Anomie

ماذا يصيب المجتمعات وأفرادها في مراحل التغيرات الجذرية؟

Trending Events - Future Concepts - - مفاهيم المستقبل -

بعد وقوع الحربين العالميتين الأولى والثانية، والدمار الذي لحق بالعديد من الدول الأوروبية، عجزت الشعوب عن إيجاد تفسيرات منطقية لفهم أسباب هذا الدمار، وأخفقت منظومة القيم المادية والمعايير المجتمعية الراسخة المستندة لقيم الحداثة عن استيعاب كل هذه التغيرات، بحيث أصبح انعدام المنطق وسقوط الثوابت هما الحال العامة لغالبية المجتمعات الغربية.

وأصبح الأفراد يهربون من الواقع بطرق متعددة، وقد وضح ذلك جلياً في ظهور العديد من الحركات الفنية وأنماط من الأدب العالمي المختلف، وكان من أهم التطورات الفنية التي جسدت حالة اللامنطق العارمة، التي أصابت وجدان المجتمعات، ظهور المسرح العبثي، والذي بدأ بمسرحيات تهزأ بجميع المعايير التي ظلت تقاس بها المسرحيات قروناً كثيرة، فظهرت وكأنها تتحدى المجتمع. فخلافاً لما يتوقع في المسرحية بأنها محكمة الصنع تقدم شخصيات دوافعها مقنعة وتصويرها صادق؛ جاءت معظم مسرحياته خاوية تقريباً من شخصيات حقيقية يمكن التعرف عليها، وتقوم بأفعال خالية من الدوافع تماماً.

وكان ذلك انعكاساً للحالة الشعورية والوجدانية التي عاشتها تلك المجتمعات حينها، وهو ما ظهر أيضاً مع تصاعد موجة الفن السريالي أو ما يعرف ب "ما فوق الواقع"، والذي كان يسعى للبعد عن الحقيقة وإطلاق الأفكار المكبوتة والتصورات الخيالية، وإذا كان الموهوبون لديهم القدرة على تجسيد الصراعات الداخلية، وتصوير تخبط النسق القيمي والمعايير المجتمعية في قطع أدبية وفنية، فتلك ميزة ومهارة لا يمتلكها الفرد العادي، الذي قد يلجأ إلى انتهاج سلوكيات غير متوقعة أو غير منطقية، استجابة للواقع الذي لم يعد يستطيع التأقلم معه.

فالفرد قد يبدأ في طرح أسئلة راديكالية عن الصواب والخطأ، عن الظلم والعدالة، عن الحلال والحرام، وعندما تخفق المعايير والثوابت في تقديم إجابات مرضية ومقنعة، يبدأ النسق القيمي في التصدع، وتتراجع ثقة الأفراد في المعايير المستقرة، وفي مؤسسات الدولة القائمة، بل ربما يرفضون كل الأنظمة والأطر والعلاقات التقليدية، بما في ذلك العلاقة بالدولة، أو العلاقات المجتمعية الطبيعية أو حتى علاقة الفرد بالإله، وأحياناً العلاقة بالحياة ذاتها، وهي الحالة التي يعبر عنها مفهوم الأنومي.

وبصورة ما، تمر المنطقة العربية بخبرة مشابهة، ولكن بصورة أقل حدة من الحالة الغربية، وذلك لخصوصية السياق العربي الذي يستمد قيمه من الدين، بأبعاده الغيبية والقدرية، ففي إطار التغيرات الجذرية التي حدثت، على مدار السنوات الثلاث السابقة، من ثورات ودماروصعود قوة الجماعات الإرهابية والمتطرفة، ظهرت مجموعة من الاتجاهات وأنماط من التفاعلات الاجتماعية غير السوية، والتي لم تكن مطروحة من قبل، أو لم تكن تمارس على نطاق واسع، وبصورة تهدف بالدرجة الأولى لتحدى المجتمع وتهزأ بقيمه وثوابته، وتعكس في الوقت ذاته إخفاق المجتمع ومؤسساته وقيمه عن تحصين أفراده من هذه الانحرافات السلوكية.

في هذا الإطار يحاول الملحق الحالي تسليط الضوء على مفهوم الأنومي باعتباره أحد المداخل الثقافية والقيمية التي تجيب عن التساؤل المثار كثيراً، ماذا يصيب المجتمعات وأفرادها في مراحل الاضطرابات والتغيرات الجذرية؟ فيأتي المقال الأول بعنوان "التحولات المجتمعية الراديكالية: صدمة ثقافية وتغير جذري في قيم الفرد والمجتمع"، والذي يتناول مفهوم التغير الاجتماعي الراديكالي، وأبعاده، وأشكال التغيرات الراديكالية التي قد تصيب المجتمعات، كما يتعرض المقال لمفهوم الصدمة الثقافية، وهي الحالة التي تتزامن مع التغير الراديكالي الذي يصيب النسيج القيمي والثقافي للمجتمع.

وفي إطار التغير الراديكالي، جاء المقال الثاني المعنون "Anomie: الآثار الجانبية المصاحبة للتغيرات الراديكالية" ليوضح مفهوم الأنومي أو اللامعيارية، الذي يجسد حالة الارتباك القيمي التي يشعر بها الفرد حينما يعجز عن استيعاب ما يحدث من حوله، ويفقد الثقة في القيم والمعايير التي اعتاد عليها وقدرتها على مساعدته على تحقيق تطلعاته وأهدافه في إطار السياق الجديد.

أما مقال "تحد مجتمعي: أنماط سلوكية غير تقليدية في مرحلة ما بعد الثورات العربية"، فيرصد بعض أنماط السلوكيات التي ظهرت في دول الثورات العربية التي اعتاد المجتمع على عدم تقبلها. ويأتي المقال الرابع والأخير "منظومة القيم المجتمعية: سياسات استعادة التوازن في مراحل ما بعد الثورات" ليتناول خبرات استعادة توازن المجتمع في ضوء التجارب الدولية.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.