤخراً أُعيد الحديث مرة أخرى عن ائتاف الراغبين في إطار دعوة الرئيس الأمريكي باراك أوباما لمحاربة تنظيم "داعش"، حيث دعا الرئيس الأمريكي إلى تشكيل ائتاف دولي لمحاربة التنظيم في كل من العراق وسوريا تحت قيادة الولايات المتحدة الأمريكية، مع التأكيد أن باده لن تدخل في حرب برية هناك، فهي حرب ستكون فيها القيادة منفصلة عمن يحاربون على الأرض، على غرار حرب يوغوسافيا التي تعد أول حرب لا يسقط فيها قتيل من الجهة المهاجمة. ووفقاً لأوباما فإن الهدف الأساسي هو: "إضعاف قدرات "داعش" وفي نهاية المطاف تدميرها من خال استراتيجية شاملة ومستديمة لمكافحة الإرهاب".

وتبرز أهمية هذا الائتاف في إطار ما يطرحه "داعش" من خطورة ليس فقط على أمن المنطقة، ولكن على أمن العالم، إضافة إلى المخاوف بشأن انتقاله لدول أخرى، ومن ظهور تنظيمات إرهابية جديدة على غرار "داعش"، وذلك في ضوء التطورات التي تشهدها ظاهرة الإرهاب في العالم.

إلا أن المشكلة تكمن في أن استراتيجية ائتاف الراغبين ضد "داعش"، هي أشبه بتكتيك مرحلي وقتي يعتمد على وسائل غير كافية لهزيمة التنظيم، وتستغرق وقتاً طوياً حتى تؤتي ثمارها، خاصة الشق المتعلق بتدريب المعارضة السورية وتدريب القوات الأمنية العراقية، كما أن مامح هذا الائتاف لم تتضح بعد، فتارة يتم الإعان عن أن هناك 40 دولة ستنضم لائتاف، وتارة أخرى يتم تحديد العدد ب 25 دولة، ولاتزال أدوار هذه الدول غير واضحة، ومازال هناك فاعلون إقليميون مهمون خارج الائتاف، كما أن وضع مصر فيه مازال "ضبابياً"، فأثناء زيارته للمنطقة أبدى وزير الخارجية الأمريكي جون كيري رغبته في ضم مصر لائتاف الدولي، ومصر واحدة من الدول التي تُعاني خطر الإرهاب في الوقت الراهن، خاصة في سيناء، لكن المشكلة تتعلق بأن مصر تريد خطة شاملة لمواجهة الإرهاب في المنطقة وشمال أفريقيا من دون الاقتصار على خطر "داعش"، خاصة إرهاب جماعة الإخوان المسلمين وهو ما يتطلب أولاً تغيير الموقف الأمريكي من الإخوان المسلمين، كما أن مصر أكدت أنها لن تُشارك بقوات عسكرية خارج أراضيها.

إلى جانب ذلك، فإن جزءاً كبيراً من الجدل الخاص بهذا الائتاف مرتبط بالمسرح السوري وتعقيداته، وبكيفية

تسليح المعارضة السورية، وهذا الجدل ومواقف الأطراف الإقليمية والدولية منه من شأنهما أن يضعفا الائتاف. فوفقاً لمسؤولين أمريكيين لن يكون هناك تنسيق مع بشار الأسد الذي تحمله الولايات المتحدة مسؤولية تمدد نفوذ "داعش" في سوريا، ثم انتقاله للعراق، ووفقاً للمخطط الأمريكي، فمن شأن الضربات ضد "داعش" في سوريا، إضافة إلى دعم المعارضة المعتدلة، أن يمثا ضغطاً على الأسد لتسريع عملية نقل السلطة للمعارضة، وهو هدف من الصعب تحقيقه، كما أن فكرة دعم المعارضة المعتدلة تحتاج إلى تحديد دقيق، فالتشكيات التي يراها أوباما معتدلة تضم في صفوفها عناصر من القاعدة وإخوان سوريا، وتراها دول أخرى أعلنت عن رغبتها في المشاركة في هذا الائتاف جماعات متطرفة.

-استراتيجية المسايرة Bandwagoning:

تقوم استراتيجية التحالف على محاولة موازنة طرف آخر يمثل مصدر تهديد من خال التحالف مع دول أخرى تتبنى ذات التصور، بينما تقوم استراتيجية المسايرة على التحالف مع الدولة التي تمثل مصدر التهديد، حيث يكون من الصعب مواجهته، وتتجه الدول، لاسيما الصغيرة إلى تبني هذه الاستراتيجية في ظل حالات انعدام النظام في البيئة المحيطة بها، وانتشار أحزمة من الدول الضعيفة أو الفاشلة، حولها.

ففي كتابه أصول التحالفات The Origins of Alliances حلل ستيفن والت أسباب وأنماط التحالفات التي تدخل فيها الدول في ظل الفوضى، وحلل التحالفات في الشرق الأوسط خال الفترة )1955-1979.) ووفقاً لوالت فإن هناك عوامل أخرى، وليست القوة فقط التي تؤثر على قرارات الدول الخاصة بالدخول أو عدم الدخول في أي تحالف، وطور نظرية توازن التهديدات Balance of Threats لتفسير السلوك التحالفي للدول.

ويرى أنه في حالة الفوضى فإن الدول تلجأ إلى التحالف مع مصدر التهديد، أي المسايرة bandwagoning، لحماية نفسها، والمحددان الأساسيان في هذا الشأن هما طبيعة التهديد وقوة الطرف الآخر( .) وقد يقوم الطرف القوي في

10 هذه الحالة بتقديم بعض الحوافز كمكاسب إقليمية أو اتفاقيات تجارية أو الحماية لإغراء الدول الضعيفة لمسايرته.

ويرى كينيث والتز أن سلوك التوازن هو الأكثر شيوعاً من المسايرة، فمن وجهة نظره أن المسايرة استراتيجية خطيرة، لأنها تعزز السلوك العدواني للقوى التي تتم مسايرتها، أما أنصار النظرية الواقعية فهم يرون أن الدول

تلجأ للمسايرة فقط عندما لا تكون هناك إمكانية لبناء تحالف متوازن.

وتجدر الإشارة، إلى أن كوينسي رايت هو من صك مفهوم المسايرة في عام 1942 في كتاب له بعنوان A Study of War ، إلا أن المصطلح اكتسب شهرته من خال كتاب كينيث والتز الذي حمل عنوان "نظرية السياسات الدولية" ونشر في عام 1979. وقد حدد كينيث والتز ثاثة عوامل تؤثر على قرار الدولة بتبني استراتيجية المسايرة، وهي( ):

11 1- أبعاد التهديد، فكلما كانت الدولة ضعيفة، فإنها سوف تميل أكثر إلى المسايرة، وهذا على عكس الدول القوية التي يمكنها أن تنتقل من تحالف خاسر إلى تحالف فائز من دون أن تضطر لتبني استراتيجية المسايرة.

2- وجود الحلفاء، حيث يرى أنه كلما كان عدد الحلفاء "المحتملين" محدوداً، أي من يشاركون الدولة تصوراتها الخاصة بمصادر التهديد، وبكيفية التعامل مع حالة الفوضى السائدة في البيئة المحيطة بها، سوف تكون الدولة أكثر مياً للمسايرة.

3- المناخ الأمني، حيث الدول تكون أكثر استعداداً لكي تقرر أن تتبع سياسة المسايرة خال أوقات الأزمات والحروب، وحالات عدم اليقين، نظراً لأن اتخاذ قرار ما بالدخول في تحالف ما قد يكون خاطئاً وسيؤثر على بقاء الدولة.

وبالتالي، لا يعد عامل القوة هو المحدد الوحيد لقرارات الدول باتباع استراتيجية المسايرة أو بالتحالف مع طرف آخر، حيث إن وجود التهديد عامل مهم أيضاً، وكذلك البيئة الاستراتيجية المحيطة، فإذا كانت السمة السائدة في هذه البيئة هو مسايرة القوى الكبرى وعدم معارضتها، فإن اتجاه دولة ما لمحاولة موازنة هذه القوى من خال تشكيل تحالف ما، قد يترتب عليه عدم جاذبية فكرة التحالف للدول الأخرى، وبالتالي عزلة هذه الدولة. وفي الحالة المقابلة، إذا كانت السمة السائدة هي تشكيل التحالفات، فإن اتباع الدولة استراتيجية المسايرة، قد يقلص شرعيتها الإقليمية أو الدولية، ويجعلها عرضة لانتقادات عديدة. وتفيد الخبرة التاريخية، بأن الدول الكبرى قد تسعى لتهيئة المناخ الذي يضطر دولة أخرى صغيرة لاتباع استراتيجية المسايرة، أي أن تتبع سياسات تؤثر على سلوك تلك الدولة، بعبارة أخرى، قد لا يكون اتباع استراتيجية المسايرة خياراً ذاتياً للدولة. فعلى سبيل المثال، كان لدى

قادة الاتحاد السوفييتي أثناء فترة الحرب الباردة، قناعة بأن اتباع سياسات عدائية ضد النرويج وتركيا، قد يضطرهما لعدم الانضمام لحلف الناتو، والانضمام للمعسكر الشرقي، كما اعتقد القادة السوفييت أن تعزيز القوة العسكرية لاتحاد السوفييتي من شأنه أن يدفع عدة دول لإعان موالاتها له، وهو ما كان يمثل خصماً من حلفاء المعسكر الغربي، ولكن من الناحية العملية لم تنجح سياسات الاتحاد السوفييتي، ففي حالتي النرويج وتركيا انضمتا للمعسكر الغربي، بعد أن عززت الولايات المتحدة من سياساتها الحمائية تجاههما في مواجهة تهديدات السوفييت.

كما كان لدى قادة الولايات المتحدة خال الفترة ذاتها القناعة ذاتها، حيث كان هناك تصور لدى المؤسسات الأمنية، أن أي خفض في الإنفاق العسكري، سيضطر "أصدقاء" واشنطن للتقارب من الاتحاد السوفييتي، حتى وإن كانوا يصورونه كمصدر تهديد لهم.

وتظل تأثيرات تبني الدول هذه الاستراتيجية محل جدل، فتفضيل الدول لها قد يشجع الدول الكبرى على أن تكون أكثر عدائية، وأن ترفع شعارات من قبيل "إما معنا أو ضدنا"، على نحو قد يضر الاستقرار في الأقاليم التي تعمل فيها هذه الدول، أو قد يعزز الاستقرار بالهيمنة.

تظل المناقشات الخاصة باستراتيجيات إدارة شؤون الدولة الداخلية والخارجية، في ظل حالات الانفات والفوضى الممتدة، تدور في إطار محاولات استعادة السيطرة "الجزئية" على أوضاعها الداخلية، أو التحكم النسبي في مسار التفاعات المحيطة بها.

ويحكم قرار الدولة بتبني أي من هذه الاستراتيجيات الثاث، متغيرات عديدة، منها حجم القوة التي تمتلكها، وقدرتها على توظيف شبكة العاقات الخاصة بها، ونوع التهديدات المتصورة لديها ولدى الدول الأخرى، وكذلك المناخ السائد في الإقليم.

د. خديجة عرفة محمد

باحثة متخصصة في العلاقات الدولية

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.