أسباب الحرب:

لماذا تنشب الصراعات الداخلية والدولية؟

Trending Events - Future Concepts - - مفاهيم المستقبل مدرس مساعد بكلية الاقتصاد والعلوم -

في ظل ما يشهده العالم، خاصة المنطقة العربية، من حروب تختلط ما بين فواعل الداخل والخارج، وتتعدد أشكالها، وتختلف أسبابها؛ تبرز الحاجة إلى تفسير أسباب نشوب الحروب، لاسيما أن الأنواع الكلاسيكية من الحروب، والتي تتراوح ما بين كونها حروباً بين دول أو حروباً أهلية، لم تعد تصلح لوصف معظم حالات الحروب منذ نهاية الحرب البادرة، إذ برز نوع آخر هو الأكثر تميزاً اليوم، وهو الحرب الأهلية الداخلية التي يجري تدويلها، أي التي تتدخل فيها أطراف ثالثة لحساب أطراف داخلية، وفق حسابات كل طرف.

في هذا السياق تتناول هذه الورقة مفهوم الحرب وتصنيفاتها المختلفة، ثم توجز الأسباب المختلفة التي طرحتها مدارس العلاقات الدولية وأدبيات الصراع الدولي في تفسير نشوب الحروب، اعتماداً على ثلاثة مستويات للتحليل هي: الفرد والدولة والنظام الدولي، وتختتم بمناقشة أسباب تدويل الحروب الأهلية أو الحروب الداخلية التي يجري تدويلها، وهي الحالة التي تنطبق بشكل واضح الآن على المنطقة العربية.

اأولاً: مفهوم الحرب وت�صنيفاتها

على الرغم من تعدد تعريفات الحرب، يبقى تعريف كلاوزفيتز، قبل قرنين من الزمان، مناسباً للعصور كافة، حيث عرف الحرب بأنها "استخدام القوة لدفع العدو للامتثال لإرادة الطرف الآخر، ولابد أن تتسم الحرب بالعنف، وتعد امتداداً للدبلوماسية بطريقة أخرى".

وتصنف الحرب بناءً على معايير عدة، من أبرزها معيار طبيعة الفاعلين المنخرطين فيها. فقد ميز مشروع )كل ما يرتبط بالحرب Correlates of War )، والذي اعتمد على دراسات كمية حول الحروب الممتدة من عام 1816 وحتى عام 1997، بين طائفتين من الحروب هما: الحروب الدولية والحروب الأهلية.

وتنقسم الحروب الدولية إلى حروب بين الدول (Interstate War )، وهي الحروب التي تندلع بين دولتين أو أكثر، و(Extra systematic war )، وهي الحروب التي تندلع بين دولة وإقليم أو كيان سياسي غير معترف به كدولة، وذلك مثل حروب الاستعمار وحروب التحرر. وتم النظر إلى الحروب الأهلية التي يتم تدويلها (Internationalized Civil war )، أي تتدخل فيها أطراف خارجية باعتبارها حروباً دولية أيضاً. أما الطائفة الثانية فهي الحروب الأهلية والتي تقع بين الحكومة والمتمردين) (.

1

ثانياً: اأ�صباب اندلاع الحروب بين الدول

تركزت إسهامات علم العلاقات الدولية حتى نهاية الحرب الباردة بالأساس على دراسة أسباب نشوب الحروب بين الدول، بينما ركز حقل السياسة المقارنة على التطورات الداخلية بما في ذلك الثورات والحروب الأهلية. ولكن في أعقاب الحرب الباردة وما تبعها من زيادة معدلات الحروب الأهلية والداخلية، اهتمت بعض أدبيات العلاقات الدولية باختبار إمكانية استخدام النظريات الخاصة بالحروب بين الدول لتفسير الحروب الداخلية( ).

2 وتختلف هذه الأدبيات في كيفية تصنيف أسباب اندلاع الحروب، لكن اتجه الكثير منها إلى مستويات التحليل(level of) analysis على مستوى الفرد وعلى مستوى الدولة،

وعلى مستوى النظام الدولي كمعيار للتصنيف، حيث يساعد ذلك في تحديد العوامل المختلفة لنشوب الحروب في إطار كل نظرية، وهذا ما تتبناه الورقة) .) كما تمثل بعض العوامل

3 أسباباً مباشرة في اندلاع الحروب، بينما توفر بعض العوامل الأخرى البيئة المناسبة التي تساعد في نشوب الحرب، إذا ما توفرت أي من العوامل المباشرة) (.

4 1- على مستوى الفرد: يمكن تقسيم العوامل المؤدية لنشوب الحرب على مستوى الفرد إلى مجموعتين؛ الأولى تتعلق بالخصائص المشتركة بين البشر المرتبطة بطبيعتهم الإنسانية، فوفقاً للمدرسة الواقعية الكلاسيكية، تتميز الطبيعة الإنسانية بالعدوانية والأنانية والسعي نحو القوة والسيطرة على الآخرين، مما يجعل الحرب حتمية.

لكن واجه هذا الاتجاه انتقاد من كينز والتز، مؤسس الواقعية البنائية أو الجديدة، الذي رأى أنه لا يمكن من خلال هذه الطبيعة الإنسانية تفسير التقلب بين الحرب والسلام في العلاقات بين الدول، كما انتقدت المدرسة الليبرالية أيضاً هذا الاتجاه، مفترضة أن الطبيعة الإنسانية الخيرة تفسر قيام الأفراد بالتعاون.

أما المجموعة الثانية، فتفسر الحرب بناءً على المتغيرات المرتبطة بالدوافع الذاتية والخصائص الشخصية والبيئة النفسية للقائد السياسي والتي تؤثر على قرارات السياسة الخارجية للدولة بما في ذلك قرار الحرب. وتتوقف قدرة القائد الفرد في اتخاذ قرار الحرب على قيود نابعة من عوامل دولية وداخلية، لكن تقل هذه القيود في أحيان كثيرة، ويتعاظم دور القائد في اتخاذ القرار؛ مما يجعل الخصائص المرتبطة بمستوى الفرد حاسمة في فهم نشوب الحروب. وعلى سبيل المثال يتعاظم دور القائد في النظم السلطوية، حيث يمتلك سلطة تكاد تكون مطلقة في مجال السياسة الخارجية، وأيضاً في المواقف غير الروتينية والآنية كالأزمات بما تتضمنه من محدودية المعلومات وضيق الوقت اللازم لاتخاذ القرار) (.

5 وحول بعض ما تم طرحه من عوامل لتفسير نشوب الحرب على مستوى الفرد، فقد تنشب الحروب نتيجة سوء الإدراك، ويقصد به عدم قدرة الفرد على إدراك الحقائق الموضوعية، سواءً إدراك قدرات أو نوايا الأعداء والأطراف الثالثة) ،) مثل سوء إدراك صدام حسين لإمكانية تدخل

6 الولايات المتحدة إثر الغزو العراقي للكويت عام 1990.

ويعود اختلاف إدراك القادة للتهديدات الخارجية وللمصلحة القومية في موقف معين إلى اختلاف أنساقهم العقائدية، حيث تؤثر عقائد الفرد في كيفية إدراكه وتفسيره للمعلومات ورؤيته للعدو وللعالم بشكل عام، ويستخدم أسلوب النهج الإجرائي (operational code ) لتحديد العقائد الأكثر تأثيراً في تحديد الحسابات السياسية للقائد السياسي، ويضم النهج الإجرائي عقائد فلسفية تتعلق بطبيعة السياسة والصراع وعقائد أدائية تتعلق بالاستراتيجيات الأمثل لتحقيق الأهداف السياسية) (.

7 وقد قامت إحدى الدراسات بتطوير نهج إجرائي للأزمات، موضحة ثلاثة عوامل بناء عليها تتصاعد الأزمة لتصل إلى حرب وهي: تصور القائد للعدو، ولديناميكيات الأزمة )أي معتقداته حول العمليات التي تؤدي إلى تصعيد الأزمة(، ومعتقداته حول الاستراتيجيات التفاوضية المثلى )أي الميزة النسبية لكل من الاستراتيجيات التفاوضية العنيفة مقارنة بالاستراتيجيات الأكثر استرضاءً() .) وتناولت دراسات أخرى

8 التحيزات المعرفية للقائد السياسي باعتبارها سبباً لنشوب الحرب، فعندما يواجه القائد السياسي معلومات تتعارض مع نسقه العقيدي قد يحدث اختلال معرفي قد يقود للحرب.

وتعد الحرب الأمريكية على العراق عام 2003 من الأمثلة التي تكثر إليها الإشارة عند تناول تأثير المتغيرات المرتبطة بالقائد السياسي في تفسير نشوب الحرب، خاصة في ظل الافتراض بإمكانية اختلاف التعامل الأمريكي مع العراق في ظل وجود رئيس آخر في سدة الحكم غير الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش. 2- على مستوى الدولة: يضم مستوى الدولة عوامل نشوب الحرب المتعلقة بالدولة والمجتمع، ويمكن تصنيف ما تناوله منظرو العلاقات الدولية لتفسير ميل بعض الدول إلى الحرب أكثر من غيرها إلى عدة مجموعات؛ مثل طبيعة النظام السياسي، وطبيعة النظام الاقتصادي، والسمات الديموغرافية والثقافية والجغرافية للدولة، ودرجة عدم الاستقرار في الدولة( ).

9 وفي هذا الإطار يمكن إلقاء الضوء على إسهام كل من المدرسة الليبرالية والماركسية، حيث ترى الأولى أن الحرب ليست نتاجاً للطبيعة الشريرة للبشر وإنما لوجود مؤسسات سيئة تفسد السلوك الإنساني وتغذي الصراعات. لذا تؤثر طبيعة النظام السياسي على سلوك الدول، فتنظر الليبرالية للنظم الديمقراطية باعتبارها سلمية، بينما تنظر إلى النظم السلطوية باعتبارها أكثر ميلاً إلى العدوان والحرب.

وتعد نظرية السلام الديمقراطي إحدى تجليات النظرية الليبرالية، وتقوم على فرضية أن الدول الديمقراطية لا تحارب بعضها البعض ولكن يمكن أن تنشب الحرب بين الدول الديمقراطية والأخرى السلطوية. وتتعدد التفسيرات التي تقدمها النظرية لذلك، ومنها ما يتعلق بالثقافة والمبادئ الديمقراطية ومنها ما يتعلق بالقيود المؤسسية في النظم الديمقراطية( ).

10 واتساقاً مع ذلك، تطرح الليبرالية أسباب أو أهداف شن الحرب، ومن بينها شن الحرب ضد الدول غير الديمقراطية لتحرير الأفراد من الحكم السلطوي وتأسيس نظام يحترم

يعود اختاف إدراك القادة للتهديدات الخارجية وللمصلحة القومية في موقف معن إلى اختاف أنساقهم العقائدية، حيث تؤثر عقائد الفرد في كيفية إدراكه وتفسره للمعلومات ورؤيته للعدو وللعالم بشكل عا م .

حقوق الإنسان. وفي هذا الإطار تأتي المبررات الأمريكية لغزو العراق عام 2003 كرغبة في التخلص من النظام السلطوي وتقديم العراق كنموذج للديمقراطية في المنطقة العربية.

أما مساهمة المدرسة الماركسية، فتتركز في تأثير شكل النظام الاقتصادي على نشوب الحروب، حيث ربطت بين الحروب الإمبريالية والرأسمالية. ووفقاً ل "فلاديمير لينين"، تمثل الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية. وقد فسر ذلك مستنداً إلى ما تعانيه الأنظمة الرأسمالية من فائض في الإنتاج وانخفاض في مستوى الاستهلاك، مما يدفعها إلى شن حروب للسيطرة على أقاليم أجنبية من أجل السيطرة على الأسواق والمواد الخام ومصادر العمالة الرخيصة وغيرها من المكاسب الاقتصادية، فيما ترى النظرية الليبرالية أن النظام الرأسمالي القائم على حرية التجارة يؤدي إلى تعزيز السلام، حيث تضر الحرب بمصالح الاقتصادات الرأسمالية.

وإضافة إلى ما سبق، يربط البعض بين توافر الموارد الطبيعية ونشوب الحرب) .) فوفق الواقعية الكلاسيكية، تمثل

11 الموارد الطبيعة أهدافاً استراتيجية يؤدى التنافس عليها إلى اندلاع الحرب. ويعد النفط من أهم الموارد الطبيعية التي سعت الدراسات إلى تناول علاقاتها بالحرب، سواء حرب بين دول أو حرب داخلية) ،) ومن بين الأمثلة على ذلك

12 النظر للنفط كأحد أسباب الحرب الأمريكية على العراق) (،

13 والحرب الروسية الجورجية عام 2008 (.

(14 3- على مستوى النظام الدولي: اهتمت المدرسة الواقعية بروافدها المختلفة بعوامل الحرب على مستوى النظام الدولي، ويتم الاكتفاء في هذا الصدد بالإشارة إلى فوضى النظام الدولي، ونظرية توازن القوى (Balance of power )، ونظرية تحول القوى (Power ). transition

بالنسبة لعلاقة فوضى النظام الدولي بنشوب الحرب، تتفق روافد المدرسة الواقعية على أن فوضوية النظام الدولي، بمعنى غياب سلطة مركزية في النظام الدولي تستطيع إنفاذ القواعد، تجعل الدول تسعى للقوة وإلى اتباع سلوك عدواني بما يعزز من نشوب الحروب. كما يمكن أن تندلع الحرب حتى لو فضلت الدول السلام على الحرب، حيث تؤدي فوضى النظام الدولي إلى حالة من عدم اليقين والتشكك حول نوايا مختلف الأطراف، فيُنظر إلى جهود الدولة في حماية أمنها من خلال التسلح والتحالفات وغيره باعتباره تهديداً يستوجب الرد؛ مما يؤدي إلى دائرة من الصراع، تصل إلى الحرب، فيما يعرف بالمعضلة الأمنية، حيث يؤدي سعي دولة لتحقيق أمنها إلى تقويض أمن جميع الدول بما فيهم الدولة ذاتها( ).

15 وفيما يتعلق بنظرية توازن القوى، وعلى الرغم من تعدد التفسيرات، فإنها تشترك في مقولة إنه خلال سعي الدول إلى البقاء (الآمن)، فإنها تحاول زيادة قوتها على نحو يمكنها من السيطرة على الآخرين، وذلك من خلال بناء الاعتماد على النفس والتحالف مع الدول الأخرى؛ فالتوازن يؤدي إلى تقليل احتمالات الحرب) ،) أما غياب التوازن فيقود إلى الحرب.

16 وذلك ما يمكن أن يفسر قيام بعض الدول العربية بتشكيل تحالف إقليمي لخوض الحرب ضد الحوثيين في اليمن، نظراً لحالة الخلل في ميزان القوى بين إيران والدول العربية، خاصة السعودية.

وعلى عكس نظرية توازن القوى، تصف نظرية تحول القوى النظام الدولي بالهيراركية، حيث يتميز بتوزيع غير متكافئ للقوة. وتأتي على قمة الهرم القوة السائدة، تليها قوة كبرى قليلة العدد، ثم القوة المتوسطة، ثم تأتي في قاعدة هرم الهيراركية الدول الصغرى. وتعد الدولة السائدة المدافعة عن النظام الدولي القائم، فهي شاركت في تأسيسه أو ورثته وتحصل على الحصة الأكبر من المنافع من بقاء هذا النظام. وهنا تزيد احتمالية الحرب حين تصعد قوى غير راضية عن هذا النظام الدولي القائم بقيادة دولة كبرى، فتعمل على محاولة تغييره حين تكافؤ قوة هذه الدول المتحدية مع قوة الدولة السائدة (Parity(.

وهنا يمكن القول إن هذه النظرية تعتمد على دراسة النظام الدولي وطبيعته بشكل أساسي، لكنها تصلح بالمثل، وربما بشكل أكبر، بدراسة حالة تعدد الحروب على مستوى أقاليم مختلفة بالعالم، حيث تقود محاولات سيادة دولة إقليمية على جيرانها إلى لجوء الدول الأخرى إلى التكافؤ، بما قد يؤدي لنشوب الحروب.

ثالثاً: الحرب الاأهلية التي يتم تدويلها

أصبحت الحروب الأهلية التي يتم تدويلها (Internationalized Civil war )، من أكثر أشكال الحروب في الوقت الراهن، وذلك مع تعقد شبكات الفواعل الدولية المنخرطة في حروب أهلية داخلية، أي تدخل أطراف

خارجية ثالثة في حرب داخلية. وبهذا المعنى تندرج هذه الحروب في إطار أدبيات التدخل الخارجي (External (. Intervention

ووفقاً ل "ساندرا باردو"، يشير مفهوم التدخل ضمنياً إلى "اتخاذ الفاعل الخارجي القرار بالتدخل منفرداً من دون الإشارة إلى دور الأطراف الداخلية في تدويل الحرب الأهلية كسعي أحد الأطراف إلى تكوين تحالفات مع فاعلين دوليين لتقوية موقفه السياسي والعسكري أمام أعدائه الداخليين، حيث تتقابل تفضيلات الأطراف الداخلية مع مصالح الفاعلين الدوليين ومع رغبتهم في التدخل في الحرب الداخلية") (.

17 ولم يعد يقتصر تدخل فاعل خارجي في حرب داخلية على الدول والمنظمات الحكومية الدولية أو الإقليمية، بل بات يتسع ليشمل الفواعل من غير الدول. فعلى سبيل المثال، تمثل الحرب الأهلية السورية نموذجاً لتعقد شبكة الفاعلين المنخرطين، حيث تشمل قوى دولية وإقليمية وفاعلين من غير الدول، مثل حزب الله اللبناني المساند للنظام السوري، وجماعات إرهابية كجبهة النصرة وتنظيم "داعش" وغيرهما.

ويتخذ تدخل أطراف خارجية في الحرب الأهلية شكلين أساسيين، هما التدخل العسكري وغير العسكري) .) وقد يكون التدخل

18 العسكري مباشراً، سواء بشكل انفرادي مثل التدخل الإثيوبي في الصومال -2006( )2009أو جماعي مثل قرار مجلس الأمن الذي سمح بفرض منطقة خطر طيران في ليبيا عام 2011، وكذلك تدخل قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. ويمكن أن يكون التدخل غير مباشر من خلال توفير الدعم العسكري والتسليحي واللوجستي، وهو ما يحدث من دعم روسي وإيراني لنظام بشار الأسد ومن دعم أمريكي وعربي وخليجي للجيش السوري الحر، ومن دعم إيراني للحوثيين في اليمن، ودعم روسي للانفصاليين في شمال أوكرانيا. أما التدخل غير العسكري فقد يكون أيضاً فردياً أو جماعياً، ويشمل طائفة واسعة من الأدوات مثل المساعدات الاقتصادية والعقوبات، مثل حظر تصدير الأسلحة، وتجميد الأصول، وفرض حصار اقتصادي وغيره. ومن أمثلته فرض الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي سلسلة من العقوبات ضد النظام السوري وضد إيران.

وفيما يخص الأسباب الدافعة لجعل حرب أهلية دولية الطابع، فيمكن دراستها على مستوى كل من أسباب الأطراف الداخلية والفاعليين الدوليين )أي الأطراف الثالثة في الحرب(. فداخلياً يسعى كل طرف إلى تدعيم إمكانياته العسكرية والسياسية، مقارنة بإمكانيات الأطراف الأخرى، ولذا قد تلجاً الأطراف الداخلية، سواء الحكومة أو المتمردون، إلى الخارج للحصول على دعم عسكري أو لوجستي لتحسين وضعها العسكري، مقارنة بالأطراف الأخرى المتحاربة، أو الحصول على دعم سياسي لتعزيز شرعيتها الدولية. وهنا تلجأ أطراف الداخل إلى الدول التي تتفق معها في الرؤية والمصلحة، وقد تكون بينهما علاقات تاريخية أو تجمعهما روابط أيديولوجية أو إثنية أو مذهبية) (.

19 وعلى صعيد الفاعلين الدوليين، تبرز أدبيات التدخل الجدل بين العوامل القيمية كالتدخل لاعتبارات إنسانية والعوامل المصلحية كالاعتبارات الأمنية الاستراتيجية والاقتصادية؛ وهو ما يعكس الجدل بين المدرسة الواقعية والمدرسة الليبرالية) (.

20 وقد سعت بعض الدراسات لتجاوز هذا الجدل بالجمع بين الأسباب القيمية والمصلحية.

ومن بين العوامل القيمية وجود أزمة إنسانية حادة، والوعي العام بالأزمة وتغطيتها إعلامياً، وهو ما يبرر "التدخل العسكري الإنساني" في بعض الحالات مثل ليبيا عام 2011، بينما لم تقد هذه العوامل نفسها مثلاً إلى التدخل في حالة سوريا) ،) بما ينقلنا إلى العوامل المصلحية التي 21 تفسر الكثير من حالات التدخل، فهي تشتمل على المصالح الأمنية والجيواستراتيجية، حيث تمثل الدولة موضع التدخل مصدر تهديد للدولة المتدخلة، أو أن انتشار الصراع يهدد وحدة التكامل والاستقرار الإقليمي في منطقة معينة، أو أن التدخل يدعم نفوذ القائم به في منطقة مهمة استراتيجياً.

من ناحية ثانية، تضم العوامل المصلحية كذلك المصالح الاقتصادية كتأمين النفاذ لموارد حيوية، مثل المياه والطاقة، أو وجود أهمية استراتيجية لمنطقة النزاع للتجارة الإقليمية والعالمية أو درجة الاعتماد المتبادل الاقتصادي مع الدولة موضع التدخل.

وتشمل هذه العوامل من ناحية ثالثة المصالح السياسية لصانع القرار، مثل إمكانية توظيف التدخل لدعم موقف صانع القرار في انتخابات قادمة أو إمكانية تشتيت انتباه الرأي العام عن قضايا داخلية.

ومما لا شك فيه أن ثمة قيوداً على الدول المتدخلة أبرزها وجود قوى إقليمية مناوئة للتدخل، وحجم القوة العسكرية للدولة المتدخلة، والقيود المتعلقة بهيكل النظام الدولي وتوزيع القوة فيه) (.

22 في هذا الإطار، تشهد المنطقة العربية بعض الحروب الأهلية المركبة التي تتداخل فيها الأطراف الإقليمية والدولية والفاعلون من غير الدول. وتعد الحرب في سوريا نموذجاً لذلك، فإلى جانب الدعم الروسي والإيراني لنظام الأسد، يلعب حزب الله اللبناني دوراً كبيراً في مواجهة المعارضة

تشهد المنطقة العربية بعض الحروب الأهلية المركبة التي تتداخل فيها الأطراف الإقليمية والدولية والفاعلون من غر الدول. وتعد الحرب في سوريا نموذجاً لذلك، فإلى جانب الدعم الروسي والإيراني لنظام الأسد، يلعب حزب الله اللبناني دوراً كبراً في مواجهة المعارضة المسلحة، كما تدعم دول أخرى المجموعات المعارضة على اختاف مشاربها.

المسلحة، كما تدعم دول أخرى المجموعات المعارضة على اختلاف مشاربها، وهو ما جعل من سوريا حالة مثالية للحرب الداخلية التي يجري تدويلها من فاعلين مختلفين يشملون الدول والجماعات والتنظيمات.

وتقدم اليمن كذلك مثالاً لحالة الحرب الأهلية المركبة، فقد سيطر الحوثيون المدعومون من إيران ومن القوات الموالية للرئيس اليمني السابق على عبداله صالح، على العاصمة اليمنية صنعاء، ووصلوا إلى عدن جنوب اليمن لتعقب الرئيس اليمني الحالي عبد ربه منصور؛ ولذا قامت عدة دولة عربية بقيادة سعودية بالتدخل عسكرياً فيما يعرف بعاصفة الحزم.

وهنا تتعدد الأسباب التي دفعت بالمملكة العربية السعودية إلى التدخل في اليمن. فموقع اليمن على الحدود السعودية جعلها جزءاً من الأمن القومي السعودي. ورأت القيادة السعودية أنه لا يمكن تحمل خسائر استراتيجية عدم التحرك أمام سقوط اليمن في يد الحوثيين المدعومين من قبل إيران، مما يجعل النفوذ الإيراني يتمدد ليصل إلى الحدود السعودية) ،) وهنا تفسر العوامل المصلحية الجيوسياسية

23 أسباب هذا التدخل العربي المشروع لدعم شرعية الرئيس هادي ومنع الانقلاب الحوثي الكامل على الدولة من جانب، والعمل على توازن القوى الإقليمي من جانب آخر.

هايدي عصمت كارس

مدرس مساعد بكلية الاقتصاد والعلوم

السياسية، جامعة القاهرة

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.