Cyber Power

نمط جديد لممارسة التأثيرات غير التقليدية في العلاقات الدولية

Trending Events - Future Concepts - - كيف تحمي الدول أمنها وتدير شؤونها وتوجه تفاعلاتها، -

شهد مفهوم القوة، منذ نهاية الحرب الباردة، جملة من التغيرات لمواكبة التطور الحادث في حقل العاقات الدولية، حيث طرأ مستويان من التغيير على مفهوم القوة، أحدهما يتعلق بالعناصر المكونة للقوة، والأشكال المختلفة التي تتخذها القوة، ومستوى آخر خاص بالطرف الذي يمتلك القوة، خاصة مع امتاك فاعلين من غير الدولة بعض مصادر القوة، والتأثير في العاقات الدولية، وقد كان للدور الذي لعبته التكنولوجيا، خاصة الفضاء الإلكتروني، أثر كبير على مفهوم القوة وتحولاتها، فظهر نوع جديد هو القوة السيبرية (Cyber Power )، كان لها تأثير واضح على مفاهيم الأمن القومي، خاصة مع اتجاه معظم الدول إلى الاعتماد على أجهزة الكمبيوتر والشبكات في إدارة جميع نظمها وخدماتها، سواء كانت مدنية أو عسكرية، وسيتم فيما يلي إلقاء مزيد من الضوء على مصطلح القوة السيبرية، من حيث تعريفه وعناصره والفواعل الدولية التي تستخدمه.

اأولً: تحولت القوة تحت تاأثير الف�ضاء الإلكتروني

يعتبر الفضاء الإلكتروني بيئة حديثة نسبياً، تتميز بقدرتها على الاستجابة للتغيرات بصورة سريعة أكبر من البيئات الطبيعية الأخرى، وذلك لاعتماده على التكنولوجيا الحديثة، واستجابته السريعة للتطورات التكنولوجية، فهو يتميز بسهولة الاستخدام، ورخص التكلفة، وسهولة الحصول على المعلومات وتوفرها، فضاً عن إمكانية التخفي وعدم الظهور بهوية الشخص الحقيقية، وقد شجع كل ذلك على تعدد الفاعلين المستخدمين للفضاء الإلكتروني، فشمل بذلك أفراداً وجماعات ودولاً ومنظمات دولية وشركات، كما تعددت استخداماته فأصبحت له استخدامات تجارية ومالية واقتصادية وعسكرية واجتماعية وعلمية ومعلوماتية، فإذا كان تحريك أسطول بحري لدولة ما للقيام بمهمة معينة في المحيطات أو البحار يستغرق وقتاً وجهداً، فإنه من اليسير جداً إرسال جيش جرار من الفيروسات وبرامج الكمبيوتر التي تستطيع القيام بهجمات سيبرية على قدر عال من الخطورة. ويعد الفضاء الإلكتروني مجالاً عاماً للجميع، والدليل على ذلك، وجود شبكة من التواصل والعاقات بين من يستخدمونه ويتفاعلون معه، فضاً عن انتقال مجالات الحياة كافة من إعام وصحة وتعليم وحكومة ومواطنة واقتصاد وسياسة إلى الفضاء الإلكتروني فيما يشبه الحياة الافتراضية، وإلى جانب ذلك أصبح الفضاء الإلكتروني وسيطاً ووسيلة في الوقت نفسه لشن هجمات وتنفيذ الأعمال العدائية بين الخصوم كغيره من المجالات كالجو أو الفضاء أو البحر، فهو بمنزلة مجال جديد للصراع، ويحوي الفضاء الإلكتروني كماً هائاً من الشبكات ونظم المعلومات والاتصالات تربطه مع الفضاء الخارجي والأقمار الصناعية.

وتستخدم الدول الفضاء الإلكتروني لاعتبارات أمنية وعسكرية بشكل جعل العديد من الدول تُدخل الفضاء الإلكتروني ضمن حسابتها الاستراتيجية واعتبارات أمنها القومي، بحيث لا يقتصر التركيز فقط على دور الفضاء الإلكتروني في تحقيق الرفاهية الاقتصادية والحصول على موارد الثروة والسلطة وتحقيق التفوق السياسي، وتعظيم معرفتها وسباقها العلمي والبحثي. وتتضح العلاقة بين الفضاء الإلكتروني وأمن الدول، حيث يستطيع أحد مستخدمي الفضاء الإلكتروني أن يوقع خسائر فادحة بالطرف الآخر، والذي يأخذ الأشكال التالية: • أن يتسبب في شل البنية العسكرية المعلوماتية والاتصالاتية، وهو ما يسبب خسائر عسكرية فادحة، من خال قطع أنظمة الاتصال بين الوحدات العسكرية وبعضها البعض، فضاً عن تدمير المعلومات العسكرية أو سرقتها أو تزييفها. • التاعب بالبيانات الاقتصادية والمالية وتزييفها أو مسحها من أجهزة الحواسب. وعلى الرغم من فداحة الخسائر، فإن الأسلحة بسيطة لا تتعدى الكيلوبايتس، وتتمثل في فيروسات إلكترونية تخترق شبكة الحاسب الآلي وتنتشر بسرعة بين الأجهزة، وتبدأ عملها

في سرية تامة وبكفاءة عالية، وهي في ذلك لا تفرق بين المقاتل والمدني وبين العام والخاص وبين السري والمعلوم، ومن هنا ظهر نوع جديد من ممارسة التأثير والنفوذ على الأطراف الأخرى يُسمى "القوة السيبرية".

ثانياً: تعريف القوة ال�ضيبرية

يعد جوزيف ناي من أبرز المهتمين بالقوة السيبرية، وله السبق في الحديث عنها، حيث يعرفها بأنها "القدرة على الحصول على النتائج المرجوة من خلال استخدام مصادر المعلومات المرتبطة بالفضاء الإلكتروني، أي أنها القدرة على استخدام الفضاء الإلكتروني لإيجاد مزايا للدولة، والتأثير على الأحداث المتعلقة بالبيئات التشغيلية الأخرى (Operational Environments ) وذلك عبر أدوات إلكترونية") ،( ويوضح جوزيف ناي أن مفهوم القوة السيبرية

1 يشير إلى "مجموعة الموارد المتعلقة بالتحكم والسيطرة على أجهزة الحاسبات والمعلومات والشبكات الإلكترونية والبنية التحتية المعلوماتية والمهارات البشرية المدربة للتعامل مع هذه الوسائل) )".

2 ويتناول مفهوم القوة السيبرية القضايا كافة، التي تتعلق بالتفاعات الدولية العسكرية والاقتصادية والسياسية والثقافية والإعامية وغيرها، والتي تتم عبر الفضاء الإلكتروني وتختلف عن مسمى الحرب الإلكترونية، التي تقتصر على التطبيقات العسكرية للفضاء الإلكتروني، وتتم الإشارة إليه بالهجوم الإلكتروني.

ثالثاً: الفواعل الرئي�ضية في ممار�ضة القوة ال�ضيبرية

وقد حدد ناي ثلاثة أنواع من الفاعلين الذين يمتلكون القوة السيبرية، يمكن توضيحهم في التالي: • النوع الأول هو الدولة، التي لديها القدرة على تنفيذ هجمات إلكترونية وتطوير البنية التحتية وممارسة السلطات داخل حدودها. • النوع الثاني هو الفاعلون من غير الدول، ويستخدم هؤلاء الفاعلون القوة السيبرية لأغراض هجومية بالأساس، إلا أن قدرتهم على تنفيذ أي هجوم سيبري مؤثر تتطلب مشاركة وكالات استخباراتية متطورة، وفك رموز مشيفرة، وعادة لا تمتلك هذه الجماعات إمكانيات الدولة نفسها في مجال القوة السيبرية، ولكن يمكن أن ينفذ الفاعلون من غير الدول هجمات متنوعة تشمل اختراق مواقع إلكترونية واستهداف أنظمة الاتصالات الدفاعية. • النوع الثالث هو الأفراد، الذين يمتلكون المعرفة التكنولوجية والقدرة على توظيفها، وعادة ما تكون هناك صعوبة في الكشف عن هويتهم، كما أنه من الصعب ماحقتهم( ).

3

رابعاً: اأنماط ا�ضتخدام القوة ال�ضيبرية

وقد حدد ناي أنماطاً لاستخدام القوة الإلكترونية، وميّز بين الاستخدام الناعم لها والاستخدام الصلب، يمكن تفصيلها فيما يلي: 1- قدرة الفاعل (أ) على التأثير على سلوكيات الفاعل (ب) ودفعه للقيام بأعمال لم يكن ليقوم بها، وتكون القوة السيبرية في هذه الحالة مصدراً للقوة الناعمة، كما في حالة اتجاه الدولة لوضع معايير ملزمة للبرمجيات أو استخدام الجماعات الإرهابية الفضاء الإلكتروني في تجنيد بعض الشباب، بينما يكون استخدام القوة السيبرية كنموذج للقوة الصلبة من خال قطع خدمات الإنترنت عن الدولة كاملة، مثل تعرض إستونيا عام 2007 لهجمات إلكترونية من روسيا، استهدفت بنيتها المعلوماتية، أو من خال نشر فيروسات تدمر أجهزة الدولة، وتستهدف نظم الكمبيوتر الخاصة بالخدمات الحكومية( ).

4 2- قدرة الفاعل الدولي على التحكم في أجندة الآخرين من خلال منعه من تنفيذ بعض من خططه الاستراتيجية، ومن الأمثلة على هذا الاستخدام للفضاء الإلكتروني في ممارسة القوة الصلبة، قيام الحكومة الإيرانية عام 2010 – في أعقاب الاحتفال بعيد الثورة الإيرانية – بمنع بعض الناشطين السياسيين من عرض فيديوهات على موقع اليوتيوب مضادة للنظام الحاكم، حيث عمدت الحكومة إلى إبطاء سرعة الإنترنت وإعاقة بث هذه الفيديوهات، وبالتالي أحبطت إحدى استراتيجيات المعارضة الإيرانية في التعبير عن آرائها، ومن مظاهر استخدام الفضاء الإلكتروني لممارسة القوة الناعمة بعض الشروط التي تضعها منظمة الأيكان على أسماء نطاقات الإنترنت، وكذلك المعايير التي وضعتها لتصميم واستخدام البرمجيات، والتي لاقت قبولاً واسعاً( ).

5 3- ترتيب أولويات الفواعل الأخرى، وذلك من خلال أن يقوم الفاعل (أ) بترتيب أولويات الفاعل (ب)، ومن أمثلة ممارسة القوة الصلبة في هذا الإطار قيام بعض الدول، مثل الصين والسعودية بحجب بعض المواقع عن المواطنين وترك مواقع أخرى مفتوحة لهم، وكذلك قيام الولايات المتحدة الأمريكية باتخاذ عدة إجراءات ضد شركات بطاقات الائتمان لمنع ممارسة القمار عبر الإنترنت، بينما من أمثلة القوة الناعمة، العمل على نشر أو تقييد قيم وثقافات عبر الإنترنت، مثل تطوير قيم رافضة لنشر الإباحية عبر الإنترنت( ).

6 وبالتالي أصبحت القوة السيبرية حقيقة أساسية في العالم بكل مظاهرها المتنوعة، وبما دعم من قوة الدولة العسكرية والاقتصادية والسياسية، وهذا بدوره أثر على طريقة حساب قوة الدولة، التي أصبح من الصعب حسابها وفق مصادر القوة التقليدية من دون الأخذ في الاعتبار القوة السيبرية( ).

7

من الأمور المستقرة في العلاقات الدولية أن مصادر قوة الدولة ومكونات نفوذها تتغير، وأن أدوات ممارسة القوة في العلاقات الدولية تتبدل، وأن أشكال القوة التقليدية تتحول، وذلك نتيجة للتقدم التكنولوجي وتزايد الاعتماد على الفضاء الإلكتروني، فظهرت أدوات وأشكال جديدة لممارسة النفوذ في العلاقات الدولية أبرزها القوة السيبرية.

خام�ضاً: عنا�ضر القوة ال�ضيبرية

هناك عدة عناصر للقوة السيبرية، لابد من امتاكها حتى تتمكن الدولة من ممارسة النفوذ، سواء داخلياً أو خارجياً، ولعل أبرزها وجود بنية تحتية سيبرية (Cyber Infrastructure) وهي بمنزلة البنية التحتية الازمة لاستخدام لقوة السيبرية، والتي تشمل أجهزة الكمبيوتر، وشبكات الاتصالات، والبرمجيات، وقواعد البيانات للأنظمة المالية والمصرفية ونظم إدارة محطات الطاقة والخدمات العامة، بالإضافة إلى بنية مؤسسية تتولى مهمة ممارسة القوة السيبرية وتحقيق الأمن الإلكتروني للدولة، يحكمها في ذلك بنية تشريعية ضامنة، واستراتيجية بأهداف واضحة.

وعلى الرغم من العناصر السابقة، فإن ذلك كله غير كاف لممارسة القوة السيبرية سواء داخل الدولة أو خارجها، فحتى تكتمل عناصر القوة السيبرية، لابد من قيام الدولة بتطوير أسلحة في مجال الحرب السيبرية وهي برامج يتم تصميمها للقيام بوظائف مختلفة، تشمل فيروسات الحاسوب (Viruses)، الديدان (Worms)، والقنابل المنطقية ،)Logic )bombs والأبواب الخلفية (Backdoors)، وغيرها من الأسلحة السيبرية، الازمة لإدارة العمليات الإلكترونية ("CNO"Computer .)Network Operations ويمكن القول إن العمليات العسكرية السيبرية تنقسم بدورها إلى بعدين هما: • مهاجمة شبكات الحاسب الآلي: من خال اختراق الشبكات ونشر الفيروسات (Viruses) وما شابهها من البرامج الصغيرة المؤذية، مثل الديدان(Worms) ، وتلغيمها بالقنابل المنطقية (Logic Bombs ) ، التي يتم تنشيطها في وقت معين للمهاجم، لكي تتلف ما تحتويه الحاسبات من بيانات وبرمجيات، أو القيام بهجمات إلكترونية أو مادية لقطع لخدمات الإنترنت (Denial Of Service Attacks ) عن الخصم، ومن ثم القدرة على تدمير قواعد البيانات الإلكترونية التي يمتلكها( ).

8 • الدفاع عن أجهزة الكمبيوتر والشبكات: من أي عملية اختراق خارجي، ويجب أن يكون التأمين على مستوى البرمجيات (Software) وكذلك المكون المادي للشبكات )Hardware)، بحيث يتم تأمين الشبكة من أي اختراق خارجي بأي من الأسلحة السيبرية السابق ذكرها، وكذلك تأمين المكون المادي للشبكات مثل الخوادم أو الشرائح الإلكترونية، والتي قد تكون مبرمجة من قبل المصمم، لكي تعمل في ظروف غير عادية لصالحه، بالإضافة إلى القدرة على التجسس على شبكات الخصم.

الخاتمة

نتيجة لتأثيرات التكنولوجيا الحديثة، خاصة الفضاء الإلكتروني على مفهوم القوة، ظهر لدينا شكل جديد من أشكال القوة، هو القوة السيبرية (Cyber Power)، وأصبحت تترك تأثيرات على المستويين الإقليمي والدولي، إذ أدت إلى توزيع وانتشار القوة بين عدد أكبر من الفاعلين، مما جعل قدرة الدولة على السيطرة على هذا الميدان موضع شك، مقارنة بالمجالات الأخرى للقوة.

ومن ناحية أخرى، جعلت القوة السيبرية بعض الفاعلين الأصغر في السياسة الدولية، مثل الحركات الإرهابية والمنظمات الإجرامية، بل والأفراد أنفسهم لديهم قدرة أكبر على ممارسة كل من القوة الصلبة والقوة الناعمة عبر الفضاء الإلكتروني، وهو ما يعني تغيراً في عاقات القوى في السياسة الدولية، وهو الأمر الذي دفع كثيراً من الدول لاهتمام بالقوة السيبرية، والاستفادة منها في تطوير استراتيجياتها العسكرية والسياسية من أجل حماية مصالحها الوطنية( ).

9

إيهاب خليفة

منسق برنامج متابعة التطورات التكنولوجية، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.