:Generation Z

تزايد أهمية ”جيل الأحفاد“في الحفاظ على التجربة الحضارية للدول

Trending Events - Future Concepts - - خبير في دراسات الشباب، وباحث دكتوراه في كلية الاقت -

يربط علماء السياسة بين مفهومي الجيل والدولة، خاصة في معرض حديثهم عن عملية بناء الدولة الحديثة، حيث يوجد جيل الآباء، وهو الجيل الأول المؤسس للدولة، والجيل الثاني، وهو جيل الأبناء الذي أكمل مسيرة البناء، والجيل الثالث، وهو جيل الأحفاد، ويشير إلى هؤلاء الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و30 عاماً، والذين يفصلهم عن النخب السياسية والبيروقراطية والاقتصادية في بادهم ما يقرب من جيلين، أي نحو 50 عاماً تقريباً.

ويشير مفهوم الجيل، وهو أحد مفاهيم علم الاجتماع، في معناه الضيق إلى شريحة اجتماعية يجمع بينها التقارب العمري( ،) وفي معناه الواسع إلى الأبعاد النفسية والمزاجية

1 والأمور التي تتعلق بنمط الحياة، فكل جيل ينشأ في ظل مناخات سياسية واقتصادية واجتماعية لها سمات معينة، وتكون لها تأثيراتها الاجتماعية والثقافية عليهم) .) ويأخذ

2 الباحث في تعريفه مفهوم الجيل بالأنماط المثالية، فهو ليس وصفاً تجريبياً يطبق على حالة معينة، بل هو مجموعة من السمات النظرية المشتقة من الواقع.

ولكل جيل أهميته في السياق التاريخي لعملية بناء الدولة الوطنية الحديثة، خاصة في المنطقة العربية، والتي لا يزيد عمر الدولة فيها عن بضعة أجيال، وذلك مقارنة بالدول الأوروبية التي نشأت منذ القرن الخامس عشر، وأخذت في التشكل التدريجي حتى أوائل القرن التاسع عشر.

- لماذا جيل الأحفاد؟

يرجع الاهتمام بدراسة جيل الأحفاد في المنطقة العربية إلى ثاثة أسباب رئيسية. يتمثل السبب الأول في أن هذا الجيل يشكل نسبة كبيرة من الشباب في الدول العربية، فترتفع نسبتهم من إجمالي المواطنين يدول الخليج على سبيل المثال، لتبلغ في الشريحة العمرية -29 15سنة ما يقرب من ثلث عدد المواطنين في البحرين وعمان وقطر، وربع العدد في الكويت والإمارات( ،) و17.2% في الشريحة العمرية

3 24-15 سنة في السعودية وفق إحصاءات 2010 .( وهم

)4 لا يمثلون كتلة واحدة متجانسة سواء من حيث جنسيتهم، مواطنين أو وافدين، أو بالنظر إلى انتماءاتهم القبلية والمذهبية والمناطقية وتفاوتات الغنى والفقر بينهم.

ويتعلق السبب الثاني، بتسارع عملية العولمة بصورة أثرت على تصور هذا الجيل للصورة التقليدية لدور الدولة وعاقتها بالمجتمع، فبفضل التقدم المضطرد في استخدام جيل الأحفاد لتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، وازدياد التماهي بين الداخلي والخارجي، تأثر هذا الجيل بظهور المفاهيم الجديدة للدولة مثل "الدولة الإقليم"( أو "الدولة عبر

5) القومية( (" Transnational State ، وبرواج تعبيرات

6 مبتكرة مثل "النظام السياسي المعولم" Globalized Political System و"المواطن العالمي" Global Citizen و"الدولة المدينة" State City، وبإعادة إحياء مفهوم " أثر الاقتداء"، والذي يشير إلى انتقال تأثيرات حدث سياسي من دولة ما إلى الدول المجاورة. وألقت كل هذه التطورات بدورها على جيل الأحفاد الذي بات يوصف بأنه "جيل العولمة" و"جيل تويتر والفيسبوك"( ).

7

ويتمثل السبب الثالث، في أن الظروف التي تتعرض لها دول المنطقة في مرحلة ما بعد الثورات العربية، والتي تشهد محاولة حثيثة لهدم الدولة الوطنية أو على الأقل إضعافها وخلخلتها بواسطة القوى الخارجية، مدفوعة في ذلك بتوفر ظروف "البيئة الناضجة" على المستوى الداخلي، باتت تفرض على هذه الدول بلورة استراتيجيات وسياسات جادة وخاقة لمأسسة نموذج الدولة بين جيل الأحفاد، ولمعالجة حالة الانقطاع الحادث بين المؤسسات السياسية وحركة المجتمع بعد مرحلة الثورات العربية.

- اأبعاد الختلاف بين جيلي الأحفاد والأجداد:

من المهم قبل عرض مظاهر الاختاف بين جيلي الأحفاد والأجداد والأسباب المؤدية لذلك، التحديد الدقيق لمفهوم جيل الأجداد، فوفقاً للفهم الكاسيكي، فإنه يعني الجيل المؤسس للدولة، والذي قاد معركة النضال من أجل إنهاء الاستعمار وتقلد أحد أفراده السلطة، والذي يشمل على سبيل المثال جيل سعد زغلول ورفاقه في مصر في 1919، وبشارة الخوري في لبنان في 1943، والملك إدريس السنوسي في ليبيا في 1951، وإسماعيل الأزهري في السودان في 1956، والملك محمد الخامس في المغرب في العام نفسه، وابن بيا في الجزائر في 1962.

وتكشف الخبرة العملية في المنطقة، عن حدوث حالة انقطاع "مبكر" في بعض الدول التي شهدت ثورات شعبية أو حركات تصحيح بعد استقالها، فإذا طالت الفترة التي حدث فيها هذا الانقطاع، وتغيرت العناصر الأساسية للنظام السياسي الذي أقامه الجيل المؤسس، فإنه يمكن اعتبار الجيل التالي هو الجيل المؤسس الحقيقي على نحو ما حدث في أعقاب ثورة 1952 في مصر، وثورة الفاتح في ليبيا 1969.

وعند مقارنة سمات التشابه والاختاف بين جيلي الأحفاد والأجداد، تتضح غلبة جوانب الاختاف على تلك الخاصة بالتشابه، فباستثناء بعض دول المنطقة والشباب المنتمي للتيارات السلفية التقليدية في الدول العربية الأخرى، والذي يعلي من أهمية الحفاظ على المواريث السياسية والاجتماعية والثقافية الموروثة من النظام العربي الإسامي القديم وعاقتها بقيم الهوية والانتماء، فإنه من الناحية السوسيولوجية، فإن جيل الأحفاد يتسم بالتمرد وعدم الانصياع بسهولة للتقاليد والعادات السائدة، ومحاولة كسر القيود السياسية والاجتماعية والثقافية، مقارنة بجيلي الأجداد والآباء، واللذين يعطيان الأولوية للحفاظ على الوضع القائم، ويحذران من كسر القيود السياسية والاجتماعية المتوارثة، ويتصوران أن التقدم التكنولوجي هو السبب في تراجع القيم المجتمعية.

وعلى الصعيد السياسي، تبدو وتيرة الاختاف أكثر حدة بشأن قضايا الديمقراطية والتغيير السياسي ودور العامل الخارجي، فبينما يطالب جيل الأحفاد بإعادة بناء الدولة الوطنية على أسس حديثة، وينتقد الأجيال السابقة لأنه يرى أن سياساتها – التي أيدها جيل الآباء كانت السبب في تراجع الدولة وعدم تقدمها، يرى جيا الأجداد والآباء أهمية التدرج في طرح المطالب الإصاحية، بسبب "الفوضى" التي لحقت بدول الثورات العربية، وبفعل عدم توفر البنى التحتية الازمة للإصاح التي حددها شارل عيسوي في مقاله الرائد عام 1956 في " بلوغ المجتمع درجة ملموسة من النمو الاقتصادي وارتفاع مستوى دخول الأفراد، ووجود طبقة وسطى عريضة ونظام طبقي مرن، وارتفاع نسبة التعليم، ووجود ثقافة داعمة لمؤسسات النظام الديمقراطي وترتيباته"( ).

8 ويمكن تفسير أسباب الاختاف بين جيل الأحفاد، والأجيال السابقة عليه بأربعة أسباب رئيسية، على النحو التالي: 1- بُعد الفترة الزمنية الفاصلة بين هذا الجيل ومرحلة بناء الدولة أو إعادة تأسيسها، فالأجيال التي ولدت في تسعينيات القرن العشرين أو في أوائل القرن العشرين، تفصلهم فترة زمنية لا تقل في الغالب عن ثاثة أو أربعة عقود مع الجيل المؤسس، ولم يشهدوا حالة الزخم الثوري أو السلطة الكاريزمية التي تمتع بها آباء الاستقال. وبالتالي، فهم يعيشون في مرحلة قصور معرفي تجاه الماضي، ينتج عنه - ومع تدني مستوى التعليم في غالبية الدول النامية - عدم الإلمام بتفاصيل هذه الفترة وتعقيداتها، واقتصار مجال تلقي المعرفة على المعروض من الأفام السينمائية والأغاني الوطنية وكتب السيرة الذاتية. ولا يعني ذلك عدم حنين جيل الأحفاد لهذه الفترات، والتي اقترنت في الغالب بقيم الاستقال والكرامة الوطنية والعدالة الاجتماعية، فعلى سبيل المثال،

نادى أبناء هذا الجيل في مصر وتونس خال الثورة في كل منهما نهاية 2010 وبداية 2011 على التوالي بهذه القيم، قبل أن يتم اختطافها بواسطة تيارات الإسام السياسي. 2- بروز "قصور" التجربة، فبعد أربعة أو خمسة عقود، بات الشباب في بعض الدول العربية يشعر بتآكل مشروعية النظم الحاكمة، وبهرم هذه النظم وعجزها عن حل المشكات الهيكلية المتراكمة، وتقديم نموذج يقوم على إشراك فئات المجتمع في اتخاذ القرار، ويتصدى لانتشار شبكات الفساد. واقترن ذلك بإخفاق سياسات التنمية الاقتصادية وتحقيق العدالة الاجتماعية. والمثال الأبرز على ذلك هو انتشار البطالة. فوفقاً للتقرير السنوي الصادر عن منظمة العمل العربية في سبتمبر 2014، فإن متوسط معدل البطالة في المنطقة العربية بلغ 16% في 2013

،( وأن البطالة لدى الشباب العربي )9 تفوق في المتوسط خال السنوات العشر الأخيرة 28%، وهي نسبة أعلى من المتوسط العالمي للفترة نفسها والتي تبلغ 10)% 16(. 3- ازدياد قوى المعارضة الاجتماعية، ودفع إلى ذلك عامان رئيسيان هما: عدم إقرار جيل الأحفاد بشرعية الدولة الوطنية التي لم يجدوا فيها مجالات للعمل والرزق والمشاركة السياسية، وتبلور تنظيمات الرفض الاجتماعي وتعدد أشكالها بحيث أصبح جيل الأحفاد يعبر عن حركة لا اجتماعية Non Social Movements قائمة بذاتها، وعن قوى مهمة في تحديد سياسات الشارع Street Politics . ومن ذلك الدور الذي تقوم به حركة شباب 6 أبريل في مصر، وحركة 20 فبراير في المغرب في تعبئة الشباب. 4- الانفتاح على الفضاء الإلكتروني، فمع تبلور العولمة، تم الانتقال من النموذج المعرفي للمجتمع الصناعي إلى النموذج المعرفي لمجتمع المعلومات العالمي( ،) ويفصح

11 عن ذلك ازدياد نسب تردد الشباب على شبكات التواصل الاجتماعي) ، واستخدامهم الهواتف الذكية في معاماتهم

12) اليومية، وهو ما أدى إلى ازدياد اطاعهم على ما يحدث في العالم وتاشي "الأسوار المعرفية" و"الحدود الفاصلة" بين الدول.

وتكمن المشكلة الرئيسية لانفتاح التكنولوجي لهذا الجيل في عدم دقة المعلومات التي يتم الترويج لها على شبكات التواصل الاجتماعي، وتوجيهها في كثير من الأحيان من جانب مجموعات منظمة لديها أجندة مختلفة عن البوصلة الوطنية للأولويات ومصادر المخاطر والتهديدات المحتملة. نتج عن كل ما سبق، إحساس جيل الأحفاد في دول الثورات العربية تحديداً بغياب شرعية النظم فيها، وتعرض منظومة القيم الحاكمة لهم لحالة اهتزاز عنيفة نتج عنها انجذابهم لتيارات وأفكار بديلة خارج مظلة الدولة الوطنية. فمن ناحية أولى، انضم الشباب لكيانات كوزموبوليتانية تتجاوز حدود الدولة الوطنية سواء من خال انخراطهم في "مواطنة عالمية"، أو من خال تبني أفكار إسامية تتجاوز حدود الدولة الوطنية، وتدعو لإقامة دولة الخافة الإسامية، والشكل البارز الدال على النوع الثاني تنظيم الإخوان المسلمين، وتنظيم "داعش" في العراق وسوريا والذي تشهد عضويته الشبابية ازدياداً مضطرداً( ).

13 ومن ناحية ثانية، انجذب الشباب لهويات إثنية وطائفية أدنى من الدولة، وأخذ ذلك شكل صراع رأسي يقسم المجتمع كله عبر الطبقات والشرائح الاجتماعية. وفي هذا الإطار، تبلورت الاختافات بين الشباب على خطوط مذهبية بين السنة والشيعة، أو قبلية، كما في حالة الحوثيين في اليمن، أو رياضية مثلما هي الحال في تنظيمات الألتراس في بعض البلدان العربية.

- ا�شتراتيجيات اإدارة العلاقة مع جيل الأحفاد:

تبرز عدة سياسات واستراتيجيات مقترحة للتعامل مع جيل الأحفاد على نحو يحافظ على مأسسة نموذج الدولة من ناحية، ويتاءم مع طبيعة هذا الجيل من ناحية ثانية. وتنطلق هذه السياسات والاستراتيجيات من أهمية "تجديد شباب الدولة" وتحديث مؤسساتها وطرح مفهوم الدولة الوطنية ليس باعتبارها جزءاً من تراث الماضي، بل لكونها أطروحة للمستقبل. بهذا المعنى، تزداد قدرة الدولة على إدارة مخاطر العولمة، وذلك من خال دعم قدراتها، وزيادة شرعيتها، وجعل نظامها السياسي أكثر قرباً من الناس.

ولتحقيق ذلك، يستلزم على الدول اتخاذ عدة إجراءات تراعي خصائص هذا الجيل، والتي حددتها إحدى الدراسات في "السرعة والإنجاز والقدرة العالية على التواصل وتقديم المبادرات والحلول"، وأن "تستوعب حجم الأفكار والمبادرات التي يتبادلها هذا الجيل حول آليات تطوير باده ومجتمعاته أو حول تطلعاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية"( ).

14 ومن أهم هذه الإجراءات دمج جيل الأحفاد في مؤسسات الدولة بحيث يكون الإصاح من "أعلى" ومن "أسفل" في الوقت نفسه. فالدول تحافظ على استقرارها السياسي من خال التواصل مع المجتمع، والتعبير عن مصالح القوى

الفاعلة فيه ورؤاها وإدماجها في إطار النظام. وعندما تفشل في تحقيق ذلك، فإنها تعاني من مظاهر التحلل والتفكك والسقوط والانهيار( .) ومن دون هذه القناعة، تصبح مسألة

15 تمكين جيل الأحفاد عملية شكلية تولد العديد من التهديدات المحتملة في المستقبل. وفي هذا الإطار، يمكن مثاً تخصيص نسب معينة للشباب في الجهات التنفيذية والإدارية والتشريعية، وتبني إطار تمييزي للشباب ييسر لهم العمل في منظمات المجتمع المدني، وفي مجال إقامة مشروعاتهم الصغيرة ومتناهية الصغر.

تتوازى مع ذلك، أهمية قيام الدولة بإعادة الاعتبار لدور مؤسسات الهوية والتنشئة السياسية التقليدية، مثل الأسرة والمدرسة، والتي فقدت نفوذها تدريجياً لصالح القنوات الفضائية وعالم الإنترنت الافتراضي، بحيث يتعايش الاثنان جنباً إلى جنب. ويتعزز ذلك بالنظر إلى الهوية على أنها وعي متجدد ومتطور بالذات، لا على أنها تحوي في طياتها فقط صفات ثابتة بحكم اعتبارات التاريخ والجغرافيا( ).

16

كما يفرض ذلك أهمية وضع مواثيق شرف منظمة لاستخدام شبكات التواصل الاجتماعي، وبحيث يكون الحفاظ على نموذج الدولة واستقرارها هو الحد الأدنى الذي لا يتم تجاوزه. ويستلزم ذلك إجراء حوار مجتمعي واسع ودوري ومحدد الأجندة بين النظم الحاكمة وجيل الأحفاد. فالمهم أن يشعر الجيل الجديد من الشباب بأن كيان الدولة يدار "عبر سلطة تعود إليهم، ويمارسونها بأنفسهم، وليست مفروضة عليهم"، وأن الدولة ليست لها "خصوصية تاريخية " تميزها عن غيرها من باقي دول العالم( ).

17 ولا يتحقق كل ما سبق، من دون اقتناع جيلي الأجداد والآباء بأهمية تمكين جيل الأحفاد، وإدراك جيل الأحفاد للتحديات التي تواجهها دولهم، وعدم وقوعهم في فخ مسألة "الصراع بين الأجيال" أو في براثن الأفكار الهدامة التي لا تأخذ في اعتبارها الظروف التاريخية التي نشأت فيها الدولة والتطور التدريجي لشكل نظمها السياسية. كما أنه لا يتحقق من دون توفر برنامج عمل وطني للإصاح تشارك فيه جميع القوى والتكوينات الممثلة للمجتمع.

يوسف ورداني

خبير في دراسات الشباب، وباحث دكتوراه في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية -جامعة القاهرة

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.