: Anomie

الآثار الجانبية المصاحبة للتغيرات الراديكالية في المجتمعات

Trending Events - Future Concepts - - باحثة في علم الاجتماع -

لا تتم التغيرات الراديكالية التي تمر بها الدول وتتسبب في تغيير أنظمتها السياسية، بمعزل عن المجتمعات والشعوب، التي تتأثر بها وتستجيب لها بطرق مختلفة. فما بين الاستيعاب الكامل والتكيف مع التغيرات، ورفضها والتمرد عليها تقع احتمالات مختلفة لرد فعل الأفراد تجاه التغيرات السريعة والراديكالية التي تصيب مجتمعاتهم.

وترتبط بمراحل التحولات الراديكالية مجموعة من الظواهر الإنسانية والسلوكيات غير التقليدية التي حاول علماء الاجتماع تقديم تفسيرات مختلفة لها، وفهم ما يصيب المجتمع أثناء تلك اللحظات الفارقة في تاريخيه، ومن بين تلك المحاولات بل أهمها مفهوم "الأنومي" (Anomie) أو "اللامعيارية"، وتم الاعتماد عليه كثيراً في فهم تحولات المجتمعات الغربية، فقد قدم تفسيراً ثقافياً مختلفاً لما يصيب بعض أفرادها من انحرافات وتطرف غير منطقي، وعلى الرغم من قدم المفهوم، فإنه لايزال حاضراً في الدراسات الحديثة بتطبيقات مختلفة، مع اختلاف المراحل الزمنية التي يمر بها المجتمع.

في هذا الصدد، يعيد المقال الحالي التفكير في مفهوم الأنومي وأبعاده، في محاولة لتقديم مدخل قيمي يساهم في الإجابة على التساؤل المتكرر، عما أصاب المجتمعات العربية؟ وما أسباب ظهور سلوكيات غير مألوفة على المنطقة العربية، والتي تكون غير منطقية في بعض الأحيان لدى الكثيرين.

اأولاً: ن�صاأة مفهوم الاأنومي

ظهر مصطلح الأنومي أول مرة في عام 1591، ويعود أصل الكلمة إلى الإغريقية، الذي يرجع لكلمة (Anomos)، وهي مكونة من كلمتين هما: (Nomos)، والتي تعني "قانون" أو "معيار" أو "نظام"، وكلمة (A) النافية لما قبلها، ومن ثم يعبر مصطلح (Anomos) عن اللاقانون أو اللامعيار أو اللانظام.

وقد بدأ المصطلح في الانتشار في "علوم اللاهوت" في القرن السابع عشر، وكان المقصود به في ذلك الوقت هو "إهمال القانون" أو "الخروج عن القانون"، غير أنه كان يقصد به الخروج عن نوع محدد من القانون وهو القانون الإلهي( (،

1 ثم تراجع استخدام المصطلح واختفى حتى تمت إعادة إحيائه في العصر الحديث، من خلال "إميل دوركايم" (Émile Durkheim)– رائد المدرسة الاجتماعية الغربية( ،) حيث

1 أعاد استخدام المصطلح في سياق مختلف، وذلك كمدخل لفهم السلوكيات غير المقبولة في المجتمع، فقد مر مفهوم الأنومي لديه بمرحلتين أساسيتين: المرحلة الأولى، في دراسته عن تقسيم العمل عام 1893 من خلال كتابه الذي يحمل الاسم نفسه، والمرحلة الثانية، في دراسته عن الانتحار( (.

2 وقد عرف دوركايم "الأنومي" على أنه "انهيار القواعد الحاكمة لتعامل الأفراد مع بعضهم البعض نتيجة وجود تغيرات اجتماعية (Social Changes ) تُصاحبها حالة من فقدان المعايير والقيم الاجتماعية، الأمر الذي ينتج عنه عدم

يحدث الأنومي عند وجود فجوة حادة بن كل من الأهداف والقيم الاجتماعية، أي عند عجز الأفراد عن تحقيق أهدافهم، وفق للمعايير المقبولة التي يحددها البناء الثقافي لهم، وبقدر وجود توازن بن هذين العنصرين بقدر ما تنعدم أو تقل معدلات الانحراف في المجتمع والعكس صحيح.

القُدرة على توقع طريقة تعامل كل منهم مع الآخر ومن ثم انتشار الفوضى والسلوك غير المقبول اجتماعياً"( ).

3

ثانياً: التغير الاجتماعي وظهور حالة الاأنومي

كان دوركايم من أوائل علماء الاجتماع الذين اهتموا إليه الإنسان وبين ما يستطيع تحقيقه بالفعل( (.

19 أسباب ظهور الأنومي عند دوركايم ويذهب دوركايم للقول إن الأنومي بشكله الحاد يظهر إثر تعرض المجتمع لأنواع مختلفة من الأزمات التي تطيح

سارة يحيى

باحثة في علم الاجتماع

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.