منظومة القيم:

سياسات استعادة التوازن في مراحل ما بعد الثورات

Trending Events - Future Concepts - - باحث ماجستير، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامع -

غالباً ما تقترن مجتمعات ما بعد الثورات بحالة من عدم الاستقرار، ويتراوح عمق هذه الحالة، وبالتالي مداها الزمني، وفقاً لدرجة الاختلال التي وصلت لها المنظومة القيمية، ومحصلة الصراع بين القوى المجتمعية الصاعدة بقيمها الجديدة، في مقابل القوى القديمة في تلك المجتمعات، وذلك نظراً لأن منظومة القيم تلعب دوراً أساسياً في تنظيم التفاعل الحادث في المجتمع، عن طريق توجيه سلوكيات البشر في مختلف مجالات الحياة المجتمعية، سواء كانت سوية أو منحرفة، لذا فكلما كانت منظومة القيم السائدة في مجتمعٍ ما قادرة على ضبط التفاعل المجتمعي داخله، توقعنا أن يكون المجتمع أكثر استقراراً( ).

1

وتكمن أهمية المنظومة القيمية لأي مجتمع في تحقيق وظيفتين أساسيتين؛ الأولى: هي تحقيق الاستقرار المجتمعي وإعادة ضبط العلاقة بين مكوناته عقب الأزمات الكبرى التي تضربه، والثانية: إبراز الهوية الوطنية للمجتمع، وترسيخ الشعور بالانتماء لدى أفراده، لذلك عادة ما تتبنى الدول التي تمر بمراحل تحولات جذرية سياسات مختلفة لاستعادة توازن المجتمع، يأتي على رأسها مجموعة من السياسات الثقافية التي تستهدف إعادة بناء منظومة قيمية تتفق مع الواقع الجديد، وتستطيع من خلالها التواصل مع الأفراد وتحديد التوقعات المتبادلة.

وفي هذا الإطار، تحاول هذه الورقة تقديم إطار نظري حول أهمية منظومة القيم المجتمعية في تحقيق الاستقرار المجتمعي وتدعيم الهوية الوطنية، وما هي السياسات المناسبة التي يجب أن تتبعها الحكومات العربية لاستعادة التوازن المجتمعي مرة أخرى، وذلك في ضوء التجارب الدولية.

اأولاً: الا�صتقرار المجتمعي: مدخل قيمي للفهم والتحليل

في أبسط تعريفاته، يعني الاستقرار المجتمعي استمرار وجود النماذج والظواهر المجتمعية والثقافية في المجتمع، من دون تعرضها لتغير فجائي أو جذري، وهذا لا يعني بالضرورة وجود حالة من الثبات المطلق تسود المجتمع، فالمجتمع المستقر هو الذي تطرأ عليه تغيرات تدريجية وبطيئة وكافية لتحقيق التوافق بين القيم والتطورات التي يشهدها المجتمع، من دون أن تؤدي إلى اضطرابه أو تفككه( ).

2

وقد حظيت قضية الاستقرار المجتمعي باهتمام علماء النظرية الوظيفية، حيث ربط أوجست كونت– الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي– بين قيام الثورة المجتمعية وإلغاء الملكية وتأسيس الجمهورية في القرن السابع عشر، وشيوع عدم الاستقرار المجتمعي والسياسي، وظهور أنواع شتى من المشكلات المجتمعية، ورأى "كونت" أن إصلاح المجتمع يحتوي على جانبين، جانب استاتيكي؛ يتشكل من مجموعة النظم والمؤسسات، وجانب ديناميكي؛ يشير إلى طرق التفكير والثقافة التي تتغير وتتبدل مع الزمن، والتي لها تأثيرها المباشر على المجتمعات( ).

3

وتقوم منظومة القيم بفرض الاستقرار المجتمعي من خلال أربع آليات أساسية؛ الأولى: هي اعتبار القيم عناصر رمزية توجّه مجالات التفاعل المجتمعي كافة، عن طريق

توجيه سلوكيات البشر، أمّا الثانية: فهي تحوّل القيم إلى تقاليد وأعراف ومعايير وقواعد تتولى الضبط المباشر للتفاعلات والسلوكيات الواقعية، والثالثة: تشكيل الضمير الفردي من خلال عملية التنشئة المجتمعية التي توجد على أساسها القيم في المجتمع، وأخيراً، آلية التوقعات المتبادلة، أي أن الأفراد في تفاعلهم يتوقعون سلوكيات بعضهم البعض، لأنهم يؤدون هذه السلوكيات بالنظر إلى قيم مشتركة ومتفق عليها( ،) وهو

4 الأمر الذي يعزز الثقة المجتمعية والانتماء والشعور بالهوية.

ثانياً: ج�صر الفجوة بين النظم ال�صيا�صية والمنظومة القيمية

وفقاً لمفهوم القيم، تتأثر الهوية الوطنية للمجتمع بتلك المنظومة، وذلك بما تضفيه على مجتمع ما من صبغة مميزة، متوافق عليها ضمنياً، حيث تعكس الهوية الوطنية بمفهومها العصري سمات الشعب أو الأمة، فهي نتاج خصائص الثقافة الجماعية والتي تعطي للأمة شعوراً موحداً، أي أن المنظومة القيمية هي التي تُشكّل الهوية الوطنية لأي مجتمع، وتصبغها بصبغته، ففي بادئ الأمر في أوروبا اتخذت الهوية الوطنية صبغة دينية، لكنها ما لبثت أن تحولت في القرنين التاسع عشر والعشرين متخذة السلالة واللغة والثقافة صبغة لها، وهو الأمر الذي عكس بدرجة ما تحوّل المنظومة القيمية في أوروبا عبر التاريخ وصولاً إلى القرنين التاسع عشر والعشرين( ).

5

ويرتبط تعزيز الهوية الوطنية أو إضعافها في أي مجتمع بما يسمى "الثقافة السياسية"، وهو مفهوم يشير إلى التوجهات السياسية والأنماط السلوكية للأفراد والتي تحدد العلاقة بينهم وبين النظام السياسي. وعلى الرغم من أن الثقافة السياسية هي إحدى تجليات المنظومة القيمية في المجتمع، فإنها أيضاً تتأثر بخبرات أفراد المجتمع في التفاعل مع نظمهم السياسية المتعاقبة، وهو ما يولّد أنماطاً عدة للثقافة السياسية.

وتتمثل هذه الأنماط في الثقافة الضيقة، والثقافة التابعة، والثقافة المشاركة( ،) فالمجتمعات التي تسودها ثقافة سياسية

6 مشاركة، يؤمن الأفراد بحقهم في المساهمة في صنع القرارات السياسية والنهوض بمستوى مجتمعهم، ولذا نجد أن مواطنيها يتميزون بولائهم الكبير لوطنهم مما يعزز من الهوية الوطنية لتلك المجتمعات، أما المجتمعات التي تسودها ثقافة سياسية تابعة، فإن الأفراد يدركون وجود النظام السياسي وبتأثيره على حياتهم، ولكنهم لا يبالون بالمشاركة في الحياة العامة، ويشعرون بالاغتراب داخل مجتمعاتهم، ولا يثقون بالسلطة السياسية التي يرون فيها أداة لتحقيق مصالح القائمين بها، ويتميزون بقلة ولائهم مما يُضعف من الهوية الوطنية لتلك المجتمعات، أما المجتمعات التي تسودها ثقافة سياسية ضيقة، فيتصف أفراد المجتمع بضيق الأفق والتفكير، ويتسم وعيهم من جهة وإدراكهم لتأثيرهم والتزامهم تجاه النظام السياسي من جهة أخرى بالانعدام( ،) مما يعني أنهم لا

7 يؤثرون بالعملية السياسية ولا يتأثرون فيها، وبطبيعة الحال، فإن ولاءهم يكون ضعيفاً كذلك.

ثالثاً: اإعادة بناء المنظومة القيمية من خلال «الحلم الوطني »

وفقاً لما جاء به أوجست كونت في تحليله لأبعاد الإصلاح، فإن المؤسسات وحدها لا يمكنها تحقيق الاستقرار إذا قامت بوضع سياسات وخطط بمعزل عن المجتمع، أو قامت بإعادة بناء منظومته القيمية بطريقة لا تتوافق مع الإصلاحات، أو إذا أغفلت عن فهم التغيرات التي طرأت على القيم. فمثل هذه الإجراءات، تجعل من الصعب على الدولة تحقيق التعبئة المناسبة لتنفيذ مشروعاتها بعد الاضطرابات، أو ضمان تهدئة المجتمع أو استعادة استقراره مرة أخرى.

وفي هذا الإطار، اتجهت العديد من الدول لإيجاد قيم جديدة من خلال إطلاق مشاريع قومية أو أحلام وطنية، بحيث يتضمن جزء من تنفيذ المشروع خلق نمط حياة وتطلعات وآفاق وثقافة جديدة للأفراد بالمجتمع، خاصة فيما يتعلق بقيم العمل، والإنجاز، والحقوق والحريات، وتُعد أشهر الإشارات الحديثة لمفهوم الحلم، إشارة مارتن لوثر كينج عندما أطلق صيحته أو شعاره "إن لدى حلماً" في غمار حملته من أجل الحقوق والحريات للسود في الولايات المتحدة في عقد الستينيات من القرن الماضي( ).

8

إن إصاح المجتمع يحتوي على جانبن، جانب استاتيكي؛ يتشكل من مجموعة النظم والمؤسسات، وجانب ديناميكي؛ يشير إلى طرق التفكير والثقافة التي تتغير وتتبدل مع الزمن، والتي لها تأثيرها المباشر على المجتمعات. ولذلك اتجهت العديد من الدول لإيجاد قيم جديدة من خال إطاق مشاريع قومية أو أحام وطنية، بحيث يتضمن جزء من تنفيذ المشروع خلق نمط حياة وتطلعات وآفاق وثقافة جديدة للأفراد بالمجتمع، خاصة فيما يتعلق بقيم العمل، والإنجاز، والحقوق والحريات.

ومن بعده عمدت بعض النظم السياسية لاستخدام هذا المصطلح في أوقات الأزمات المجتمعية الحادة لتعبر به عن مشروع قومي كبير يسعى إلى استعادة الاستقرار المجتمعي، وكذلك التأكيد على الهوية الوطنية وتعزيزها بين مكونات المجتمع المختلفة.

ويعتبر "الحلم الأمريكي" من أشهر تلك التجارب، حيث ظهر هذا المصطلح عام 1931، إبان أزمة الكساد الاقتصادي الكبير، على يد المؤرخ "جيمس تراسلو آدامز" في كتابه "الملحمة الأمريكية"، وقد عرّفه على النحو التالي: "إنه حلم بأرض تكون فيها الحياة أفضل وأغنى للأفراد، وتتساوى الفرص أمام الجميع لتحقيق النجاح كلٌ حسب قدرته وإنجازه، وهو حلم يصعب على الطبقات العليا الأوروبية

فهمه على نحو دقيق"، وتجدر الإشارة هنا إلى أن الحلم لا يتعلق بالرفاهية المادية بقدر ما يتعلق بإقامة نظام اجتماعي يستطيع بموجبه كل رجل وامرأة تحقيق ذاته، وأن ينالوا اعتراف الجميع بصرف النظر عن الأصل والانتماء"( ).

9

واستطاعت استراتيجية "الحلم الأمريكي" أن توجد مناخاً ثقافياً وزخماً وتعبئة مجتمعية بشكل كبير، وذلك لأنها ربطت بين المتغيرات المادية وقيم ثقافية مثل المساواة والديمقراطية وتقبل الآخر واحترام الاختلاف، كما ربطتها بمفهومي المدنية والديموقراطية. وعلى الرغم من أن مفهوم الحلم الأمريكي قد خضع للتعديل عبر التاريخ، فإنه استمر يحمل الصورة الكلاسيكية للحياة المثالية التي تشبع حاجات الأشخاص وتجعلهم في تناغم مع حكوماتهم.

وقد أعادت الصين مؤخراً إعادة إنتاج فكرة "الحلم الأمريكي"، حيث بدأت تتبنى ما أسمته "الحلم الصيني"، وهو المصطلح الذي أشار إليه الرئيس الصيني "شي جينبينغ" للمرة الأولى في نوفمبر 2012، بعد أن رُقّي إلى منصب السكرتير الأول للحزب الشيوعي الصيني، كما أعاد استخدامه مرات عدة في أول كلمة يوجهها للشعب الصيني، وذلك وبعد تسلمه رئاسة الصين في مارس 2013 ،( حيث

)10 قال: "علينا بذل الجهود الحثيثة وأن نتقدم بإرادة لا تعرف الهوان من أجل دفع قضيتنا العظيمة– قضية بناء الاشتراكية بخصائص صينية– إلى الأمام، وأن نكافح من أجل تحقيق الحلم الصيني"( ).

11

وقد زخر الإعلام الصيني بشتى البرامج والتحقيقات الدعائية التي تمتدح "الحلم الصيني" الذي جاء به الرئيس، ولا تكاد صحيفة صينية واحدة تخلو من ذكر هذا الحلم( (،

12 ويأتي الترويج لهذا المصطلح أو المشروع القومي في وقت تعاني فيه الدولة الصينية تحديات صعبة في ظل ارتفاع عدد سكانها إلى 1.3 مليار نسمة، فضلاً عن تباطؤ النمو الاقتصادي منذ 2012، بالإضافة لانخفض نمو إجمالي الناتج المحلي من 9.3% في 2011 إلى 7.7% في 2012 (.

)13

وقدمت بعض التحليلات رؤية حول الأهداف المستقبلية للحلم الصيني، وذكرت أن هناك هدفين رئيسيين هما:

1- الانتهاء من بناء "مجتمع مزدهر على نحو معتدل في كافة الأوجه"، وتحقيق ذلك بالتزامن مع احتفال الحزب الشيوعي الصيني بمئويته في عام 2021.

2- تحويل الصين إلى دول اشتراكية حديثة مزدهرة وقوية وديمقراطية ومتقدمة ثقافياً ومتناغمة عندما تحتفل جمهورية الصين الشعبية بمئويتها عام 2049 (.

)14

وبدأت الحكومة الصينية بالفعل بالترويج لمشروع "الحلم الصيني" عملياً، حيث نظمت منتدى "الحوار العالمي حول الحلم الصيني" في مدينة شانغهاي شرق الصين في ديسمبر 2013، بهدف تبادل وجهات النظر حول الحلم الصيني وكيفية تناول وسائل الإعلام العالمية له واستراتيجيات الترويج له( ،) وذلك في الوقت الذي تشير فيه استطلاعات

15 الرأي إلى تفاؤل الصينيين تجاه "الحلم الصيني"، وإيمانهم بقدرته على إعطاء دفعة كبيرة للمجتمع الصيني) ،) وهو

16 ما يؤكد نجاح الصين في الترويج له بين مواطنيها، وإن كان لايزال من المبكر أن يتم تقييم تجربة "الحلم الصيني".

رابعاً: �صبل ا�صتعادة التوازن المجتمعي في مرحلة ما بعد الثورات

يتضح من خلال ما سبق أن عملية استعادة التوازن المجتمعي عملية طويلة المدى، وتحتاج إلى تخطيط وإرادة حقيقية، وبالطبع فإن النظم السياسية الحاكمة ليست هي المنوطة وحدها بهذه العملية، ولكنها المسؤول الأول عن توفير المناخ الملائم لإتمامها، عن طريق سياسات واضحة ومُحددة وليس شعارات ووعود برّاقة. وهنا نجد أن الضامن الأساسي لنجاح عملية استعادة التوازن المجتمعي هي مدى إقناع أفراد المجتمع بها، وهي المهمة الأولى للنظام السياسي، ومقيدة بالشرطين التاليين:

1- القدوة والمصداقية: تحتاج دعوات التغيير والإصلاح المجتمعي إلى قادة يعملون على تعديل اتجاهات أفراد المجتمع نحو القضايا المجتمعية والسياسية المختلفة، وذلك عن طريق تجسيد سلوكيات هؤلاء القادة لقيم التغيير التي يطالبون بها، أي أنه لابد من توفر المصداقية لدى هؤلاء القادة، لأن فقدانهم لها بالنسبة لأفراد المجتمع كفيلة بانهيار دعوات التغيير تماماً( ).

17

2- الاتساق: ويعني محاولة ضمان الحد الأدنى من عدم التضارب بين الرسائل المتعلقة بقضايا الإصلاح والتغيير المجتمعي، والصادرة في مواقف مختلفة من القادة أنفسهم، ولا يتوقف الاتساق المطلوب على مجال الرسائل الإعلامية فحسب، بل لعل الأهم هو مراعاة الاتساق بين الرسائل الإعلامية والسلوك الفعلي للقادة السياسيين، فمن الخطورة بمكان تصور أن الأفراد يستجيبون للقادة فقط من دون أن يرصدوا سلوكهم في الحياة السياسية. كذلك ينبغي أن يتوفر القدر اللازم من الاتساق بين حاضر هؤلاء القادة وماضيهم، وهو ما يحتّم على النظام السياسي التدقيق في اختيار مسؤوليه( ).

18

أما عن السياسات التي قد تتبعها النظم السياسية لتتمكن من إعادة التوازن لمجتمعاتها، ومعالجة الأزمات التي تمر بها منظوماتها القيمية، فتتلخص في تبني واضح لمجموعة من القيم وتعزيزها على حساب مواجهة القيم المعوقة لذلك المنظور الجديد، وذلك حيث تؤدي مراحل الاضطرابات أو ما بعد الثورات إلى غموض الرؤية، وارتباك القيم ما بين جديد وقديم، وانخفاض الثقة في المنظومة التقليدية، وعدم القدرة على ملء فراغ القيم التي تراجعت، ومن ثم تشير

التجارب إلى أهمية القيام بما يلي:

1- تحديد قيم القوى المجتمعية الصاعدة: فالبناء القيمي لأي مجتمع هو إفراز طبيعي للمرحلة التاريخية التي يمر بها ذلك المجتمع، ومن ثم فمن المألوف أن تشهد كل مرحلة تاريخية صراعاً بين منظومتين قيميتين؛ منظومة تنتمي إلى القوى المجتمعية القديمة التي تظل لفترة طويلة تحاول الحفاظ على مواقعها المجتمعية، ومن ثم على منظومتها القيمية، ومنظومة أخرى تعبر عن القوى المجتمعية الجديدة الصاعدة. ويقوم التخطيط للمستقبل وتحديد الأولويات على أمرين؛ الأمر الأول هو قراءة للواقع القائم بهدف تبين هوية القوى المجتمعية الصاعدة، وتبني منظومتها القيمية. والأمر الثاني هو تبين هوية القوى المناهضة للتقدم سواء كانت متمثلة في بقايا القوى المجتمعية القديمة، أو ممثلة في لقوى خارجية، والسعي لمواجهة تلك المنظومة القيمية المعادية للتقدم( ).

19 2- تبني النظام السياسي لمنظور فكري محدد: يتسق مع طبيعة المرحلة القادمة، ومع المنظومة القيمية للقوى المجتمعية الصاعدة، لأنه إذا غاب ذلك المنظور الفكري، فسيجد النظام السياسي نفسه حيال قائمة طويلة من القيم التي قد تتعارض أحياناً، وهو ما يحتاج لما يسمى ب"أولوية القيم"، وهو ما تبرز أهميته في قضية "أولوية الانتماءات". فمعظم الدول العربية– ومن بينها دول الثورات العربية– لديها دوائر متعددة للانتماء، وكانت دائماً ما تحاول تلك الدول أن تؤكد أن جميع تلك الدوائر على نفس القدر من الأهمية، وعلى الرغم من أن هذا قد يبدو للوهلة الأولى متاحاً، فإنه من الناحية العملية قد يمثل تهديداً حقيقياً للوجود القومي لتلك الدول، حيث يفتح الطريق أمام كل من يريد تزييفاً لتهديدات الأمن القومي بالتغييب أو الاختلاق( ).

20

الخاتمة

يمكن القول إنه في الوقت الذي تهتم الدول في مرحلة ما بعد الثورات بإعادة بناء نظمها السياسية ومؤسسات الدولة، عادة ما تغفل المنظومة القيمية، ولا تتبنى سياسات ثقافية وقيمية تتوازن مع خطوات الإصلاح الأخرى، تاركة مجتمعاتها في حالة ارتباك واضطراب، وهو الأمر الذي يؤثر على تحقيق استقرار كامل للمجتمع، فقد أشارت التجارب التاريخية الدولية إلى أن البعدين المادي والثقافي مكملان ولا تستوي أية عمليات إصلاح بمعزل عن أحدهما.

عادة ما تتبنى الدول التي تمر بمراحل تحولات جذرية سياسات مختلفة لاستعادة توازن المجتمع، يأتي على رأسها مجموعة من السياسات الثقافية التي تستهدف إعادة بناء منظومة قيمية تتفق مع الواقع الجديد، وتستطيع من خالها التواصل مع الأفراد وتحديد التوقعات المتبادلة.

محمد محمود السيد

باحث ماجستير، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة

القاهرة

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.