Securitization

تصاعد الجدل حول التوسع في مفهوم الأمن

Trending Events - Future Concepts - - مفاهيم المستقبل باحث علوم سياسية بمكتبة الإسكندرية -

لم تكن رؤية كارل فون كلاوزفيتز حول أن "السلام هو حرب بأدوات أخرى" سوى تعبير عن الصعود الاستثنائي لاتجاهات "الأمننة"، سواء خلال مراحل عدم الاستقرار الداخلي أو الاضطراب الإقليمي والعالمي أو في فترات الاستقرار والأمن والسلام العالمي التي يفترض خلالها أن يتراجع الاهتمام بالأمن في مقابل تصاعد الاهتمام بالاقتصاد، بيد أن مفهوم "الأمننة" (Securitization) الذي طرحته مدرسة كوبنهاجن في الدراسات الأمنية قد أكد على أن الأمن أضحى ضرورة وجودية في ظل تصاعد التهديدات غير التقليدية عالمياً وتغلغل مفهوم الأمن في مختلف التطبيقات والمجالات.

اأولً: الأ�صول النظرية لمفهوم «الأمننة»

ارتبط ظهور مفهوم "الأمننة" في منتصف التسعينيات بتحولات التفاعلات الدولية وتغير طبيعة المخاطر والتهديدات، بحيث لم تعد تقتصر على التهديدات العسكرية، وإنما باتت تشمل أبعاداً بيئية وديموغرافية واقتصادية واجتماعية وسياسية، ومن ثم تمددت مساحة الأمن لتشمل مختلف الأبعاد سالفة الذكر بظهور مفاهيم الأمن البيئي والأمن الاجتماعي وأمن الطاقة والأمن المائي والأمن الثقافي وغيرها من المجالات التي اخترقها الأمن نتيجة لتصاعد وتيرة التهديدات، وترافق ذلك مع اتساع نطاق اختصاصات المؤسسات الأمنية لمواجهة التهديدات المستحدثة، مما أدى لإحداث تحولات هيكلية في مفاهيم السياسة والدولة والمجال العام في مختلف دول العالم، بغض النظر عن الاختلاف في طبيعة النظم السياسية.

وفي هذا الإطار يمكن تصنيف مدرسة كوبنهاجن في منطقة وسط بين النظريات الواقعية الكلاسيكية والواقعية الجديدة والبنائية في العلاقات الدولية( ،( إذ يبدو تأثر

1 المدرسة بالواقعية التي تعتبر الأمن قضية وجودية، إلا أنها أيضاً تستلهم من المدرسة الواقعية الجديدة أن الأمن بناء اجتماعي يتم تأسيسه عبر التواصل بين الدولة والمجتمع، كما يرى منظرو المدرسة أن "الأمن" يتعلق بالبقاء باعتباره – وفق رؤية باري بوذان - القيمة الثابتة المتفق عليها، لاسيما في ظل تصاعد التهديدات الوجودية، وهي من ثم الخط الفاصل بين السياسة والأمن باعتبار الأخير المساحة الواقعة فيما وراء السياسة( ).

2 ويرتبط هذا الاتجاه بإسهام ريتشارد أولمان حول قصور التعريف التقليدي للأمن واقتصاره على النواحي العسكرية، نتيجة السهولة النسبية في بناء توافق سياسي على توظيف الأدوات العسكرية لمواجهة مشكلات الأمن الخارجية مقارنة بالأدوات الأخرى التي تتطلب تخصيصاً أكبر للموارد، ناقداً اقتصار الأمن القومي على التهديدات العسكرية التقليدية، ومن ثم قدم أولمان تعريفاً للأمن غير التقليدي (Non Traditional) Security باعتباره التصدي للتهديدات الجوهرية لجودة حياة المواطنين من خلال مساحة خيارات واسعة لا تقتصر على الأدوات العسكرية.

ووفق هذا التعريف فإن قائمة التهديدات اتسعت لتشمل النقص في المواد الأولية والفيضانات والتغير المناخي والأوبئة، أما باري بوذان فقد أعاد تعريف الأمن في كتابه "الناس والدولة والخوف" الذي نشر عام 1983 بالتأكيد

محمد مسعد العربي

باحث علوم سياسية بمكتبة الإسكندرية

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.