تحد مجتمعي:

أنماط سلوكية غير تقليدية في مرحلة ما بعد الثورات العربية

Trending Events - Future Concepts - - باحثة في علم النفس الاجتماعي -

ظهرت بعد الثورات العربية العديد من أنماط السلوك غير التقليدية، والتي تمثل تحدياً صريحاً لمنظومة القيم الاجتماعية، وأدوات الضبط الاجتماعي المحافظة، التي يتسم بها السياق العربي، ولا يعني ظهورها بعد الثورات أنها بالضرورة ناتجة عنه، ولكن المؤكد أن الثورات العربية ساهمت في إعطاء الأفراد قوة التمرد اللازمة للإفصاح عن بعض جوانب سلوكياتهم غير المقبولة مجتمعياً، وهو ما ظهر من محاولات العديد من الأفراد التمرد على أوضاعهم من خلال تبني نماذج سلوكية صادمة.

ومن أبرز النماذج السلوكية الصادمة التي تبناها البعض هو الإلحاد أو الانتماء لحركة فيمين (FEMEN)، التي تتخذ من التعري أداة للاحتجاج، أو التخلي عن انتماءاتهم وهويتهم الوطنية في بعض الأحيان وغيرها، فضلاً عن إقبال البعض على الانتحار، وهي الأنماط السلوكية التي ظهرت في ظل حالة الارتباك والاضطراب التي أصابت هذه المجتمعات بعد سقوط الأنظمة الحاكمة، وانهيار مؤسسات ورموز كانت تلعب في حياتهم دوراً مهماً فيما مضى، لتخلف حالة من الارتباك وانعدام اليقين لديهم، واللامعيارية، وتحاول الورقة الحالية عرض هذه السلوكيات غير التقليدية التي ظهرت في البيئة العربية في السنوات القليلة الماضية.

اأولاً: التوجه نحو الاإلحاد .. رف�ض للواقع وازعاج للمجتمع

تعد حرية الاعتقاد الديني مكفولة للجميع، وفقاً لعدد من دساتير الدول العربية، فلكل فرد أن يعتقد فيما يشاء، غير أنه في المقابل، جرت العادة على اعتراف معظم الدول العربية بالديانات السماوية الثلاث فقط لمواطنيها، وذلك بحكم التركيبة المجتمعية والتاريخية للمنطقة، التي جعلت الأغلبية فيها تدين بالإسلام، وتدين فئة أخرى بالمسيحية، أو اليهودية، وهو ما صبغ المنطقة بالطابع المحافظ، وهو أيضاً ما دفع العديد من الأفراد الذين يتبنون قناعات وآراء مخالفة لهذا السياق، إلى التخفي والحرص على عدم الإعلان عنها على الملأ، خوفاً مما قد يتعرضون له من عقاب مجتمعي، إلا أن السنوات القليلة الماضية شهدت ظهوراً علنياً للعديد من الملحدين في الوطن العربي، وأصبحت نسبتهم تندرج في المؤشرات الدولية، مثل مؤشر الإلحاد العالمي.

ولعل التوجه نحو الإلحاد في الوطن العربي ليس بالأمر الجديد، ولا هو في حد ذاته محل الاهتمام هنا، ولكن الجديد هو محاولات الضجيج الذي يصر الملحدون على إحداثه، والذي قد يدل على الرفض والرغبة في التمرد على المجتمع من خلال الصدام مع واحد من أهم التابوهات التي يحظر المساس بها، وهي "الدين".

ويؤكد ذلك المعنى الدكتور خالد النجار، أستاذ علم الاجتماع الديني، والذي وصف الإلحاد الحالي بكونه رفضاً لكل معطيات الحاضر، وعجزه وفشله في تلبية احتياجات الشباب، يضاف إلى ذلك المساحة الكبيرة من الإحباط والتهميش والدونية وعدم قدرة الأنظمة الحاكمة على احتواء هذه الطاقات، وهو ما دفع العديد من الشباب إلى رفض الخضوع لقيم المجتمع والتمرد عليه( ).

1 وتتباين أفكار وتوجهات الملحدين فيما بينهم، فهم لا يمثلون مجموعة ذات أفكار متجانسة، والكثير منهم لم يتبن حتى الآن موقفاً حاسماً فيما يخص قناعاته الدينية، وهو ما يعكس شيوع حالة من الاضطراب وانعدام اليقين لدى العديد منهم، فمنهم الملحدون، وهم من حسموا موقفهم من الأديان بشكل عام

ويرفضون فكرة وجود إله ومعظمهم يقدسون العلم ويتخذونه بديلاً عن الدين، ومنهم "اللادينيون"، وهم يؤمنون بوجود إله خالق للكون، ولكنهم يرفضون التسليم بصحة الأديان، ومنهم أيضاً من يطلقون على أنفسهم اسم "اللا أدريون" (نسبة للا أدرى)، وهم لا يسلمون بصحة الأديان الحالية، ولم يحسموا أمرهم بعد فيما يخص وجود أو عدم وجود إله( ).

2 ولعل المتأمل لمحتوى صفحات الملحدين على مواقع التواصل الاجتماعي وتعليقاتهم في مختلف وسائل إلى الإعلام، لابد أن يلاحظ شيوع نزعة تطرف لدى العديد منهم، تجعلهم يرفضون تقبل فكرة التفنيد المنطقي لأفكارهم، وهو التطرف الذي يبدو في العديد من الأحيان في صورة عنف لفظي يستخدمه الملحد كحيلة للدفاع عن نفسه أمام المجتمع.

ثانياً: رف�ض الانتماء والجن�صية الوطنية

يزداد شعور الأفراد بالاغتراب كلما تزايدت الفجوة بين طموحاتهم، وبين قدرتهم على تحقيقها من خلال الوسائل والمعايير المشروعة، وتتسع الفجوة مع وجود اضطرابات مجتمعية تترك تداعيات سلبية على المنظومة القيمية للمجتمع، فضلاً عن تراجع الثقة في القيم العامة للدولة، مثل تحقيق العدالة والمساواة، وهو ما قد يدفع بعض الأفراد لرفض الانتماء للمجتمع، والبحث عن سبيل لقطع ما يصله به.

وفي هذا السياق قد ظهرت حالات – ما زال عددها قليلاً ونسبتها غير مؤثرة – تتجه نحو التنازل عن جنسيتها الوطنية، وذلك كرد فعل على حالة الإحباط العامة التي أصابت مجتمعات ما بعد الثورات، وتراجع الثقة في حدوث تغيرات إيجابية، وهو الأمر الذي يمثل أحد أشكال اللامعيارية، ذلك لأنه يتضمن انسلاخ الفرد من جذوره ونشأته وبيئته، ويعبر في الوقت نفسه عن شكل من أشكال الاحتجاج الضمني، مثلما حدث في مصر عندما تنازل مواطن مصري عن جنسيته المصرية بعد قرار الإفراج عن الرئيس المصري السابق محمد حسنى مبارك في 13 يناير 2015.

وفي 2013 نشرت بعض الصحف أخباراً عن تنازل 66 مصرياً عن جنسيتهم مقابل التجنس بجنسيات أخرى كالألمانية والهولندية والأمريكية) ،( وإذا كانت الجنسية الألمانية طاردة

3 بحكم الدستور، إلا أن الأمريكية تحتمل تعدد الجنسيات، وبالتالي فإن الإصرار على التنازل عن المصرية يعد – في هذه الحالة – نوعاً من أنواع الاحتجاج، ومن ناحية أخرى، شهدت دول عربية أخرى حركات مماثلة، ومن ذلك قيام مجموعة من الشباب التونسي بإنشاء صفحة على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" بعنوان "معاً للتنازل عن الجنسية التونسية") ).

4 وفي كلتا الحالتين، فإن مبادرة الفرد للتخلي عن جنسيته تعكس حالة من حالات الرفض الصريح، ليس فقط للدولة، ولكن للمجتمع بكل معطياته، والرغبة في الانتماء لمجتمع آخر بمعطيات وقيم جديدة، فمنهم من يتجه للتجنس بجنسيات دول أوروبية تتبنى قيماً أكثر تحرراً، ومنهم من اتجه في الآونة الأخيرة لتبني قيم أكثر تشدداً، ومن ذلك إقبال قلة من الشباب العربي على الانضمام لتنظيم "داعش".

ثالثاً: التعري و�صيلة احتجاج جديدة

ظهرت عبر التاريخ أشكال وأنماط متعددة من الاحتجاج، ومنها الاحتجاج بالاعتماد على الجسد، مثل الإضراب عن الطعام، وحرق الجسد، وقطع بعض أعضاء الجسد، وغيرها، كما ظهرت في أوكرانيا حركة احتجاجية نسائية تطلق على نفسها "فيمن" FEMEN، استخدمت "التعري" في البداية كأداة للاحتجاج على المتاجرة بأجساد النساء، ثم تحولت تدريجياً لاستخدام الفعل نفسه كأداة للاحتجاج السياسي) ،( وقد انضم

5 لهذه الحركة مؤخراً نساء عربيات استخدمن التعري كأداة للاحتجاج في تحدى صريح وصادم لقيم البيئة العربية، التي تتسم بالمحافظة، خاصة فيما يتعلق بجسد المرأة، وتصاعد هذا السلوك بالتزامن مع أصوات التشدد في عدد من الدول العربية، مطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية والمغالاة في الرجوع إلى أحكام الدين في إدارة شؤون العامة.

وقد بدأ هذا السلوك في مصر عندما قامت فتاة بنشر صور عارية لها على مدونتها الشخصية احتجاجاً على ما أسمته "مجتمع العنف والعنصرية والنفاق"، وفي ديسمبر 2012 تعرّت مرة أخرى، أمام السفارة المصرية بستوكهولم برفقة ناشطتين من منظمة فيمن وكتبت على جسدها "الشريعة ليست دستوراً") ،( احتجاجاً على الدستور المصري وحكم

6 الإخوان المسلمين.

بعدها بشهور قامت شابة عربية أخرى من تونس بنشر صورة عارية لها على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، وقد كتبت على صدرها "جسدي ملكي ليس شرف أحد"، احتجاجاً على الأوضاع السياسية، خاصة وضع المرأة في تونس في ظل حكم الإسلاميين. وفي المغرب أطلقت مجموعة من النشطاء صفحة على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك باسم فيمن المغرب، طلبوا من النساء المتضامنات مع فتاة تونس أن يرسلن صورهن عاريات الصدر) ،( وفي أبريل

7 2013 اقتحمت عشرات النساء مقر المحكمة الابتدائية في العرائش في المغرب، وهددن بخلع ملابسهن للمطالبة بإطلاق سراح الناشط الجمعوي، محمد لشحل من دون كفالة) ).

8

رابعاً: الانتحار بين الياأ�ض والتمرد

كشف تقرير منظمة الصحة العالمية الصادر في ديسمبر 2014

حول الانتحار عن تصاعد حالات الانتحار في العديد من الدول العربية، حيث بلغ معدل الانتحار في السودان حوالي 17.2 لكل 100 ألف مواطن، بينما وصل معدل الانتحار بالمغرب إلى حوالي 5.3 لكل 100 ألف مواطن، كما شهدت اليمن كذلك تصاعداً لمعدل الانتحار ليصل إلى 3.7 لكل 100 ألف مواطن، ووصل معدل الانتحار في موريتانيا إلى 2.9 لكل 100 ألف مواطن، وفي تونس بلغ حوالي 2.4 لكل 100 ألف مواطن، وحوالي 1.7 لكل 100 ألف مواطن في مصر.

وعلى الرغم من انخفاض الأرقام في الدول العربية مقارنة بالمعدلات العالمية، فإن مدلولها لا يقف عند الرقم، خاصة أن الانتحار لم يكن خياراً مطروحاً أو معتاداً في الدول العربية لأسباب كثيرة تتعلق بالسياق الديني، وتماسك الأسرة نسبياً، وزيادة التضامن الاجتماعي، غير أن تراجع الثقة في القنوات الشرعية لتلبية الاحتياجات والتطلعات، ويأس الأفراد من مؤسسات المجتمع، أصبح الانتحار بديلاً مطروحاً، وشهدت معدلاته ودوافعه وأدواته نقلة نوعية في المنطقة.

إن أحداث الثورة التونسية في عام 2011 توضح هذا، فقد بدأت مع إقدام الشاب التونسي طارق محمد البوعزيزي على إضرام النار في نفسه أمام مقر ولاية سيدى بوزيد، ليتحول بعدها الانتحار حرقاً إلى ما يُشبه أداة احتجاج على الأوضاع وتكررت الحادثة بعدها، حيث تم تسجيل أكثر من 160 حالة انتحار منذ الإطاحة بنظام ابن على وحتى شهر مارس 2013 منها 69 حالة حرقاً، كما تم تسجيل 304 حالات انتحار في سنة 2013، وذلك وفقاً لما أفاد به وزير الصحة محمد صالح بن عمار، والذي أوضح كذلك أن عدد عمليات الانتحار تضاعف منذ الثورة مقارنة بسنتي 2008 و2009 (.

)9 وقد فسر أميل دوركايم عالم الاجتماع الفرنسي الانتحار في كتابه الذي يحمل الاسم ذاته )1897،( فوفقاً له، عندما تكون الجماعة متماسكة يتماسك فيها الأفراد، وتتبلور قيم وقواعد السلوك التي تساعد الأفراد على إيجاد السبل الناجحة لتحقيق ما يصبون إليه، وبالتالي تقل نسب الانتحار في مثل هذه المجتمعات، وقد قدم دوركايم في كتابه وصفاً دقيقاً لثلاثة أنواع من الانتحار شملت: 1- الانتحار الأناني (Le Suicide Egoïste ): وهو ينتج بشكل أساسي عندما يعاني الفرد من حالة انفصال وعدم اندماج في الوحدة الاجتماعية الكبرى.

2- الانتحار الإيثاري (Le Suicide Altruisme ): يحدث الانتحار الإيثاري عندما يكون "الاندماج الاجتماعي قوياً جداً، حيث يجبر الفرد على ارتكاب فعل الانتحار، ويمكن أن يدخل تحت مظلة الانتحار الإيثاري ما يقوم بهد أفرد التنظيمات الإرهابية من عمليات انتحارية. 3- الانتحار اللامعياري (Le Suicide Anionique ): وهو يحدث عندما تضطرب ضوابط المجتمع ويحدث تعطيل مؤقت للجماعة عن أداء دورها السلطوي على الأفراد، ففي فترات الاضطراب يطلق العنان للامعيارية– الإحساس بانعدام الجذور وانعدام المعايير– وتقود هذه التيارات إلى زيادة معدلات الانتحار( ).

10 ويمكن أن تندرج حوادث الانتحار التي وقعت عقب الثورات العربية في إطار الانتحار اللامعياري( ،) والذي

11 غالباً ما ينتج عن الخلل الذي يصيب النظم الاجتماعية السائدة نتيجة لما تتعرض له من تغيرات مفاجئة وسريعة تسبب اختلالاً في منظومة القيم والأعراف السائدة) .) وهو

12 يعكس التفكك الاجتماعي الذي يحدث على مستوى الروابط الاجتماعية، إذ يفكر الفرد في الانتحار عندما تتزعزع أو تتحطم علاقاته بالمجتمع، فعندما يضعف تأثير القيم والمعايير والنظم الاجتماعية على الفرد، فلا يدرك الخطأ من الصواب، ولا الخير من الشر، ولا الممنوع من المسموح، يصبح الفرد تحت هيمنة وسيطرة قوة الجماعة، ويفقد الضوابط والتحكم في سلوكه، مما يجعله لا يشعر بالأمان والاطمئنان والاستقرار.

الخاتمة

أدت التغيرات الراديكالية التي حدثت في المجتمعات العربية لظهور مجموعة من الممارسات الاجتماعية غير المعهودة، وغير المقبولة من المجتمع، وذلك نتيجة لواقع لم يستطع الأفراد استيعابه أو التأقلم معه، أو تفسير وجوده، وفقاً للمعايير والقيم التي كانت سائدة وتحظى بقدر كبير من الثقة والمصداقية لدى هؤلاء الأفراد، وهو ما تسبب في اضطراب منظومة القيم الخاصة بهم، ومن ناحية أخرى، فتحت الثورات والاضطرابات الباب أمام ظهور السلوكيات غير المقبولة، والتي كانت تمارس بصورة خفية، إذ يتم الإعلان عنها في تحد صريح للمجتمع، وقدرة مؤسساته على الوقوف أمامها. إذ إنها تمثل انقلاباً صريحاً على معايير وقيم المجتمع. ولا تقف أنماط السلوك عند هذه السلوكيات فحسب، بل تمتد هذه النماذج السلوكية الشاذة لتشمل أمثلة أخرى كثيرة، كجماعات تبادل الزوجات، والشذوذ الجنسي، وما إلى ذلك من ممارسات غير سوية في السياق العربي المحافظ.

عزة هاشم

باحثة في علم النفس الاجتماعي

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.