Cyber Allies

طريق محتمل لمواجهة تهديدات الفضاء الإلكتروني؟

Trending Events - Future Concepts - - مفاهيم المستقبل باحثة في العلوم السياسية -

تركت التطورات التكنولوجية تأثيراً ملحوظاً في مجال العاقات الدولية، خاصة حالات الحرب والسام، كما أثرت على أشكال تلك العاقات، الأمر الذي أدى إلى توجه هذه القوى نحو تبني استراتيجيات فعّالة في مجال دفاعها السيبري وتدعيم مراكز قوتها، بطريقة تشابه الاستراتيجيات الدفاعية التقليدية، والتي تسير وفق اتجاهين أقرهما "مورغنثاو" في نظرية التحالف في العاقات الدولية، فقد تسعى الدول نحو التسلح أو قد تسلك سبيل الأحلاف التي يوجهها عامل المصلحة الخاصة، وهذا ما يتجلى بشكل ملحوظ حتى مع دخول هذه القوى عهد الصراع الإلكتروني الجديد.

اأولً: مفهوم التحالف والأحلاف ال�ضيبرية

نظراً للتطورات التي طرأت على المجال العسكري والأمني بعد دخول بعد جديد يتمثل في البعد الأمني السيبري، يمكن تعريف مفهوم التحالف السيبري (Cyber Alliance ) على أنه "النمط الرسمي النابع عن الاتفاق الصريح بين الجهات الفاعلة الدولية أو غير الدولية، والذي تنتج عنه التزامات متبادلة بين هذه الجهات تجاه بعضها البعض، وفق بنود وشروط ينظمها الإطار القانوني الحاكم لمسار هذا التحالف"، ويعد تحالف الناتو السيبري أحد أهم الأمثلة، والذي يتجه نحو معالجة مجموعة واسعة من التهديدات عبر تعزيز السياسة السيبرية التي جاءت بموجب اتفاق إستونيا 2007 (.

)1 ويدور مفهوم الحلفاء السيبريين (Cyber Allies ( حول الاتجاه الذي تتبناه الأطراف لتدعيم مراكز قوتها في مجال الأمن السيبري من خال الاتفاقات والشراكات الضمنية والعمليات المشتركة، ويمكن أن يُستدل على معرفة أطراف الحلف من خال تقييم مواقف كل دولة تجاه الأخرى خال الأزمات الدولية، كما في العاقات الروسية – الصينية التي تتسم بالتقارب على المستوى التكنولوجي) ،( أو قد تكون

2 هذه الشراكات شراكات صريحة، كما في حالة الشراكة بين كوريا الشمالية وإيران بموجب اتفاق 2012 ،( وتسعى

)3 هذه الأطراف عبر وسيلة الأحاف الإلكترونية إلى تحقيق مصالحها واكتساب حليف دفاعي قوي يعزز قدراتها الأمنية السيبرية.

ثانياً: اأ�ضكال الأحلاف ال�ضيبرية

تتعدد الأمثلة في هذا السياق حول أشكال الأحاف السيبرية، باختاف الأطراف المتحالفة، والتي تتنوع بين الدول والشركات الكبيرة متعددة الجنسيات والقطاعات المختلفة، سواء الخاصة أو غير الربحية أو حتى المنظمات الدولية، وتأخذ الأحاف السيبرية الأشكال التالية: 1- الأحلاف التقليدية: ويعد نموذج حلف الناتو الأبرز في هذا السياق، حيث دفع عجز حلف الناتو في مواجهة الهجمات الإلكترونية على إستونيا وجورجيا إلى تكوين "وحدة الدفاع الإلكتروني" مقرها تالين عاصمة إستونيا، وعمل على تطوير المفهوم الاستراتيجي للحلف، حيث أصبح الفضاء الإلكتروني منطقة لعمليات الحلف، وعمل الحلف على تطوير قدراته الدفاعية الإلكترونية بما يشمل مساندة ودعم حلفائه الذين يتعرضون لهجمات إلكترونية، وأنه وفقاً لذلك فإن أي هجوم يتم على أوروبا أو أمريكا الشمالية يعتبر هجوماً ضد الجميع( ).

4 2- التحالف بين الدول وشركات التكنولوجيا: ولعل أبرز الأمثلة على ذلك التحالف في مجال الأمن السيبري عام 2010، وهو التحالف الذي نشأ في الولايات المتحدة بين دائرتي الدفاع والأمن الداخلي وبين كبريات الشركات الصناعية الخاصة، ويقوم هذا النوع من التحالف السيبري على إشراك أصحاب المصالح كحليف قوي لتحقيق الأمن السيبري( ).

5 3- التحالف بين شركات التكنولوجيا: ومن ذلك تحالف الشركات الخاصة السيبري في بلجيكا، والذي يضم حوالي خمسين جهة فاعلة من المجتمع

الأكاديمي وقطاع الشركات وقادة الرأي العام، بهدف تقاسم المعرفة والخبرة من أجل تطوير رؤية عامة عن الأمن السيبري، وصياغة توصيات للسلطة السياسية من أجل اتخاذ قرارات أكثر كفاءة، وتقديم أفكار جديدة لحماية الاقتصاد الرقمي، ومساعدة بلجيكا على مكافحة الجريمة السيبربة( )،

6 فضاً عن تحالفات أخرى، أهمها التحالف الوطني الأمني السيبري (National Cyber )Security Alliance الذي يضم ثاث شركات كبرى في مجال أمن الفضاء الإلكتروني (ماكافي – مايكروسوفت – سيمانتيك)( ).

7 4- التحالف بين منظمات دولية وشركات التكنولوجيا: ومن أمثلة ذلك قيام حلف الناتو من خال وحدة الدفاع الإلكتروني، التي تم إنشاؤها عام 2007 ومقرها تالين عاصمة استونيا، بتغيير استراتيجيته من مجرد الاكتفاء بالدول المنضمة للحلف والمعنية بتحقيق الأمن الإلكتروني لها، ليضم جهات فاعلة من غير أعضاءه الطبيعيين من الدول، وذلك عبر تعزيز الشراكات والتعاون مع الشركات العالمية وكذلك توسيع نطاق التحالف لتشمل دول في منطقة الشرق الأوسط( ).

8

ثالثاً: اأنماط ال�ضراعات والتحالفات ال�ضيبرية المعا�ضرة

وقع عدد من الأحداث التي كشفت عن تنامي الصراعات الإلكترونية بين الدول، ولعل من ذلك الهجمات الإلكترونية الأخيرة على سوني للأفام ومن قبله فيروس ستاكسنت، الذي استهدف البرنامج النووي الإيراني، فضاً عن اتهام الولايات المتحدة للصين بالتجسس الاقتصادي والقرصنة المعلوماتية عليها، بالإضافة إلى تسريبات ويكيليكس، فقد أثارت هذه الأحداث هواجس ومخاوف لدى الولايات المتحدة تحديداً بسبب التفوق الملحوظ في مجال الفضاء الإلكتروني لدى بعض الدول، مثل الصين وكوريا الشمالية( ،( وقد زاد

9 من حدة هذه المخاوف شعور الولايات المتحدة بضعف موقفها الدفاعي مقابل تفوق الوضع الهجومي من جانب عدد من الدول المنافسة لها، خاصة مع تعدد الأهداف الإلكترونية التي يمكن أصابتها في الولايات المتحدة.

وقد عكس الهجوم الأخير على شركة سوني للأفام الأمريكية نمطاً من أنماط الأحاف السيبرية بين القوى الدولية لتحقيق أهداف خاصة، فقد اعتبر هذا الهجوم بمنزلة صراع ناعم بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، نتج عنه تخوف الولايات المتحدة من احتمالية سعي كوريا الشمالية لتصعيد هجماتها، أو استهداف بنيتها الحيوية في الفضاء الإلكتروني، وفي الوقت ذاته تولد لدى الولايات المتحدة ريبة حول الهوية الحقيقية للطرف الفعلي في الهجوم على شركة سوني للأفام مؤخراً، حيث تزعم الولايات المتحدة أن كوريا الشمالية بمنزلة وكيل مفوض من قبل الصين لشن حربٍ إلكترونية بالوكالة عليها( ).

10 يدعم ذلك تأكيد الخبراء الأمريكيين أن كوريا الشمالية لا تمتلك قدرات في مجال الفضاء الإلكتروني كتلك التي تمتلكها كل من الصين وروسيا، واللتين قد تسعيان من خالها لإحداث تخريب مادي( ).

11 وجدير بالذكر، أن قدرات هاتين الدولتين تفوق بالفعل قدرات الولايات المتحدة في مجال الدفاع السيبري، كما أنهما تتمتعان بالقدرة على استخدام التأثير الكهرومغناطيسي لشل حركة الأنظمة الإلكترونية للخصم المستهدف، فضاً عن قيامهما بفصل بنيتها الحيوية عن شبكة الإنترنت، وهو ما يحول دون تعرضها لأي هجوم في الفضاء الإلكتروني، مقارنة بالولايات المتحدة التي تربط بينتها التحتية بالشبكة والذي يضعها تحت طائلة التهديد.

وعلى هذا الأساس، فإن الرأي المرجح في هذه الحالة هو وجود تحالف في مجال الفضاء الإلكتروني بين كل من الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران، وذلك بالاستناد إلى ثاث حجج، مفادها محدودية قدرات كوريا الشمالية

في مجال الفضاء الإلكتروني( ،( بينما تدور الحجة الثانية

12 حول زيادة خطوات التعاون بين القوتين الروسية والصينية، فضاً عن الدعم الذي تلقته روسيا من الصين إزاء الأزمة الأوكرانية الأخيرة، بالإضافة إلى تعاون القوتين في مجال الأمن السيبري والعسكري( ،( أضف إلى ذلك، اتفاق

13 التعاون العلمي والتكنولوجي الذي وقع في 2012 بين إيران وكوريا الشمالية، والذي أيقظ المخاوف لدى الولايات المتحدة من احتمالية زيادة التعاون الإلكتروني بين البلدين( ،( وتتمثل الحجة الثالثة في فتور

14 العاقات الروسية – الأمريكية وظهور التنافس بينهما من جديد، مما لا يدع مجالا للشك في أن روسيا لن تفوت الفرصة لإضعاف نفوذ الولايات المتحدة.

ويمكن القول بشكل عام إن معرفة أطراف الأحاف السيبرية تعتمد بالأساس على تتبع الروابط العسكرية والتجارية بين الدول، فالتحالف في المجالات التجارية والعسكرية يمكن أن يترتب عليه تحالف على المستوى الإلكتروني أيضاً( ).

15

رابعاً: احتمالية ظهور اأحلاف �ضيبرية جديدة

على أثر لقاء وزير الدفاع الأمريكي تشاك هاجل مع دول مجلس التعاون الخليجي في مايو 2014، والذي حمل في طياته دعوة لدول الخليج لتعزيز الشراكة الأمنية والدفاعية بين الطرفين الخليجي والأمريكي، فإنه ينبغي الوقوف عند هذا اللقاء بكثير من التحليل لتقدير التصورات والتوقعات حول مستقبل هذه الدعوة وإمكانية أن تتحقق مستقباً عبر ظهور الحليف الخليجي كحليف إلكتروني جديد ينضم إلى لائحة التحالفات السيبرية المعاصرة، وثمة بعدان أساسيان لا يجب تجاهلهما في هذا السياق، ويتمثان في درجة الثقة في الولايات المتحدة بعد قيامها بالتجسس على مسؤولين في الاتحاد الأوروبي، والأداء الدفاعي الأمريكي وقدرتها على تحقيق الأمن السيبري، وذلك في ضوء الهجمات التي تعرضت لها مؤخراً في مجال الفضاء الإلكتروني( )،

16 وهو ما يقلل من إمكانية قيام مثل هذا التحالف في المدى المنظور.

وأخيراً، فإن هناك ظاهرة قيد التشكل، تتمثل في ظهور تحالفات أو أحاف سيبرية، ساهم في ذلك تعاظم المخاطر الناجمة عن التهديدات السيبرية، ودخول فواعل من غير الدول في تفاعاتها، بالإضافة إلى أهمية الدور الذي باتت تلعبه شركات التكنولوجيا العماقة، لتصبح شريكاً أساسياً لكثير من الدول، للمساهمة في تحقيق أمنها السيبري، وحمايتها من الهجمات عبر الفضاء الإلكتروني.

يمكن للدول أن تتغلب على التهديدات السيبرية من خلال إنشاء أحلاف مهمتها الدفاع عن الشبكات السيبرية وحماية البنية التحتية والدفاع عن مصالحها الاستراتيجية في الفضاء الإلكتروني، إلا أن ذلك يثير عدة إشكاليات خاصة بدرجة الثقة بين الحلفاء، والتخوف من احتمالية عسكرة الفضاء الإلكتروني.

دعاء الجهيني

باحثة في العلوم السياسية

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.