Culture Security

صعود الأبعاد الثقافية والمجتمعية للأمن الوطني

Trending Events - Future Concepts - - الصفحة الأمامية -

أدت التحولات الهيكلية التي شهدها النظام العالمي على مدار العقدين الماضيين إلى تغير جوهر مفهوم الأمن في ظل التداخل بين التهديدات لأمن الدول والمجتمعات، وتجاوزها للتهديدات العسكرية الخارجية لتشمل التهديدات الإلكترونية والبيئية والصحية والثقافية، في الوقت الذي أصبح فيه من غير الممكن السيطرة على مصادر التهديدات واحتواء تداعياتها، وهو ما يرتبط بتراجع أهمية الحدود الفاصلة بين الدول في ظل صعود دور الفاعلين من غير الدول والظواهر العابرة للحدود.

ولعل بداية التغير في مفهوم الأمن ترجع لما طرحه روبرت ماكنمارا في كتابه "جوهر الأمن" (The Essence of Security ) والذي ركز فيه على أن التنمية باتت مرادفاً لتحقيق الأمن ليتجاوز الأبعاد العسكرية التقليدية للأمن، الطرح ذاته قدمه باري بوذان ففي كتابه "الناس والدولة والخوف" والذي نشر في عام 1983، حيث أكد أن التهديدات التي تواجه الدولة لا تقتصر فقط التهديدات العسكرية، بل تمتد لتشمل التهديدات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وارتبط ذلك بأطروحات النظرية الليبرالية الجديدة في مطلع تسعينيات القرن الماضي حول مفهوم الأمن الجماعي (Collective Security) والذي يقوم على تحالف المجتمع الدولي في مواجهة التهديدات عالمية الانتشار، التي لا يمكن لأي دولة مواجهتها بصورة منفردة.

أما ريتشارد أولمان فقد طرح رؤية غير تقليدية للأمن في مقاله المعنون "إعادة تعريف الأمن" في عام 1983، حينما عرف الأمن على أنه مواجهة التهديدات التي تؤدي لتدهور مستوى معيشة سكان دولة ما، والتي تؤدي لتقليص الخيارات السياسية المتاحة أمام الحكومات والوحدات غير الحكومية، سواء أكانت أفراداً أو مؤسسات أو جماعات، وهو ما يعكس الارتباط الوثيق بين الأمن والمجتمع، باعتباره الغاية الرئيسية لتحقيق الأمن.

وتعزز هذا الاتجاه بتطوير البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة لمفهوم الأمن الإنساني في عام 1994 باعتباره يركز على الفرد كغاية أساسية، معتبراً الأمن عملية عالمية النطاق لا تقتصر على دولة ما، حيث حدد التقرير سبع صيغ جديدة صاعدة للأمن: الأمن الاقتصادي، والأمن الغذائي، والأمن الصحي، والأمن البيئي، والأمن الشخصي، والأمن المجتمعي، والأمن السياسي، وظهرت في هذا الصدد اتجاهات نظرية تميز بين نوعين من الأمن هما: الأمن الصلب (Hard Security) وهو المعني بالتهديدات العسكرية، والأمن الناعم (Soft Security ) وهو المعني بالتهديدات غير العسكرية: كالإرهاب، والتهريب، وتجارة المخدرات، والجريمة المنظمة، ورصدت الاتجاهات سالفة الذكر التداخل الواضح بين كلا النوعين، فقد يتحول الأمن الناعم إلى أمن صلب في حالة إذا تمت معالجته بالأداة العسكرية.

أما مدرسة كوبنهاجن لدراسات الأمن الدولي فقد ركزت على مفهوم الأمن المجتمعي باعتباره مركزياً في مواجهة التحولات الراهنة التي تعكس تراجع الاحتكار الحصري للأمن من جانب الدولة، حيث أشار منظروها إلى أن الأمن المجتمعي يعني قدرة المجتمع على الحفاظ على شخصيته الجوهرية في ظل الظروف المتغيرة وفي ظل التهديدات الممكنة والمحتملة والحالية، والقدرة على الاستدامة والاستمرارية لنماذجها التقليدية من اللغة والثقافة والدين والهوية القومية.

وارتبطت أطروحات مدرسة كوبنهاجن حول الأمننة بصعود أهمية قضايا السياسة الدُنيا (Low Politics )، مثل البيئة والطاقة والصحة والسكان، بحيث لم تعد تقل أهميتها عن قضايا السياسة العليا (High Politics )، والتي تضم القضايا الأمنية والعسكرية التقليدية، مثل صراعات الحدود، وسباق التسلح والانتشار النووي، وتوازى ذلك مع صعود تهديدات أمنية ناجمة عن ظواهر عابرة للحدود تتطلب تضامن المجتمع الدولي لمواجهتها، مثل الاتجار بالبشر والمخدرات، وتهريب السلاح عبر الحدود، والإرهاب وشبكات الجريمة المنظمة، وهو ما يعني أن الدول لم تعد هي مصدر التهديد الأوحد للأمن بصعود الفاعلين من غير الدول، أما التطور الأهم في هذا الصدد، فيتمثل في تصاعد تأثير الثقافة والهوية في العلاقات الدولية والتداخل العضوي بين الثقافة والأمن كأحد تجليات الأمننة.

وفي هذا الصدد يشير كريستوفر هيل (Christopher Hill) إلى صعود دور بعض الفاعلين العابرين للحدود المنخرطين في منظومة التفاعلات بين الثقافة والأمن وتتصدرهم "الجماعات الدعوية" (Proselytizers)، التي تشمل الفاعلين الذين يكون هدفهم نشر الأفكار والدفاع عن قضايا محددة على غرار حركات نزع التسلح، وجماعات الخضر، والمنظمات الحقوقية الدولية، مثل منظمة العفو الدولية، وحركة أطباء بلا حدود، فضلاً عن الكنائس والطوائف الدينية، ويكون هدفها التأثير على عملية صنع السياسات بالدول المختلفة والضغط على الحكومات لمراعاة القضايا التي تجدها أولي بالرعاية، أما "جماعات أعمال المعرفة" (knowledge Business Groups ) فتتضمن الشبكات الإعلامية المختلفة ووكالات الأنباء العالمية وشبكات الخبراء والمراكز البحثية، التي يطلق عليها "المجتمعات المعرفية" (Epistemic Communities )، وهي جماعات تستهدف نشر المعلومات والأفكار والخبرات على المستوى العالمي.

واقترن تصاعد التداخل بين الثقافة والأمن بتغلغل العولمة في مختلف المجتمعات بتلاشي الحدود والحواجز الثقافية، وتماهي الحدود الفاصلة بين الداخلي والدولي، وصعود أنماط للتفاعلات البينية (Intermestic) بالتوازي مع الطفرة الاستثنائية في ثورة الاتصالات والتدفقات المعلوماتية العالمية التي باتت تفوق قدرة الدول على السيطرة عليها وتوجيهها، خاصة مع تبلور المجال الافتراضي كمساحة بعيدة عن سيطرة السلطة، ومن ثم احتدم الصراع بين القوى الساعية لفرض نموذج ثقافي مهيمن على مختلف دول العالم وتيارات المقاومة المدافعة عن الخصوصية الثقافية والحفاظ على الهوية والتي انبثقت عنها بعض قوى التطرف التي تبنت ثقافة الانغلاق على الذات وكراهية الآخر.

وفي خضم هذا الجدل ظهر مفهوم "المناعة الثقافية" (Cultural Immunity ) ليعبر عن سعي المجتمعات للحفاظ على مقومات الثقافة والهوية الوطنية من التأثيرات الخارجية والاختراق الثقافي والتطرف الفكري، وهو ما يرتبط بتحقيق التوازن بين الاعتزاز بالذات الثقافية والهوية الوطنية والانفتاح على الثقافات الأخرى والتواصل البناء مع الآخر والتصدي للمعتقدات والأفكار الراديكالية المتطرفة المنبثقة عن ثقافة الكراهية التي تحفز الصراعات الخارجية.

ومن ثم تراجعت الرؤى السائدة في الدراسات الاستراتيجية حول نخبوية الأمن واقتصاره على الدائرة الضيقة التي تضم أعضاء المؤسسات الأمنية والعسكرية، وتبلورت في الآونة الأخيرة اتجاهات نظرية وتطبيقية صاعدة أضحت تهتم بمفهوم ثقافة الأمن، باعتباره منظومة القيم والمعتقدات والتوجهات والتوقعات السائدة لدى المواطنين في المجتمع والأعضاء في مختلف المؤسسات والمنظمات حول مسببات الصراع والمخاطر والتهديدات الداخلية والخارجية ومحفزات عدم الاستقرار وتناقضات المصالح بين مختلف الأطراف، فضلاً عن كيفية إدارة الصراعات والتناقضات ودعم المؤسسات الأمنية والعسكرية خلال الأزمات وفترات التوتر لتحقيق الأمن والاستقرار، وبمعنى آخر الكيفية التي يمكن بها للفرد كفاعل أن يساهم في تحقيق الأمن.

بيد أن الجدل حول هذا المفهوم قد تصاعد بين عدة اتجاهات أولها يرى أن مجرد طرح هذا المفهوم يُعتبر أحد تجليات أمننة المجال العام والمجتمع باعتباره اتجاهاً صاعداً منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وتصدر تجليات الأمن التقليدي، في المقابل يؤكد اتجاه ثانِ أن ثقافة الأمن تعد من أبعاد تشظي مفهوم الأمن وصعود اتجاهات الأمن غير التقليدي في أدبيات الدراسات الاستراتيجية، أما الاتجاه الثالث فينصرف إلى اعتبار المفهوم ضمن السياسات والاستراتيجيات الوقائية التي باتت تتبعها المؤسسات الأمنية منذ تآكل هامش الأمن النسبي في الدول والمجتمعات وتزايد التهديدات غير التقليدية للأمن.

ومن هذا المنطلق يتناول هذا العدد من ملحق مفاهيم المستقبل موضوع ثقافة الأمن من خلال عدة موضوعات محورية، حيث يتناول الموضوع الأول قضية "الأمننة" محللاً أصولها النظرية والانتقادات التي وجهت لهذا المفهوم وانعكاسات توسع نطاق الأمن والمبالغة في التقديرات الأمنية على المجال العام، ويركز الموضوع الثاني على الاتجاهات النظرية والتطبيقية الصاعدة في دراسة الثقافة الاستراتيجية مركزاً على أركان هذه الثقافة ومصادرها والفاعلين المركزيين المنخرطين في تشكيلها، أما الموضوع الثالث فيركز على مفهوم "الأمن الثقافي" من حيث دلالاته وركائزه والخبرات الدولية لتحقيق المناعة الثقافية و"الأمن الفكري" عبر التصدي للتوجهات والمعتقدات المهددة للاستقرار والأمن.

على مواجهة الدولة لمجموعة تهديدات غير عسكرية تشمل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهو ما أسس لقيام مدرسة كوبنهاجن للأمن التي طرحت مفهوم "الأمننة"، حيث أشار "أول ويفر" إلى أن مفهوم الأمن المجتمعي يرتبط بقدرة المجتمع على الحفاظ على شخصيته الجوهرية في ظل الظروف المتغيرة والتهديدات الممكنة والمحتملة والحالية.

وتمثل الإسهام الأهم لمدرسة كوبنهاجن في طرح نظرية "الأمننة" (Securitization Theory ) والتي تقوم على وصف كيفية تحول قضية معينة قد تكون عادية يتم التعامل معها بصورة طبيعية إلى قضية أمنية تنطوي على إيجاد تهديدات معينة تستدعي التعامل معها بصورة سريعة وطارئة واستثنائية.

وفي هذا السياق، تؤكد مدرسة كوبنهاجن أن الأمن هو "فعل خطابي" (Act of Speech ) يرتبط بالإدراك وتنتج عن عملية اجتماعية لتحديد التهديدات الأكثر خطورة والفاعلين المسؤولين عن تحقيق الأمن واختصاصاتهم، وقد لا يعبر الأمن بالضرورة عن اعتبارات موضوعية، وإنما يستند لإدراك الفاعلين وتعريفهم( للتهديدات الوجودية ،

3( وبمعنى آخر يهيمن الأمن على مختلف تفاعلات العلاقات الدولية، ليس بسبب التهديدات الموضوعية فحسب، وإنما بسبب هيمنة هواجس الأمن على مختلف الفاعلين، ومن ثم يلجأ الفاعلون لتطوير أدوات استثنائية في مواجهة التهديدات تبدأ بالتعامل مع المجال الذي ينبع منه التهديد باعتباره قضية أمنية بغض النظر عن مدى ارتباطه المباشر بالأمن في الواقع( ).

4

ولا ينفصل ذلك عن اعتبار الأمن بناء اجتماعياً يرتبط بالقبول العام للأطروحات التي تسعى لتوسيع نطاق الأمن وامتداد مظلته لتشمل مجالات غير أمنية، وهو ما يتوقف على قدرة الفاعلين على صياغة أطروحات وحجج تلقى القبول العام، سواء في المجتمع أو من جانب الرأي العام العالمي حول خطورة التهديدات غير التقليدية الصاعدة كي تكتسب سياسات الاستثناء الشرعية الناجمة عن حشد التأييد العام للتعامل مع قضية معينة بمنظور أمني بصورة استثنائية باعتبارها منبعاً لتهديدات وجودية غير تقليدية، وتتكون عملية "الأمننة" الناجحة من ثلاثة مكونات، هي: التهديدات الوجودية، وإجراءات الطوارئ والانفلات من القواعد( ).

5

ثانياً: انتقادات روؤى مدر�صة كوبنهاجن حول «المننة»

تعرضت مدرسة كوبنهاجن لانتقادات متعددة بسبب أطروحاتها النظرية حول مفاهيم الأمن و"الأمننة" خاصة من قبل ما يعرف بالمدرسة النقدية في دراسات الأمن؛ وقد تأثرت بالتيار النقدي اليساري الذي أصلت له أعمال جرامشي ومدرسة فرانكفورت، وذاع نقدها للأمننة في سياق التداعيات الخطيرة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية بالولايات المتحدة والاتجاه نحو عسكرة السياسة الخارجية الأمريكية. وتطرح المدرسة النقدية مفهوم "التحرر"(

6 ) )Emancipation) باعتباره بديلاً لفكرة البقاء في تنظير كوبنهاجن، فالأمن متعلق بتحقيق "تحرر" للإنسان من أسباب الخوف والتهديد لا بمجرد البقاء، الذي يرتكز على سياسات القوة وفرض النظام، حيث يرى منظرو مدرسة ويلز وعلى رأسهم كن بوث أن الأمن يتجاوز مفاهيم القوة والنظام إلى تحقيق أمن الفرد من حيث قدرته على الحياة باعتبار أن القوة والنظام هي وسائل لتحقيق أمن الأفراد والجماعات وليسوا غايات في حد ذاتها، ومن ثم يصبح الأمن مرادفاً لتحرير البشر سواء أكانوا أفراداً أو جماعات من كافة المعوقات المادية والإنسانية التي تمنعهم من القيام بسلوك ما بحرية( ).

7 في المقابل تؤكد ريتا فلويد أن "الأمننة" والتحرر ليسا حالتين إيجابيتين وسلبيتين في ذاتهما، إنما يعتمد تقييم كل منهما على التداعيات النابعة من تطبيقهما، ومن ثم ترى فلويد أن "الأمننة" صحيحة أخلاقياً في حال تحققت ثلاثة شروط( ):

8 • إذا كان هناك تهديد موضوعي على نحو يهدد بقاء أحد الفاعلين أو النظام، سواء كان هناك إدراك بهذا أم لا. • أن يكون الكيان المعني بالأمن كياناً يحظى بالشرعية

في ألمانيا نموذجياً لفكرة "الأمننة" المطلقة، وقد استطاعت الأصولية الدينية أن تنشئ دولة على النمط نفسه الذي يتبنى السياسة باعتبارها دفاعاً وجودياً عن الدين يستلزم شن حرب على الآخر، وهو نموذج تنظيم "داعش"، فضلاً عن الاتجاه لضبط وتقويم التفاعلات المجتمعية في دول عديدة في إطار "أمننة" المجال العام.

في المقابل تشير رؤى مختلفة إلى أن "الأمننة" ترتبط بمواجهة تهديدات واقعية نتجت عن التحولات العالمية التي أعقبت نهاية الحرب الباردة وأدت لصعود دور الفاعلين من غير الدول والظواهر العابرة للحدود وافتقاد دول العالم للقدرة على ضبط التهديدات الأمنية الصاعدة مثل تهريب البشر والسلاح والمخدرات أو التهديدات التنموية من قبيل نقص الغذاء وندرة المياه وانتشار الأوبئة والانفجار السكاني.

أما مفهوم "الأمن المجتمعي" (Societal Security ) فيرتبط لدى اتجاهات نظرية أخرى بمواجهة تهديدات واقعية، مثل عمليات التطهير العرقي والاحتقان الطائفي واتجاهات اليمين المتطرف والعداء للأجانب في بعض الدول خاصة في شرق أوروبا والاحتجاجات المعارضة للتكامل الأوروبي في فترة التسعينيات، الأمر ذاته ينطبق على اعتبار الدول الأوروبية الهجرة غير الشرعية تهديداً يتطلب مواجهته بسياسات جماعية في إطار الاتحاد الأوروبي، مما جعل قضايا الهوية المجتمعية والثقافة مركزية في إطار جدليات الأمن غير التقليدي باعتبارها أحد منابع التهديدات.

ويرتبط التحول في مفهوم الأمن بالتغير في تعريف حلف الناتو لدوره العالمي عقب نهاية الحرب الباردة، عبر طرح مفهوم استراتيجي جديد بداية من إعلان روما في عام 1991 مروراً بقمة الحلف في واشنطن عام 1999 وقمة لشبونة عام 2010، حيث أشار المفهوم الاستراتيجي الجديد للحلف لتغير بيئة الأمن وطبيعة التهديدات الأمنية التي باتت تتجاوز العدوان العسكري الخارجي المباشر على إحدى دول الحلف لتشمل الإرهاب وانتشار أسلحة الدمار الشامل والقرصنة وأمن الطاقة والأمن الإلكتروني وتداعيات عدم الاستقرار الإقليمي الناجم عن انتشار نماذج الدول الفاشلة.

وارتبطت هذه الأطروحات بتصاعد الجدل حول الأنماط الصاعدة للصراعات، لاسيما الصراعات الأهلية التي تنشب في ظل تصدع بعض الدول وعدم قدرتها على أداء وظائفها الأساسية وصعود الانتماءات الأولية وانتشار الميليشيات المسلحة والفاعلين المسلحين من غير الدول، بحيث تختلط مظاهر الصراع بأنشطة الحياة اليومية للمواطنين، ويتصاعد العداء بين التكوينات المجتمعية التي تدير الصراع لتحقيق مصالحها في مواجهة كافة الأطراف الأخرى مما يعني أن تحقيق الأمن يتجاوز مواجهة التهديدات الخارجية للتركيز على تحقيق الأمن الداخلي وتسوية بؤر الصراعات المسلحة في دول الجوار باعتبارها خط الدفاع الأول للحفاظ على بقاء الدولة واستقرارها.

وفي المجمل يمكن القول إن مفهوم "الأمننة" يرتبط بالتغير في مفهوم الأمن واتساع نطاقه بحيث أضحى يتجاوز الأبعاد العسكرية التقليدية ليشمل أبعاداً اقتصادية واجتماعية وثقافية وبيئية وسياسية، وهو ما أدى لتصاعد حدة الجدل بين اتجاه يرى في "الأمننة" مبالغة في تضمين الأمن في مختلف المجالات ومصادرة على المساحات المتاحة للتفاعلات غير الأمنية واتجاه آخر يؤكد أن "الأمننة" تعبر عن واقع التهديدات غير التقليدية في ظل العولمة وتماهي الحدود الفاصلة بين الدول وصعود اتجاهات وظواهر عابرة للحدود لا يمكن للدول السيطرة عليها بصورة مفردة.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.