Complicated Wars

لماذا تنشب.. وكيف تدار.. ومتى تنتهي الصراعات المسلحة؟

Trending Events - Future Concepts - - الصفحة الأمامية -

يكاد يكون تاريخ البشرية هو "تاريخ من الحروب" المتواصلة، بل إن تأريخ الحروب يكاد أيضاً أن يكون تاريخ البشرية ذاتها، كما صعود وهبوط الإمبراطوريات والدول العظمى يكاد يكون هو تاريخ الحروب ذاتها.

في إطار ذلك تشكلت "حكمة سائدة" تقول إن "الحرب قد تبدأ بسهولة، لكن يصعب وضع نهاية لها في أحيان كثيرة"، ولذلك، شغلت أسئلة الحرب العالم منذ القدم بعدة أسئلة كانت – ولا تزال، وستبقى – محل اهتمام مفكري العالم، ومنظري علم العلاقات الدولية، ومن أبرزها (لماذا تنشب الحروب؟، وكيف تدار؟، ومتى تنتهي؟).

المفارقة هي أن الحرب، وعلى عكس الحب، فسرتها العديد من أدبيات العلاقات الدولية وعلم إدارة الصراعات، خصوصاً المدرسة الواقعية الكلاسيكية بأنها تعود إلى تلك الطبيعة البشرية الشريرة، وهي طبيعة انعكست على الدولة ذاتها، فالدولة تعيش دائماً في كفاح من أجل القوة وامتلاكها وحفظ بقائها وحماية مصالحها العليا ومواجهة تهديدات البقاء، وسط بيئة فوضوية صراعية لا تعرف كيف تواجه معضلة الأمن سوى بالتوسع أحياناً، بما حملته كلمة التوسع قديماً من نشوب للحروب، وبما تعرفه الآن من تدخلات عسكرية مباشرة أو غير مباشرة.

هكذا كانت الحرب عبر التاريخ البشري ذات طبيعة واحدة تميزت بقدر من الثبات لقرون طويلة، حتى إنه جرت محاولات عديدة من أجل تعريف الحرب منذ القدم، لكن يبقى تعريف "كارل فون كلاوزفيتز" في كتابه "عن الحرب" (On War ) الصادر عام 1832، والذي عرف الحرب على "أنها فعل من أفعال القوة لإجبار العدو على الانصياع لإرادة الطرف القائم بشن الحرب"، هو التعريف الأهم والأبسط والأقرب وضوحاً، ذلك أنه جمع في طياته كافة الأهداف والمستويات التي يستخدم فيها طرف أو أطراف ما القوة لإجبار العدو على الانصياع لإرادة الطرف أو الأطراف التي اتخذت قرار الحرب.

ووفقاً ل " كلاوزفيتز"، تحتوي الحرب على ثلاثة أبعاد أساسية، يتمثل أولها في الكراهية والعداء الشديد، ويرتبط ثانيها بالاحتمالات والفرص السانحة، ويتعلق ثالثها بكونها أداة سياسية توظف لتحقيق أهداف عقلانية محسوبة بدقة يحكمها العقل والمنطق.

وترتبط الكراهية بالشعب أكثر مما ترتبط بالحكومة، أما الاحتمالات والفرص السانحة فترتبط بالجيش وقادته، أما الأهداف المبتغاة من وراء الحرب، فترتبط بالحكومة. ووفقاً لكلاوزفيتز، فإن طبيعة الحرب لا تتغير، أما خصائصها، من حيث أطرافها، وتكتيكاتها وأساليبها، وكذلك كيفية تأقلمهم مع البيئة المحيطة، فهي متغيرة، وتلعب دوراً كبيراً في تحقيق النصر.

بيد أن هذه الطبيعة الشمولية التي توخى كلاوزفيتز تضمينها في تعريفه للحرب ربما كانت تصلح بشكل أكبر في تفسير أنماط الحروب في القرون السابقة على القرن العشرين، وتحديداً حتى الحرب العالمية الثانية، وهل قطعاً لاتزال تصلح لتفسير العديد من الحروب اللاحقة، لكنها بالقطع أيضاً لم تعد تصلح في دراسة كافة أشكال الحروب التي بدأ يعرفها العالم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتحديداً كلما اقتربنا من نهاية القرن العشرين؛ ذلك أن تعريفه تضمن شرط فعل القوة لإجبار العدو على الانصياع لإرادة الطرف الذي يشن الحرب، وهو ما لم يعد يحدث كنتيجة أخيرة ونهائية لبعض الحروب التي شهدها العالم، وتحديداً منذ الحرب الأمريكية في فيتنام والحرب السوفيتية في أفغانستان.

لقد شهد نصف القرن الماضي تغيراً كبيراً في طبيعة الأطراف المتحاربة، حتى ظهرت حروب يختلط فيها فواعل الداخل والخارج، وتتعدد أشكالها، وتختلف أسبابها؛ وهنا برزت الحاجة مجدداً إلى تفسير أسباب نشوب الحروب، لاسيما أن الأنواع الكلاسيكية من الحروب، والتي تتراوح ما بين كونها حروباً بين دول أو حروباً أهلية، لم تعد تصلح لوصف معظم حالات الحروب منذ نهاية الحرب البادرة، إذ برز نوع آخر هو الأكثر تميزاً اليوم، وهو الحرب الأهلية الداخلية التي يجري تدويلها، أي التي تتدخل فيها أطراف ثالثة لحساب أطراف داخلية، وفق حسابات كل طرف.

وإجمالاً لم تصبح بعض الدول تستخدم جيوشاً نظامية ضخمة، وكذا لم تصبح الدولة فقط هي صاحبة قرار الحرب، بل أضحت جماعات صغيرة من الأفراد المتشابهين فكرياً، والذين قد لا يجمعهم تنظيم واضح قادر على اتخاذ قرار خوض الحرب.

وبناءً على ذلك تغيرت طبيعة الخصوم، فالتزامن بين تطور مجالات جديدة للصراع وتغير طبيعة الخصوم يعدان من أهم العوامل التي قادت إلى ظهور أجيال مختلفة من الحروب، كما أن الطبيعة المتغيرة للأهداف أحدثت تحولات مماثلة في أسباب ومجالات الحرب والخصوم من جيل لآخر، فثمة ارتباط ما بين تطور الأهداف وتطور آليات الهزيمة المناظرة، تمتد من الإبادة إلى استنزاف الموارد إلى المناورة إلى استنزاف إرادة الخصم إلى تحقيق الانهيار الداخلي له.

ووفقاً لذلك فإن مفهوم القوة اتسع بصورة كبيرة ليضم أي وسيلة عسكرية أو غير عسكرية، لإجبار الخصم على الخضوع لإرادة خصمه، وإذا ما تم تطبيق هذه الوسائل بنجاح، فإنها من الممكن أن تهزم جيشاً.

ويذهب بعض منظري العلاقات والدراسات الأمنية إلى القول إن التطورات العسكرية منذ نهاية الحرب الباردة، شهدت تطورين أساسيين، وهما: تطور الجيوش النظامية، خاصة في الدول المتقدمة، إذ أصبح يتم نشر وحدات من القوات الخاصة، تستخدم أحدث أساليب التكنولوجيا بدقة بالغة. أما ثاني هذه التطورات، فيتمثل في تصاعد "الحرب اللامتماثلة"، بما تتضمنه من تصاعد دور الميليشيات المسلحة، وهو التطور الذي شهدته الدول النامية بالأساس، والتي باتت تستخدم بصورة متزايدة من قبل الفاعلين المسلحين من دون الدول، بما في ذلك الجماعات الإرهابية، التي باتت تدخل في علاقات منفعية مع شبكات الجريمة المنظمة.

ومن الملحوظ أن الحروب اللامتماثلة تعد هي النمط السائد من الحروب الآن، فقد مثلت الصراعات غير المتماثلة حوالي ثلثي الصراعات حول العالم خلال الحرب الباردة، وقد استمر هذا النمط نفسه، حتى بعد نهايتها، فوفقاً لقاعدة بيانات أبسولا للصراع (uppsala conflict database )، فإن حوالي 76% من الصراعات المسلحة، التي اندلعت ما بين أعوام 1989 و2004، والبالغ عددها حوالي 118 صراعاً، كانت صراعات لامتماثلة.

وعلى الرغم من ذلك، فإن مفهوم الحروب اللامتماثلة من المفاهيم القديمة، وقد اتخذت أسماء مختلفة عبر الثلاثة آلاف سنة الأخيرة، فقد اعتبرها صن تزو (Sun Tzu ) –القائد العسكري الصيني والمحلل الاستراتيجي (551 – 496 ق.م.) – بأنها قمة فن الحرب، ورأى المؤرخ الروماني كورنيليوس تاستيس (Cornelius Tacitus ) بأنها بمنزلة الطريقة البربرية في التمرد، في حين اعتبرها توماس إدوارد لورانس (الملقب بلورانس العرب) بأنها حرب الصحراء، بينما أطلق عليها ماو تسي تونج – مؤسس جمهورية الصين الشعبية – اسم حرب العصابات.

وهناك عدة مرادفات للحروب اللامتماثلة أبرزها مفاهيم التمرد وحرب العصابات والصراعات محدودة العنف (Low intensity)، conflict وحروب الجيل الرابع.

ويمتاز هذا النمط من الحروب بعدد من الخصائص، منها عدم وضوح التفرقة بين المدنيين والعسكريين، إذ يتم استهداف الطرفين؛ وبالتالي ليست هناك حدود واضحة لأرض المعركة، ومن ثم فإن المناطق التي تشهد عمليات مسلحة، تكون غير محددة ومتناثرة، كما أن هدفها ليس هزيمة جيش تقليدي، ولكن استنزاف إرادة الدولة سياسياً أو استهداف جماعات داخلية متمردة أو إرهابية داخلها، وذلك من خلال استدراكها لحرب ممتدة ومكلفة، وبطريقة تقنع الرأي العام في الدول التي تشن الحرب، بأنه ليس هناك أمل في الانتصار.

وهنا، وبالنظر لمجموعة من المتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية، باتت أنماط التدخل العسكري في الصراعات الداخلية من أهم أشكال الحروب في الوقت الراهن، حتى أن الحروب لم تعد في الواقع دولية أو أهلية فقط، بل إن نشأة وتأكد نوع يبقى محل دراسات واسعة من المنظرين والعسكريين، وهي الحرب الداخلية التي يتم تدويلها، كما أن التدخلات العسكرية لم تعد مباشرة فقط، ولكن اتخذت أشكالاً جديدة غير مباشرة، فيما اختلفت أيضاً وسائل إدارة الحروب وطيق نهايتها.

في هذا الإطار، يتناول هذا الملحق مفهوم (الحروب المعقدة)، وذلك بالنظر لما تمر به منطقة الشرق الأوسط من حالة من الفوضوية وانتشار التمردات والصراعات والانقلابات والحروب الداخلية، والتي أدت إلى تصاعد ظاهرة الحرب والتدخلات العسكرية بأشكالها المختلفة.

ويحتوي الملحق على ثلاث مقالات، جاءت الأولى تحت عنوان "أسباب الحروب"، حيث تشير إلى اتجاهات التحول نحو "تدويل" الحروب الداخلية"، والوقوف على أسباب اندلاع الحروب، سواء كانت بين دول أو داخلية، وذلك بالاعتماد على مستويات التحليل المختلفة، وهي الفرد والدولة والنظام الدولي.

وتناقش المقالة الثانية (حروب اللادول)، وانتشار الحروب اللامتماثلة، ولماذا أضحت تقع العديد من الجيوش الكبرى في مأزق أمام إدارة هذا النوع من الحروب، والتي أصبحت هي النمط الشائع في الحروب الآن، خاصة مع تراجع، إن لم يكن انعدام، الحروب النظامية بين الدول.

وأخيراً، تناقش المقالة الثالثة المسارات الأربعة المختلفة لكيفية إنهاء الحروب والصراعات المسلحة، سواءً تلك التي تنشب بين الدول وبعضها البعض، أو تلك التي تنشب بين دول وفاعلين مسلحين من دون الدول، فيما يعرف ب (-Extra .)state war

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.