التحولات الراديكالية:

صدمة ثقافية وتغير جذري في قيم الأفراد والمجتمعات

Trending Events - Future Concepts - - باحثة في الدراسات الإعامية والثقافية -

يعد مفهوم "التغير الاجتماعي" من أكثر المفاهيم التي تعرض للدراسة والتنظير، وعادة ما يتم تعريفه، في إطار علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، على أنه التغير الذي يطرأ على المنظومة الاجتماعية الثقافية من خلال سلوك الأفراد والحركات والمنظمات الاجتماعية، فالتاريخ يظهر أن المجتمعات تمر بمرحلة مستمرة من التغير الاجتماعي، فهي ليست مجتمعات ساكنة( ،) وهو ما يعني أن التغيير قد يحدث

1 بصورة تدريجية أو بصورة راديكالية.

تسعى هذه الورقة للتركيز على التغيرات المجتمعية الراديكالية، وتهدف لإلقاء نظرة عامة على أبعاد نظرية التغير الاجتماعي الراديكالي، وتأثير الصدمة الاجتماعية – الثقافية على المجتمع وقيمه، وأخيراً تحليل التغيرات الراديكالية التي طرأت على المجتمعات العربية في أعقاب الثورات العربية.

اأولاً: التغير الاجتماعي الراديتمالي

إن التغير الاجتماعي الراديكالي، سواء على المستوى المجتمعي أو الشخصي، يترك تأثيرات عميقة على الحياة التي ندركها( ،) ليس فقط في أبعادها المادية

2 والاقتصادية، ولكن كذلك على الطبيعة الإنسانية ذاتها( (،

3 ويعد هذا أساس نظرية التغير الراديكالي، فسلوك الأفراد والحركات الاجتماعية، أو حتى ظهور وباء أو كارثة طبيعية يترك تأثيراً على المجتمع، ويكون محفزاً على التغيير داخله. ولذلك عرّف بيتر ماكهيو التغير الاجتماعي الراديكالي على أنه: "هو التغير في منظومة القيم التي تربط مجموعة من الأشخاص بنمط معين من السلوك، والذي يظل متمايزاً عن التغيرات المجتمعية العادية، التي تحدث نتيجة للتغير في تراتبية القيم الحاكمة للسلوك، فهذه التغيرات تعكس تغيراً في نمط التفاعل، وليست مؤشراً على وجود تغير في أهداف الجماعة كوحدة متجانسة"( .) وعلى الرغم من

4 أن التغير الراديكالي يتم بصورة سريعة، وليس تدريجية( ،) فإنه يؤدي إلى إحلال

5 الهياكل الاجتماعية القديمة بأخرى حديثة، فهي حالة تهدف إلى نفي وإزالة الأوضاع السائدة سابقاً( ،) وعادة ما تكون عملية

6 الإحلال مقصودة ومخططاً لها، ويرتبط ذلك بوجود سياق تاريخي سابق أدى لحدوث التغير الراديكالي.

وذلك في مقابل التغير الاجتماعي الطبيعي الذي تمر به المجتمعات، والذي يعرف بأنه: التحول في الاتجاهات )Attitude) والسلوكيات (Behaviors( التي تميز مجتمعاً محدداً عن غيره من المجتمعات، ويحدث ذلك في إطار تطور المجتمع نتيجة للتنمية والتقدم التكنولوجي، الذي يدفع الأفراد بصورة تدريجية لتبني قيم جديدة لاستيعاب تلك التغيرات، وتساعدهم على الاستفادة من الظروف والسياق الجديد والانتفاع بها والانخراط فيها( (.

7 ومن الملحوظ أن عنصر الزمن هو ما يميز التغير

تؤدي التحولات الاجتماعية الراديكالية إلى إحداث تغير ثوري في القيم المجتمعية، من خال الصدمة الثقافية، فالتغير الراديكالي يتضمن عملية بناء محتوى قيمي ذاتي للشخص، تعكس احتياجات أو رغبات مختلفة كلية عما سبقها، وهي تعكس انقطاع عن الذات، سواء على المستوى الفردي أو المجتمعي، وسواء كان ذلك من خال القيم أو المعايير أو الهوية أو حتى على مستوى الانتماء السياسي.

الراديكالي، حيث تحدث مجموعة من التغيرات في مدى زمني قصير جداً، بحيث لا يعطي للمجتمع فرصة لاستيعاب الأوضاع الجديدة، بحيث يعجز كثير من الأفراد عن التكيف معها بدرجة السرعة نفسها التي حدث بها التغير، ويشعرون بأنهم انفصلوا بشكل أو بآخر عن هذا الواقع الجديد. وتجدر الإشارة هنا إلى "أن المجتمعات المختلفة تنتهج مسارات مختلفة للتغيير"، حتى لو تعرضوا للمؤثرات نفسها كالتفاوت الاقتصادي الكبير، والإحباط السياسي( (.

8 وبشكل عام، يجب تمييز التغير الاجتماعي الراديكالي، عن ذلك التغير الذي يحدث نتيجة أحداث طبيعية غير متوقعة، كتلك التي تحدث في سياق التغير المناخي والكوارث البيئية، أو انتشار الأمراض الوبائية كالإيبولا، إذ إن مثل هذه التغيرات تؤدي لإحداث تحولات طفيفة في الهيكل الاجتماعي، نظراً لأنها مجرد رد فعل وظيفي( في مواجهة

9) تلك الأحداث، ولذا فإن التساؤل يثار هنا حول الكيفية التي تؤدي فيها التحولات الاجتماعية الراديكالية لإحداث تغير ثوري في القيم الاجتماعية والثقافية للمجتمع.

ثانياً: ال�صدمة الثقافية

تؤدي التحولات الاجتماعية الراديكالية إلى إحداث تغير ثوري في القيم المجتمعية، من خلال الصدمة الثقافية، ولكن قبل توضيح المقصود بالصدمة الثقافية، يجب في البداية التمييز بين التغير القيمي الذي يحدث بصورة تدريجية نتيجة لعملية التنشئة الاجتماعية، والتغير الراديكالي. ففي النوع الأول من التغير القيمي، يتم نقل القيم والمعايير الأخلاقية من خلال أعضاء العائلة، باعتبارها الوحدة الأساسية في عملية التنشئة الاجتماعية، وتشكل التنشئة الاجتماعية للأفراد طريقة تفكيرهم، وتعبيرهم عن أنفسهم، وحتى ردود أفعالهم الجسدية( ،) ويحدث التغير القيمي ذو الطبيعة التدريجية بعد

10 اكتمال عملية التنشئة الاجتماعية، فهو بمنزلة امتداد للقيم المجتمعية الحالية، وهو ما يميزه عن التغير الراديكالي، والذي يحدث عندما تكون هناك حاجة أو رغبة في تغيير الذات، سواء على المستوى السياسي أو الشخصي أو الجماعي( (.

11 فالتغير الراديكالي يتضمن عملية بناء محتوى قيمي ذاتي للشخص، والتي تعكس احتياجات أو رغبات مختلفة كلية عما سبقها( ،) وهي تعكس انقطاعاً عن الذات، سواء على

12 المستوى الفردي أو المجتمعي، وسواء كان ذلك من خلال القيم أو المعايير أو الهوية أو حتى على مستوى الانتماء السياسي.

وهذه الظاهرة تعرف باسم "إعادة التنشئة الاجتماعية" للفرد والمجتمع، وتتضمن تفاعلات مجتمعية جديدة، من قبل مؤسسات اجتماعية مختلفة، والتي تقوم بوضع قيم جديدة تناقض القديمة، ويعد هذا جزءاً من التغيرات التي تشهدها المجتمعات، والتي تتطلب تغيراً في القيم السائدة في المجتمع( ،) ولعل السؤال المنطقي التالي هو: ما الذي يحفز

13

التغير الاجتماعي الراديكالي على مستوى الفرد والمجتمع؟

وفقاً لبيوتر ستومبكا– عالم الاجتماع البولندي– فإن التغير الراديكالي تنتج عنه "الصدمة الثقافية"، والتي يمكن تعريفها على أنها "تغير مفاجئ للنسيج الثقافي للمجتمع، والتي تختلف عن سلسلة التغيرات الطبيعية التي يمر بها المجتمع"( .) وتستغرق الصدمة الثقافية للهياكل المجتمعية

14 مدى زمنياً قصيراً نسبياً، وتكون ذات مضمون راديكالي، وقد تكون نتاج عوامل خارجية، ويتم التعامل معها بإطار عقلي مختلف يغاير طريقة التفكير التقليدية) .) ومن أمثلة

15 التغيرات الاجتماعية الراديكالية التي تُنتج على الصدمة الثقافية: الثورة والإبادة الجماعية والتطهير العرقي، والعمليات الإرهابية والإصلاحات الاقتصادية الراديكالية.

وفي حالة الثورة، فإن الصدمة الثقافية تحدث نتاج انهيار المجتمع، أو زيادة التوترات والصراعات داخله، والتي ينظر إليها على أنها مجرد مشاكل تتطلب العلاج، إلا أن الانتقال من حالة الاضطرابات هذه إلى الصدمة الثقافية، تواكبها حركة فكرية وأخلاقية وفنية تهدف لتحقيق تجانس بين الأوضاع المتغيرة والهياكل المجتمعية القائمة( ،) وبالتالي فإن التغير

16 المجتمعي الراديكالي ينظر إليه كصدمة مجتمعية ثقافية، لأنها تكشف طبيعة المجتمع، وتؤثر على إحساس الفرد بالأمن

المستمد من هذه الهياكل المجتمعية، وذلك حيث تصيب الصدمة الثقافية الهوية والمعايير والقيم المجتمعية( ).

17 ونظراً لأن المعايير الأخلاقية والقيم يتم نقلها من خلال عملية التنشئة الاجتماعية، فإنه عندما يحدث تغير راديكالي في النسيج المجتمعي، فإن المجتمع يواجه ما يمكن تسميته ب "الصدمة الجماعية" (Collective complex trauma )، والتي يمتد تأثيرها على المجتمع لعدة أجيال متتالية، وتضم عدداً من ردود الأفعال المجتمعية – والتي وإن وقعت في فترات زمنية مختلفة– فإنها تعد، في التحليل الأخير، جزءاً من الصدمة الجماعية( ،) وتعد فترة الاضطرابات الثقافية

18 هي ما ينقل التغير الراديكالي من المستوى الفردي إلى المستوى الجماعي.

ويؤكد على التأثيرات التي تتركها التغيرات الاجتماعية الجذرية على الأفراد والمجتمع، آصف بيات– أستاذ علم الاجتماع ودراسات الشرق الأوسط بجامعة إلينوي الأمريكية– حيث يشير إلى أن الحركات الاجتماعية تترك تأثيرات عميقة من خلال إقامة علاقات ومؤسسات بديلة، وتشجيع نشر قيم ومعايير ورموز ثقافية وسلوكية مختلفة) .) ويعد الأفراد

19 والحركات الاجتماعية هي التي أنتجت التغير الاجتماعي الراديكالي، في أعقاب الثورات العربية في عام 2011، وسوف يوضح الجزء التالي أبعاد التغيرات الراديكالية في النسيج المجتمعي خلال تلك الفترة وما تلاها.

ثالثاً: التغير الاجتماعي الراديكالي في العالم العربي

ما حدث في المنطقة العربية قبل الثورات العربية هو التآكل السريع للنسيج المجتمعي( ،) فقد تراجع دور

20 الأفراد والمجتمع في التغيير، وهو ما جعل العالم العربي يدخل مرحلة الركود، خاصة من وجهة نظر المستشرقين الغربيين) ،) وقد أرجع آصف بيات هذا الركود

21 إلى عناد الأنظمة السلطوية، واستعصائها على التغيير، بالإضافة إلى التهديدات الخارجية بالهيمنة الإمبريالية( ).

22 وهذه الأسباب سالفة الذكر كانت ولاتزال نتاج تراكم سنوات من الإحباط السياسي، وعدم المساواة الاقتصادية، بالإضافة لعدم المساواة بين الجنسين، إلى جانب غيرها من المشكلات المجتمعية كالتعليم والصحة.

ومن الملحوظ أن العالم العربي له تاريخ طويل من الثورة، وشهد تغيرات مستمرة، سواء من خلال الثورات على الاحتلال، أو من خلال العولمة ونشر قيم الليبرالية الجديدة، ولكن ما أعاد إنتاج التاريخ الثوري في المنطقة مع أحداث الثورات العربية، كانت المطالبة والحاجة للتغيير من قبل الأفراد والمجتمع ككل، وهو ما أنتج التغير الراديكالي السريع في النسيج المجتمعي للعالم العربي في عام 2011.

وبإلقاء النظر على الثورات والتغيرات الراديكالية التي أعقبتها، يمكن ملاحظة تصاعد قيم معينة على حساب أخرى، فمع زخم الثورات، وصل المجتمع لحالة من التضامن الاجتماعي والتسامح وتقبل الآخر، وتصاعدت القيم غير المادية، مثل الحرية والكرامة، على حساب القيم الوجودية، مثل الحفاظ على الحياة. وعلى الرغم من تذبذب هذه القيم صعوداً وتراجعاً مع تطورات الأحداث، فإنها مازالت مؤثرة في وجدان المجتمعات التي خاضت مرحلة الثورات، فعلى سبيل المثال، في حالة الثورة المصرية، تم تعزيز ونشر قيم الكرامة، وحقوق المرأة.

فخلال الثورات، فإن الرجال والنساء خاطروا بحياتهم من أجل المطالبة بالكرامة، كما كان العنوان الرئيسي لهذه الثورات، والذي يعني أن الدولة يجب أن تحترم سلامة وأمن واستقلالية الفرد( ،) وقد انتشرت هذه القيمة عبر

23 العالم العربي، خاصة في الدول التي شهدت ثورات كمصر، فالمطالبة بالكرامة مثّلت تحدياً وضغطاً على السلطة القائمة في الدولة من أجل مواجهة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي يعانيها المواطنون بصفة عامة، وقد تحولت هذه المطالب إلى ثورة إنسانية، تهدف لتحقيق الكرامة، وألهمت إحداث تغيرات على مستوى الفرد والمجتمع( (.

24 وقد وضحت هذه التغيرات الراديكالية في الرغبة في التأثير على المجال العام من خلال مختلف الوسائل( (،

25 سواء كانت من خلال الكلمات والشعارات، أو من خلال احتلال الميادين العامة كميدان التحرير، فقد كانت الرسالة واضحة، وهي أن المجتمع يطالب بالتغيير، وعلى استعداد أن يغير من نفسه للمطالبة بالكرامة، التي طالما تطلع إليها.

وقد كان المثال الآخر الواضح على التغير الراديكالي في

المجتمع، هو في التحوّل السريع للقيم والمعايير المرتبطة بالتحرش الجنسي، في أثناء وبعد الثورة، فقد كان أحد السلوكيات الملحوظة في الشوارع والميادين خلال أيام الثورة المصرية الثمانية عشر هو الغياب الكامل للتحرش الجنسي، فقد أصبحت المرأة فجأة تتمتع بالحرية في التحرك والتحدث لغرباء بحرية والضحك من دون أن تتعرض للمضايقات، وقد كانت مهمة كل رجل هو مساعدتها وحمايتها، وهو ما عرف باسم "أخلاق الميدان"( ).

26

ويوضح المثل السابق التغير السريع في القيم والأخلاق والمعايير المرتبطة بالتحرش الجنسي، وكيف انتقلت إلى الشارع المصري والعربي، خاصة أن نصف الشابات المقيمين في المدن والقرى كانوا قد عانوا من التحرش الجنسي في مرحلة ما من حياتهم( ).

27

فقد حدثت تحولات راديكالية على مستوى الفرد والمجتمع، ظهرت مع ثورات 2011، ودفعت المجتمع لتحدي المحرمات التقليدية، ولم تكن هذه السلوكيات والممارسات الجديدة هي "نتيجة ارتجالية" للثورة( ،) ولكنها نشأت من حاجة الأفراد

28 من الرجال والنساء للمشاركة الجماعية والمباشرة في تحرير الذات والمجتمع من القيود، من خلال مفهوم "الكرامة"، وقد حدثت هذه التغيرات بسرعة، بالترافق مع ما بدت كنجاحات قصيرة الأمد، وعلى الرغم من أن التحرش الجنسي لايزال حقيقة قائمة في الشوارع العربية، فإن تغيراً جذرياً قد حدث في الذات وفي النسج الاجتماعي للعالم العربي، فالخطاب الموجه ضد العنف والتحرش الجنسي قد تغير، وصار أكثر قوة، كما اكتسب دعماً مجتمعياً أكبر، وينبغي أن تتم قراءة هذه التحولات في السياق الأوسع للتغير الذي شهده العالم العربي منذ ثورات العام 2011 ).

)29

نور سلمان

باحثة في الدراسات الإعامية والثقافية

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.