Cyber Diplomacy

بُعد غير تقليدي في العلاقات غير الرسمية بين الدول

Trending Events - Future Concepts - - كيف تحمي الدول أمنها وتدير شؤونها وتوجه تفاعلاتها، -

يُشير مفهوم الدبلوماسية في شكله التقليدي إلى "عمليات الاتصال والتفاوض والتمثيل التي تجري بين الدول بصفة رسمية، لاسيما عن طريق الحكومات"، ويختلف عن مفهوم الدبلوماسية العامة (Public Diplomacy )، أو كما يُطلِق عليها البعض "الدبلوماسية الشعبية"، كون الأخيرة أشمل وأوسع؛ حيث تتضمن بجانب ما سبق، عملية الاتصال غير المباشرة بشعوب المجتمعات والدول الأخرى بغرض التأثير الإيجابي على الرأي العام فيها( .( إذن فالدبلوماسية تعد جزءاً

1 محورياً في تهيئة القبول العام لسياسة الدولة الخارجية) (،

2 بما يعمل على تحسين صورة تلك الدولة لدى الجمهور، ومن ثم تعزيز التعاون والتفاهم المشترك) (.

3 ولقد طرأت على الدبلوماسية العامة تطورات كبيرة ومُتسارعة، خاصة مع ظهور الفضاء الإلكتروني، الأمر الذي نتج عنه ظهور ما يُسمى ب "الدبلوماسية السيبرية" (Cyber Diplomacy(، والتي شهدت تزايداً كبيراً في شعبيتها خال الآونة الأخيرة، حيث تميل الدول الغربية – على وجه التحديد – في استراتيجيتها الدبلوماسية إلى استخدام الإنترنت لنشر المعلومات الدبلوماسية عنها والتفاعل مع المستخدمين، وانتظار التغذية الاسترجاعية (Feedback( منهم، الأمر الذي يعمل على سرعة وصول الجمهور إلى المعلومات الدبلوماسية) .( وفيما يلي عرض لمفهوم الدبلوماسية

4 السيبرية، وبدايات ظهوره، وأهميته في العلاقات الدولية، مع عرض لأبرز نماذج الدبلوماسية السيبرية.

اأولً: مفهوم الدبلوما�ضية ال�ضيبرية

استطاعت تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات أن تُحدث تغييرات جذرية على العديد من المجالات من أبرزها وأهمها المجال السياسي، حيث أتاحت للأفراد والمؤسسات والحكومات القُدرة على مُمارسة الأنشطة السياسية كافة عبر الإنترنت بأدواته المختلفة، وهذا ما يُطلَق عليه السياسة السيبرية (Cyber Politics )، ولعل مجال الدبلوماسية العامة أحد أبرز المجالات التي تأثرت بذلك، حيث بدأ استخدام مواقع التواصل الاجتماعي وتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات للقيام بالأنشطة كافة لمُتعلقة بالدبلوماسية العامة، والتي أُطلق عليها اسم "الدبلوماسية السيبرية".

وبناءً على ذلك تُعرَّف الدبلوماسية السيبرية على أنها "وسيلة لتحقيق أهداف الدبلوماسية العامة عن طريق استخدام أنظمة الاتصال الحديثة، أو ما يُعرف بالمجتمعات الافتراضية، وما تتضمنه من مواقع التواصل الاجتماعي ومواقع الإنترنت، معتمدة في ذلك على استراتيجية التفاعل بين المواطنين والمسؤولين لإيجاد منصات جديدة للتواصل والتفاعل وتعبئة الرأي العام مع جماهير ومستخدمين آخرين من جميع أنحاء العالم".

ولعله من المهم التنويه بأن الدبلوماسية السيبرية لها العديد من المرادفات الأخرى مثل الدبلوماسية الإلكترونية )،)E-Diplomacy والدبلوماسية الرقمية (Digital Diplomacy) والدبلوماسية الافتراضية( )Virtual

5) ). Diplomacy

وتختلف الدبلوماسية السيبرية عن الدبلوماسية العامة، كون الأخيرة تتخذ عدة أشكال تقليدية تعتمد على التواصل المباشر وجهاً لوجه، والتي من بين تطبيقاتها البرامج التعليمية والثقافية وبرامج الزوار الدوليين، وبرامج التبادل الطابي، فضاً عن البث الإذاعي والتلفزيوني الموجَّه، وأيضاً من خال الإنتاج السينمائي والتلفزيوني المقنن لهذا الغرض، وذلك كله بهدف توصيل الخطابات والرسائل المُساندة والمحفزة للدبلوماسية العامة( ).

6

ثانياً: بدايات ظهور م�ضطلح الدبلوما�ضية ال�ضيبرية

كانت الولايات المتحدة أول دولة قامت بإطاق وتبني مفهوم الدبلوماسية السيبرية أو دبلوماسية الفضاء الإلكتروني، نتيجة رغبتها في نشر الأفكار والترويج للسياسات الأمريكية في جميع أنحاء العالم، الأمر الذي استلزم اتباع استراتيجية توسيع مفهوم الدبلوماسية العامة وتغيير النمط التقليدي لها، فقامت بإنشاء مكتب (E-Diplomacy) في عام

2003، التابع لوزارة الخارجية الأمريكية ومكتب إدارة موارد المعلومات، الذي تمثلت مُهمته الرئيسية في مساعدة الدبلوماسيين الأمريكيين من خال التواصل عبر الإنترنت، والمساعدة على تنفيذ السياسة الخارجية للولايات المتحدة بصورة أكثر فاعلية.

وبعد ذلك وتحديداً في الفترة من 2006 وحتى عام 2010، واصلت وزارة الخارجية الأمريكية العمل بقوة لتحقيق هدفها الاستراتيجي المتمثل في توسيع مفهوم الدبلوماسية العامة وتعميم وتحفيز نشر الدبلوماسية السيبرية، فضاً عن تحقيق مجموعة من الأهداف الفرعية المنبثقة عن ذلك الهدف الرئيسي والمتمثلة في: تقديم معلومات دقيقة، وإيجاد عملية ربط بين الدبلوماسيين وبعضهم البعض في أي مكان وفي أي وقت، وسهولة التنسيق مع الشركاء الخارجيين، وإدارة الأزمات بطريقة آمنة وفعّالة، وإيجاد فريق من موظفي تكنولوجيا المعلومات على درجة عالية من التخصص لتحقيق مزيد من الابتكار في هذا المجال( )،

7 وذلك في سبيل إعادة ترتيب أجندتها الدبلوماسية لمواجهة التحديات القديمة بطرق جديدة.

وتدريجياً قامت الولايات المتحدة الأمريكية بتبني مجموعة محددة من الفاعلين الذين لهم تأثيراتهم في المجال الدبلوماسي، بالإضافة إلى بعض الشركات، والشبكات العابرة للحدود الوطنية، وبعض المؤسسات، ومنظمات المجتمع المدني، والجماعات الدينية، والمواطنين أنفسهم لتنفيذ الاستراتيجية المتعلقة بالدبلوماسية السيبرية، وكانت النتيجة وجود ما يقرب من 230 صفحة عبر الفيس بوك متعلقة بالقضايا الدبلوماسية، و80 حساباً على تويتر، و55 قناة عبر اليوتيوب، و40 حساباً على فليكر( .( هذا فضاً عن

8 تنفيذ بعض البرامج والمبادرات الخاصة بتطبيق الدبلوماسية السيبرية مثل: 1- الحوارات الديمقراطية (Democracy Dialogues ): وهو موقع تفاعلي متعدد اللغات، تم إنشاؤه في عام 2006 من قبل وزارة الخارجية الأمريكية، ويُعد منصة لتشجيع النقاش حول المبادئ الديمقراطية المشتركة، وكل شهرين يتم طرح موضوع ديمقراطي جديد للمناقشة( ).

9 2- فريق التواصل الرقمي (Digital Outreach :)Team وهو عبارة عن مجموعة أفراد تابعين لوزارة الخارجية الأمريكية تقوم بالتواصل من خال الحوارات والمناقشات السياسية الموجودة على شبكة الإنترنت باللغات العربية والصومالية والأردية، وقد تم إنشاء هذا الفريق في نوفمبر عام 2006 ليتكفل بمهمة طرح وشرح السياسات الخارجية للولايات المتحدة، بالإضافة إلى شرح وتقديم الجوانب الاجتماعية والثقافية للمجتمع الأمريكي بطريقة يسهل فهمها( ).

10 3- ديب نوت (Dipnote): والذي ظهر في عام 2007، حيث صممته وزارة الخارجية الأمريكية بهدف فتح منبر للجماهير الأجنبية لإشراكهم في سياستها من خال المدونات، وكذلك التشجيع على إجراء حوارات مفتوحة بكل ما يتعلق بالولايات المتحدة الأمريكية والدبلوماسية العامة، ويُعد قبول ردود الأفعال كافة سواء السلبية أو الإيجابية جزءاً رئيسياً من فلسلفة الموقع، لأنه يُعد مجساً حقيقياً لنبض الجماهير الأجنبية. وبعد ذلك تمت إضافة مجموعة من التعديات عليه في عام 2009، وتوسعت أنشطته لتتضمن: إعام الجماهير عن السفر، والخطب، المجهودات التي تقوم بها وزيرة الخارجية الأمريكية هياري كلينتون، وموظفي وزارة الخارجية والدبلوماسيين حول العالم، وترجمة خطابات الرئيس الأمريكي إلى لغات مختلفة. والهدف من كل ذلك هو جعل الدبلوماسية العامة الأمريكية في متناول الجميع الذين لا يتحدثون اللغة الإنجليزية ولكن يستخدمون الإنترنت( ).

11 4- فضاء الرأي (Opinion Space ): قامت وزارة الخارجية الأمريكية ومركز بيركلي للإعام الجديد بجامعة كاليفورنيا بإنشاء هذا الموقع في فبراير 2011، ويقوم الموقع على إتاحة التعبير عن وجهات النظر بشأن العديد من الموضوعات سواء السياسية أو الاقتصادية، وعندما تقوم الجماهير بتسجيل وجهة نظرهم يتم إباغهم بموقفهم من القضية التي عبّروا عن آرائهم فيها، وتعريفهم بالمشاركين المتفقين معهم، كما يقدم الموقع خدمات كالألعاب تشجع على المشاركة في الاقتراع واستطاعات الرأي. 5- المجتمع المدني 2.0 (2.0 Civil Society ): يعمل الموقع على ربط مجتمع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات مع منظمات المجتمع المدني على مستوى العالم، وكذا توفير أحدث التكنولوجيا لمنظمات المجتمع المدني، والهدف منه هو دعم جهود المجتمع المدني في جميع أنحاء العالم، كونه يساعد على جعل المجتمعات أكثر رخاء واستقراراً. وللموقع أدواته المتمثلة في: الرسائل النصية، ومواقع التواصل الاجتماعي لربط المشتركين ببعضهم البعض.

وتقوم وزارة الخارجية بإرسال مجموعة من خبراء وفنيين في مجال التكنولوجيا إلى مناطق بعينها لتعليم السكان المحليين كيفية استخدام أدوات الإنترنت، وتعليمهم كيفية بناء موقع على شبكة الإنترنت، وكيفية التدوين، وكيفية إطاق حملة الرسائل النصية، وطرق الاستفادة من الشبكات الاجتماعية من أجل قضية ما، الأمر الذي يؤدي إلى إقامة مجتمع مدني نشط( ).

12

تُعد الدبلوماسية السيبرية أداة جديدة ومُهمة لتحقيق أهداف السياسة الخارجية بوجه عام وتعزيز المصالح الوطنية وكذلك تعزيز الأمن الوطني من خلال إعلام الجماهير أو المستخدمين، والتأثير على الرأي العام؛ وذلك من خلال توسيع وتقوية العلاقات الرسمية وغير الرسمية بين حكومات وشعوب الدول وبعضها البعض.

وفي 24 نوفمبر 2009، قامت المملكة المتحدة – وتحديداً مكتب الشؤون الخارجية والكومنولث – بإنشاء "مجموعة الدبلوماسية الرقمية" (group digital diplomacy ) والتي اعتبرت "المجموعة الدبلوماسية الرقمية الأكثر ديناميكية في العالم"، وتمثلت مهمتها الرئيسية في تحفيز استخدام تقنيات الإعام الجديد في الدبلوماسية، وذلك من خال: زيادة أعداد المدونات الخاصة بالوزراء والسفراء للتواصل مع المستخدمين، ووضع وتنفيذ مجموعة من السياسات والحمات لنشر استخدام التقنيات الرقمية في هذا النطاق( ).

13

ثالثاً: نماذج الدبلوما�ضية ال�ضيبرية

هناك العديد من النماذج التي ظهرت في ممارسة مجال الدبلوماسية السيبرية، لعل من أبرزها إحدى المُبادرات التي نفذتها الولايات المتحدة الأمريكية، وهي مبادرة (Diplo) المعنية بترتيب دورات تدريبية لتدريب المواطنين على ممارسة الدبلوماسية السيبرية؛ بهدف بناء القُدرة على التأثير بفعالية على السياسة الخارجية للدول والمفاوضات والدبلوماسية، والتي كانت لها نتائج فاعلة في مزيد من مشاركة المواطنين في مناقشة القضايا وإبداء الآراء( ).

14 وفي الفترة من يناير وحتى مايو من عام 2003، أطلقت وزارة الشؤون الخارجية والتجارة الدولية الكندية برنامجاً مكثفاً تحت عنوان "حوار حول السياسة الخارجية". وتبع البرنامج نشر ورقة حوار شملت السياسات الخارجية للحكومة الكندية والقضايا ذات الصلة، كما تم تصميم موقع على شبكة الإنترنت يمكن للزوار من خاله تحميل ورقة الحوار، والمشاركة والتعليق على قضايا معينة، كما تم إطاق منتدى للنقاش( ).

15

وفي مارس 2009 تم استخدام إحدى أدوات الدبلوماسية السيبرية وهو اليوتيوب (YouTube) من خال توجيه الرئيس الأمريكي باراك أوباما رسالة إلى الشعب والحكومة في إيران كنوع من أشكال التواصل مع العالم الإسامي.

وفي ظل غياب العاقات الرسمية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران طرحت فكرة فتح سفارة أمريكية افتراضية للتواصل مع الإيرانيين في أكتوبر 2011، والتي تم افتتاحها بالفعل في ديسمبر من العام نفسه، وكان الهدف منها تقديم بيانات أمريكية باللغتين الإنجليزية والفارسية، ومعلومات حول التأشيرات الأمريكية، وغيرها( ).

16

الخاتمة

لقد استطاعت الإنترنت أن تُحدث تطوراً كبيراً على مستوى العديد من المجالات، لعل من أبرزها المجال السياسي، حيث أصبح من الصعوبة الآن أن نجد أنشطة أو عمليات سياسية تتم بعيداً عن الفضاء الإلكتروني، ولعل العاقات الدولية والدبلوماسية العامة ليست بمنأى عن ذلك، حيث ظهرت العديد من المواقع والقنوات عبر اليوتيوب والصفحات عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، فضاً عن المبادرات والبرامج التي مكَّنت المسؤولين من الوصول إلى جمهورهم المستهدف بسهولة وسرعة، فلقد استطاعت الإنترنت أن توجد قناة للتواصل في يد كل من الأفراد والمؤسسات للتأثير على السياسة الخارجية. ولعله من الماحظ والمتوقع أن تتطور عملية تطبيق الدبلوماسية السيبرية وتنتشر في مزيد من دول العالم الغربي وربما تبدأ مراحلها الأولى في بعض الدول العربية المتقدمة.

سارة يحيى

باحثة في علم الاجتماع

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.