:Generation of Turmoil

الملامح الخاصة ل ”جيل الاضطرابات“ في المراحل الانتقالية

Trending Events - Future Concepts - - باحث ماجستير في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية-جام -

تمر العديد من الدول في المنطقة العربية بأوضاع مضطربة، إما نتيجة ثورة أو حروب أو صراعات عنيفة، وتتعايش مع فترات الاضطرابات أجيال صغيرة في السن، عادة ما تكون شابة، يرتبط جزء كبير من وعيها المتكون بمرحلة الاضطرابات هذه، وتعاني عادة من "مشاكل" في التكيف مع مرحلة ما بعد الاضطراب حين تبدأ عملية بناء الدولة الجديدة، ويعد القاسم المشترك بين أبناء هذا الجيل باختاف السمات الاجتماعية والاقتصادية لهم، هو تقاسمهم تجارب سياسية واجتماعية مشتركة، ولدت لديهم مجموعة من الخصائص المشتركة التي تميزهم عن أجيال أخرى عاشت المرحلة ذاتها.

وفي حالة العديد من الدول العربية، فإن فترة الاضطراب في عمر هذا الجيل من الناحية الزمنية، لا تتعدى أربع سنوات منذ اندلاع الثورات العربية نهاية 2010، وعلى الرغم من قصر هذه الفترة، فإن ما حوته من تحولات يجعل تأثير هذه المرحلة على توجهاته في المرحلة التالية على الاضطراب، سواء كانت ثورة، كما في حالة تونس ومصر، أو حرباً أهلية، كما في حالة ليبيا، أو صراعاً مسلحاً كما في حالة سوريا، تظل مهمة بالنسبة للدولة الجديدة، حيث تقع على عاتقها مسؤولية كون هذا الجيل من "الخاسرين" أو "الرابحين" في الدولة الجديدة.

- �شمات جيل ال�شطرابات:

يعد مفهوم "جيل الاضطرابات" مفهوماً مركباً يتكون من شقين، يمتاز الشق الأول بالثبات في المعنى ودقة التعريف، وفق ما أرساه منظروا نظرية الجيل Generation Theory ، وعادة ما يتم تعريف الجيل على أنه "معايشة الأفراد لتجربة ما، سواء كان ذلك صراعاً أم تواصاً، من غير أن يكون العمر أو السن شرطاً أساسياً في دراسة خصائص الجيل". وبالاقتراب من الشق الثاني لمفهوم جيل الاضطرابات، يأتي مفهوم الاضطراب ليعبر هو الآخر عن تنوع في المعاني والدلالات، والتي تحمل في طياتها سمة عدم الاستقرار والتضارب بين أهداف ومصالح أطراف متعددة. وتختلف ظروف هذا المفهوم ومابساته باختاف النطاقين المكاني والزماني، فحالة الاضطرابات في المنطقة العربية، لا ترتبط بسبب بعينه، ولا تأخذ شكاً واحداً، إنما تتنوع ما بين الثورات، وما اقترن بها من أحداث ومستجدات أوجدت ظروفاً جديدة وأزمات أخرى زادت من شدة تلك الاضطرابات، أو قد تكون في صورة حروب أهلية اشتعلت لأسباب غير مستجدة تراكمت عليها ظروف الثورات التي اشتعلت في المنطقة، فتفاعلت معها لتوجد هي الأخرى أحداثاً وأسباباً جديدة تُضاف إلى قائمة مسببات الاضطرابات في المنطقة. وجدير بالذكر، أن جيل الاضطرابات يتنوع في تركيبته العمرية مختلفاً بين انتماءاته الجيلية والطبقية، ولكن يغلب عليه جيل الشباب Gen Y ، وخصائص هذا الجيل تتحدد بخصائص الدولة التي يوجد فيها.

وعادة ما تتجه المناقشات فيما يتعلق بالخصائص الاقتصادية لهذا الجيل، إلى تصنيفه إلى من يعمل وإلى من هو عاطل عن العمل، ومن يعمل في الاقتصاد الرسمي، ومن يعمل في الاقتصاد غير الرسمي، فعلى سبيل المثال، صاحب اندلاع الثورة في تونس بسبب إشعال محمد البوعزيزي النار في نفسه، تكون تصورات لدى بعض المتابعين بأن جيل الثورة في تونس، هو بالضرورة يعاني أوضاعاً اقتصادية سيئة.

وفيما يتعلق بالخصائص الاجتماعية، فإنه في حالات كثيرة في المنطقة، يتحدد هذا الجيل وفق خطوط مذهبية أو سياسية، وعادة ما يكون كما تكشف عن ذلك حالات عديدة في المنطقة، الجيل المنتمي لمذهب معين هو الجيل الخاسر في مرحلة ما بعد الاضطراب، مثل السنة في العراق بعد

حرب 2003، وهذه السمة الاجتماعية مرتبطة بالدول التي تستخدم الانقسامات الطائفية في مجتمعاتها كورقة تدعم من خالها شرعيتها، فأصبح هناك تناحر بين أقلية وأغلبية وبين متطرفين دينيين وعلمانيين، كما هو الوضع المحتقن في كل من سوريا والعراق، فقد تركت الحرب الأهلية والانقسامات الداخلية آثارها الواضحة في ضعضعة وتقويض الدولة هناك( ).

1 إلى جانب ذلك، هناك التصنيفات السياسية المميزة لهذا الجيل، ومن ذلك جيل شباب ثورة يناير 2011، وجيل أحفاد الإخوان المسلمين في مصر بعد ثورة 30 يونيو 2013، وهناك أيضاً شباب الجهاديين والمتطرفين، فالاضطراب في المنطقة، ناتج عن امتداد الحركات والعناصر الجهادية في العديد من دولها( ).

2 ولكن بصفة عامة، يمتلك هذا الجيل هوية "مركبة" بسبب تزاحم الأحداث والظروف التي تعرضت لها المنطقة منذ اندلاع الثورات العربية، حيث بات من الصعب تحديد من هم جيل "الثورة السلمية" بعد أن تحولت إلى "عنف مسلح" في حالات معينة بسبب سيطرة قوى الإسام السياسي عليها، كما أن لكل جيل من هؤلاء هويته المستقلة التي تتنوع بين العلمانية والدينية المتطرفة.

- �شيا�شات الدمج في الدولة الجديدة :

على الرغم من حالة التشتت التي تتضح في تحديد هوية جيل الاضطرابات، والذي يخضع لمسميات عديدة وتصنيفات متنوعة تختلف باختاف النطاقين الزماني والمكاني، فإن الدول التي تمر بهذه الاضطرابات، بحاجة لتطوير سياسات تمكنها من التعامل مع هذا الجيل، ويشير هوفمان في دراسته إلى أنه مهما اختلف جيل الاضطرابات في توجهاته وفكره يظل هذا الجيل ضحية الظروف الاقتصادية المتعثرة في هذه المنطقة نتيجة غياب استجابة الحكومات لمطالبه، واستمرار عدم فاعليتها حتى بعد دخولها مرحلة البناء كما في مصر وتونس( ).

3 وتكشف خبرات العديد من الدول عن اتباع بعض السياسات الخاصة بدمج هذا الجيل، وهي كفيلة بتكوين عاقات "طبيعية" بينه والدولة الجديدة، ومنها سياسة إصاح الجهاز الحكومي على نحو يعزز من قدرته على الاستجابة لمطالب الشباب، من خال مكافحة الفساد وتمكين الجمهور معلوماتياً وتعديل هياكل الأجور للموظفين العموميين، على نحو يعزز مبادئ الشفافية والمساءلة، وهو ما يساعد على تحفيز الاستثمار عبر تدشين وترسيخ مقومات الشفافية التي تحفز النمو الاقتصادي، كل ذلك يصب في تحسين جودة الخدمات العامة ويحقق الرضا العام الذي افتقدته كثير من الأنظمة العربية، الأمر الذي تسبب في اندلاع ظاهرة الثورات العربية، منادية بتحقيق مطلب العدالة الاجتماعية. وقد أخذت العديد من الدول المتقدمة على عاتقها تفعيل هذه السياسة في المراحل التالية لاضطرابات، مثل الدنمارك والسويد وكندا، إذ إن الهدف من تفعيل هذه المنظومة هو تحقيق الثقة من جانب أبناء هذا الجيل في الحكومة.

وتنصرف السياسة الثانية إلى ضمان "تمثيل" ما لهذا الجيل، وتقدم خبرة جنوب أفريقيا مثالاً رائداً في تحقيق ذلك لكل الجيل الذي عاني من سياسة الفصل العنصري( ،) حيث

4 تبنت سياسات تضمن التمثيل الحقيقي لكل فئات المجتمع من دون تحيز لفئة معينة، وهي سياسة يمكن الاستفادة منها في الدول التي تعاني من صراعات طائفية.

وتتعلق السياسة الثالثة بتفعيل استراتيجيات تمكين الشباب، على نحو يضمن ارتباطهم بمشروع الدولة الجديدة، ويتم ذلك عبر تفعيل آليات المشاركة المدنية للشباب، وكذلك المشاركة الاقتصادية لهم، وذلك بهدف سد الفجوة بين رغبة الشباب في التفاعل وبين قلة الفرص المناسبة) .) وتنصرف السياسة

5 الرابعة إلى تفعيل استراتيجيات مكافحة التطرف والإرهاب، بين أبناء هذا الجيل، وفي المجتمع بصفة عامة، وذلك من خال تعزيز العمل الاستخباراتي الجماعي بين الدول العربية، وتحجيم اقتصاد الإرهاب ومواجهة فكر التطرف

،( إلى جانب تبني سياسات غير أمنية تضمن تحصين هذا )6 الجيل في مواجهة الجماعات المتطرفة والإرهابية. تظل أوضاع جيل "الاضطرابات" متازمة ومترابطة مع مستقبل الاضطرابات والصراعات نفسها، ويتوقع بعض الباحثين تمدد جيل جديد من الجهاديين مستقباً بسبب زيادة تطرف مجموعة من الشباب وانجذابهم للأفكار المتطرفة، فضاً عن تنامي الشبكات والتنظيمات الجهادية بشكل كبير في المنطقة. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إنما يتوقع تهديد هذا الجيل للعالم بأسره خاصة بعد تنامي ظاهرة المقاتلين الأجانب، وهو ما يُعتبر تمدداً جهادياً عابراً للحدود إقليمياً ودولياً ومهدداً لأمن واستقرار الدول، بسبب ما اكتسبوه من خبرة عسكرية. وتظل الإشكالية بالنسبة للعديد من الدول مرتبطة بقدرتها على تطوير سياسات تمكنها من تحويل جيل الاضطرابات من كونه مشكلة، إلى قيمة مضافة للدولة الجديدة.

دعاء الجهيني

باحث ماجستير في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية-جامعة القاهرة

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.