حروب “الادول”:

مأزق الجيوش النظامية في إدارة الحروب “الامتماثلة”

Trending Events - Future Concepts - - ؟؟؟؟؟ ؟؟؟؟؟ ؟؟؟؟؟ ؟؟؟؟؟ ؟؟؟؟؟ ؟؟؟؟؟ ؟؟؟؟؟ باحث دكت -

(يبدو أنه لا مكان للحروب النظامية بنمطيها، التقليدي والحديث، في الألفية الجديدة) .. مقولة قد تبدو صحيحة شكلاً، لكنها في حقيقتها زائفة، جوهراً ومضموناً، فصحيح أن العقدين الأخيرين لم يشهدا مثل هذا النوع من الحروب، سواء بين الدول الصغرى وبعضها البعض، أو بين الدول الكبرى وبعضها البعض، وكذلك بين دول كبرى وأخرى صغرى؛ لكن لا يعني هذا أن عصر الحروب والصراعات قد ولى إلى غير رجعة، بحيث يمكن وسم الألفية الثالثة بأنها "زمن اللاحرب"، إلا إذا تم تذييل تلك المقولة بمقولة أخرى مكملة ومتممة مفادها "واللاسلم أيضاً".

وإذا كانت الحروب النظامية قد تراجعت وتيرتها بشكل كبير في السياق الدولي والإقليمي، إلى حد يكاد يقترب من الانعدام، فإن ذلك التراجع إنما جاء ببساطة على حساب تزايد أنماط من الصراعات والأزمات الدولية التي دشنت أنماطاً مستحدثة من الحروب، تختلف في جوهرها وماهيتها وأطرافها وطرق إدارتها بشكل جذري عن نمط الحروب النظامية التي خبرها البشر، دولاً وشعوباً، منذ قديم الأزل، والتي كانت تتطور من حيث الأدوات والوسائل، لكن يبقى جوهرها الصراعي التنافسي واحداً على مر العصور.

وبشكل عام، ثمة أربعة دوافع حدت بالدول، سواء بصبغتها التاريخية الإمبراطورية أو بصبغتها الحديثة القومية، إلى اللجوء للحرب، تمثلت في: (الخوف، والمصلحة، والمكانة، والانتقام)، لذا يمكن الإجابة عن تساؤلات بشأن السببية، من قبيل: لماذا تندلع الحروب؟ ولماذا تنشأ الصراعات المسلحة؟.

لكن الإجابة عن تساؤلات الكيفية، من قبيل: كيف تدار الحرب؟ وكيف تكسب الحرب؟ تبدو بالغة الصعوبة، خاصة في ظل تعقيدات مشهد الفاعلين على مسرح العمليات الدولية، والذي، لم تعد فيه الدولة الممثل أو اللاعب الوحيد، حيث بات الفاعلون من غير الدول (Non State Actors ) يشكلون الممثل واللاعب الأبرز في رسم خريطة وأنماط التفاعلات الدولية؛ التعاونية والصراعية، على حد سواء، أضف إلى ذلك المحدد العلمي – التقني، ببعديه الاتصالاتي والمعلوماتي، والذي اختصر نطاقات الزمان، وقيد سياقات المكان، بشكل غير مسبوق في تاريخ البشرية.

اأولاً: حروب اللادول.. ماأزق الجيو�ش النظامية

لم تعد الحرب، إذن، تلاقي جيشين نظاميين أو عدة جيوش متحالفة بين فريقين على طرفي نقيض، في ساحة حرب معروفة ومحددة سلفاً، سواء أُدِيرَت بالنمط التقليدي المعتمد على النسق "النابوليوني"، القائم على التعداد البشري المنتظم في خطوط (Column Formation )، أو أُدِيرَت استناداً إلى تفوق القوة التدميرية للذخائر، جنباً إلى جنب مع التعداد البشري، وفقاً لمقولة (المدفعية للغزو، وقوة المشاة للاحتلال)، التي أطلقت عقب معركة فردون (Verdun) في عام 1916، إبان الحرب العالمية الأولى، أو أُدِيرَت على غرار استراتيجية حملات ال"الحرب الخاطفة" (Blitzkreig) الألمانية، خلال الحرب العالمية الثانية، والقائمة على المناورة أكثر من القوة البحتة، حيث كانت الجيوش فيها تتسلل لتجاوز العدو وتدمره من الخلف، بدلاً من الهجوم الأمامي التقليدي المعتاد، وذلك عن طريق شن قوات المشاة

هجوماً كثيفاً بالعدة والعتاد، مع دعم جوي ملازم، يتيح لها اختراق صفوف العدو بهجمات قوية خاطفة، ثم الالتفاف عليه لتشتيت جموعه ودحره تماماً) (.

1 ومع تطور التفاعلات الدولية، باتت الجيوش النظامية متورطة في حروب أكثر تعقيداً وتشابكاً، لا مع جيوش دول أو أحلاف، ولكن مع جيوش غير منظورة من الفاعلين من دون الدولة"، اتساقاً مع بروز ظاهرة مزاحمة نمط هؤلاء الفاعلين لنمط الدولة القومية (Nation State ) بقوة في العلاقات الدولية، منذ منتصف القرن العشرين، وصولاً إلى العقد الثاني من الألفية الثالثة، وفقاً لموجتين رئيستين من هذا النمط، أولاهما؛ "فوق دولي"، وثانيتهما "تحت دولي".

الموجة الأولى من الفاعلين من غير الدول، توصف بأنها "فوق دولية"، مثل المنظمات الدولية والشركات المتعددة الجنسية، والتي أحدثت تغيرات بنيوية في طبيعة النظام العالمي والتفاعلات الدولية، لاسيما مع انكشاف مفهوم سيادة الدولة، فيما برزت الموجة الثانية من أولئك الفاعلين بنمطها "تحت الدولي" متخذة طابع "العنف"، مع نهايات القرن العشرين، لاسيما بعد انتهاء حقبة الحرب الباردة، وبدايات الألفية الجديدة، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، لتشغل حيزاً كبيراً على الساحة الدولية، وقضايا السلم والأمن الدوليين، وذلك مثل تنظيم القاعدة، وتنظيم "داعش"، والحوثيين في اليمن، والتنظيمات الراديكالية المسلحة ذات الهوية الأيديولوجية، وغيرها، في مناطق الشرق الأوسط، وجنوب شرق آسيا، والقرن الأفريقي، وأفريقيا جنوب الصحراء، وأمريكا اللاتينية، وآسيا الوسطى.

وإذا كانت الموجة الأولى "ما فوق الدول" ذات طبيعة "اختراقية تساومية" للدولة، لأن تأثيرها أضعف سلطة الدولة على إقليمها الجغرافي بسبب مزاحمتها الدولة في ممارسة الوظائف المنوطة بها، والتي طالما ظلت حكراً عليها؛ فإن الموجة الثانية من هذا النمط من الفاعلين "ما تحت الدول" تلعب دورها في إطار ما يمكن تسميته ب"الاختراق الموازي"، بمعنى أن هؤلاء الفاعلين الجدد لا ينافسون الدولة على وظائفها الاحتكارية فحسب، بل يشكلون قوة "موازية"، تفرض قوانينها الخاصة في بعض الأحيان لتصبح دولة داخل الدولة، أو تتمدد لتلتهم الدولة ذاتها وتحل محلها) (.

2 وبهذا أصبح التحدي الأبرز الذي تواجهه الدول وجيوشها النظامية محاربة هذا النمط من الفاعلين العنيفين من غير الدول، والذين يمكن تعريفهم إجرائياً بأنهم نمط، "تحت دولي"، من الفاعلين المسلحين، قادرين على استخدام العنف لتحقيق أهدافهم، سواء استخدموا العنف بالفعل أو امتلكوا أدواته فحسب كعامل ردع، وليسوا منخرطين بشكل رسمي في أي من مؤسسات الدولة التي تحتكر أدوات القوة المسلحة، مثل الجيش والشرطة وغيرها من القوات الخاصة أو شبه الخاصة الأخرى") .) كما أنهم يشتركون في عدد

3 من السمات المميزة، وأهمها؛ امتلاك أهداف ودوافع حركية، والاستقلال التام في مصادر التمويل عن الحكومة المركزية التي يعملون على أرضها، وامتلاك موارد خاصة بهم، واتسامهم بهوية متميزة وبسياسة مستقلة عن سياسات الدولة التي ينتمون إليها جغرافياً، ولهم إطار تنظيمي محدد، هرمي أو عنقودي، محلي، أو عابر للحدود، ويؤدون وظائف بديلة عن الحكومة المركزية في بعض أو جل إقليم الدولة( ).

4 ويشمل نمط الفاعلين العنيفين من غير الدول طيفاً واسعاً من المجموعات والأنماط الفرعية المندرجة تحت تلك المظلة الجامعة، لعل أهمها: أمراء الحرب، وزعماء العشائر والقبائل، والحركات المتمردة، والتنظيمات الإرهابية، والمرتزقة، وعصابات الجريمة المنظمة، وشركات الأمن الخاصة( ،( ويضم إليهم البعض الحركات ذات التوجهات

5 الإسلامية) ،) باعتبارها ذات قابلية عقدية مهيأة لتوظيف

6 العنف والقتال في سياقات دينية، في حين يضم آخرون الفاعلين الدينيين، أو من يوصفون بذوي الهويات الدينية المتمايزة( ).

7

ثانياً: الحرب في م�صارح عمليات مفتوحة

الحرب مع اللادول، إذن، هي حرب لا متماثلة (Asymmetrical War )، لا تتقيد بمسرح عملياتي محدد، تتمايز فيه القوات المتقاتلة، كما هي الحال في نمط الحروب النظامية (Systemic Wars )، ولا مجال فيها للصراع المتكافئ أو صراع الند للند (peer-to-peer conflict )، ويستخدم كل طرف أسلحة غير متماثلة، وقد لا تكون هناك علاقة بين الفعل ورد الفعل فيها، كما أن الخطط المستخدمة فيها غالباً ما تكون خارج نطاق التصور، ويحكمها تفكير أقرب إلى نمط الهذيان والجنون، إذ لا يوجد تقيد بمبادئ الحرب، العسكرية منها والقانونية، وإنما بأفكار تنتج عن مصادفات يتم تحويلها لخطط مدروسة، وتحيط بعملياتها أقصى درجات المخاطرة، ويتم كل شيء في سرية شديدة، ويختلط فيها ما هو مادي بما هو معنوي، كما يتمتع العدو في هذا النوع من الحروب بإرادة قوية، وتنظيم حديدي، وصبر شديد، وروح قتالية عالية، وقدرات رفيعة تجعل أهدافه ممكنة التحقيق، حتى لو بدت في ظاهرها وكأنها ضرب من الجنون( ).

8 في سياق كهذا، يبدو أن تحقيق النصر العسكري أو الحسم بمعناه الاستراتيجي، المتمثل في تدمير العدو وضرب مراكز قوته العسكرية والاقتصادية، وبنيته الاتصالية واللوجيستية، وإجباره على تبني مواقف واتخاذ قرارات كان يرفضها قبل الحرب، يبدو أمراً غير منطقي، لاعتبارات تتعلق بطبيعة الحروب غير المتماثلة، حيث إن العدو فيها ليس جيشاً نظامياً وليس دولة، بل هو مجرد تنظيم أو طائفة أو عشيرة أو ميليشيات مسلحة، يقيّم نجاحه في حربه ضد الدول والجيوش النظامية بمفهوم آخر غير الحسم العسكري، ليشمل مفردات الحسم السياسي أو العقائدي أو الأيديولوجي أو الإثني، ونحو ذلك.

نظرياً، ثمة ثلاثة مستويات للحرب يمكن أن تضطلع بها

الجيوش النظامية في معركتها ضد الفاعلين المسلحين من غير الدول، بمختلف أنماطهم وتفريعاتهم التنظيمية والفكرية والحركية، وهي:

الأول: المستوى الاستراتيجي الشامل، وهو مستوى طويل المدى، لا يقل عن عدة أشهر، وقد يمتد لسنوات، وتشترك فيه القوات المسلحة بأفرعها المختلفة، ويتم حشد موارد الدولة لخوض حرب شاملة ضد خطر يهدد أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية العليا، وتستخدم فيها كافة وسائل وأدوات الحرب، من قوة مسلحة ودعم سياسي، وخطاب دبلوماسي مدافع عن الموقف العسكري، بالإضافة إلى خطاب إعلامي مبرر للحرب وكاشف لأسبابها.

الثاني: المستوى العملياتي التعبوي، وهو أقل من حيث المدى الزمني من سابقه، فلا يستغرق مداه الزمني أكثر من عدة أسابيع، وقد يصل إلى عدة أشهر. ويمكن التعبير عنه بأنه عملية عسكرية أو موقعة لها مسرح محدد لتحقيق أهداف جزئية معينة تقوم به بعض جيوش أو فيالق القوات المسلحة.

الثالث: المستوى التكتيكي، وهو مستوى قصير المدى، يمتد من دقائق إلى عدة أيام، وتضطلع فيه بعض فرق أو ألوية القوات المسلحة بمهام محددة ذات أهداف تكتيكية في منطقة معينة( ).

9 وعلى الصعيد الميداني، تبدو خيار الحرب الشاملة بالمفهوم العسكري، ضد فاعل "دون الدولة"، يتماهى داخل إطار جغرافي وإقليمي لدولة ما، أمراً يجافي جوهر الحرب وفلسفة القتال النظامي، لأنها تعتبر في التحليل الأخير بمنزلة غزو أو احتلال عسكري لدولة أخرى ذات سيادة، في وقت بات فيه هذا النمط من التدخل العسكري المباشر يحتاج إلى نوع من التفويض الدولي من قبل مجلس الأمن والأمم المتحدة، وفقاً لتعقيدات سياسية وقانونية لا تخفى، لاسيما في ظل التوظيف السياسي لقضايا السلم والأمن الدوليين من قبل الأعضاء الخمسة دائمي العضوية في مجلس الأمن، والذين يمتلكون حق النقض "الفيتو"، ويستخدمونه بالأساس للحفاظ على مصالحهم الاستراتيجية العليا.

من هنا يبقى المستويان، العملياتي والتكتيكي، خيارين متاحين يمكن من خلالهما مجابهة تهديدات الفاعلين العنيفين من غير الدول، سواء كانت لهم امتدادت إقليمية أو منحصرين في سياق إقليمي محدد.

ثالثاً: الخيارات معقدة والخبرات م�صللة

تبدو القوات الجوية ذائعة الشهرة في توهم حسم الحروب، لاسيما الصغيرة، العملياتية منها والتكتيكية، منذ نهايات القرن العشرين وحتى اليوم، فمن حرب تحرير الكويت عام 1991 إلى حربي الناتو ضد الصرب في البوسنة عام 1995، وكوسوفو عام 1999، وصولاً إلى غزو أفغانستان عام 2001، ثم احتلال العراق عام 2003؛ تولدت قناعة لدى القادة العسكريين في الغرب أن حروب المستقبل سيحسمها سلاح الجو من دون شك. والواقع أن هناك الكثير من الأدلة تذهب إلى أن ثمة مبالغات في تقدير النجاحات التي حققتها القوات الأمريكية وقوات التحالف الدولي وقوات الناتو في الحروب السالفة، تدعمها هالة إعلامية زائفة تزيد من عدم قدرة قيادات عسكرية غربية رفيعة على الاعتراف بهذه الحقيقة التي تبدو صادمة( ).

10 1 حالات الحرب النظامية: من بين الحالات السابقة كانت هناك حالات حروب نظامية، جيوش تحارب جيشاً، حتى وإن لم يكن توازن القوى في تلك الحروب بين الأطراف المتقاتلة متحققاً، ومع ذلك لم تخل من انتقادات بشأن إدارتها عسكرياً وما أنجزته من أهداف استراتيجية على الأرض، بعيداً عن التقديرات السياسية الخاصة بالحكم على تلك العمليات العسكرية بالنجاح أو الفشل فيما شُنت من أجله.

في حرب تحرير الكويت، تبدو نجاحات القوات الجوية بل وكافة الأفرع الأخرى المشاركة في تلك الحرب غير قابلة للتكرار في واقع الأمر، فهي "حرب المرة الواحدة"، إن جاز التعبير، وتمت وفقاً لأجواء مثالية ربما لن تحدث ثانية، لاعتبارات تتعلق بالظرف السياسي، الإقليمي والدولي، الذي أقدم فيه الجيش العراقي على غزو الكويت، ومستوى الإعداد العملياتي للمعركة، ووجود تحالف دولي غير مسبوق، وقيادة عسكرية على أعلى مستوى من الحنكة والإدارة، وهي المعركة التي كان لا بد لها أن تنجح، لتدشن فعلياً لحقبة القطب الأمريكي الأوحد في النظام الدولي بعد تفكك الاتحاد السوفييتي( ).

11 وفي حرب البوسنة، جاءت مشاركة طائرات الناتو وفقاً لنموذج الحملات الجوية التي ضخمت تغطية الإعلام من دورها، في حين أغفلت الدور الأكبر على أرض المعارك للقوات البرية البوسنية الكرواتية المشتركة، وكذلك الحال في حرب كوسوفو التي زعم خلالها وزير الدفاع الأمريكي،

آنذاك، وليام كوهين، أن الضربات الجوية أصابت القوات المسلحة الصربية بالعجز، وأنها استطاعت تدمير أكثر من 50% من المدفعية الصربية وثلث عرباتها المدرعة، في حين أن التقرير النهائي الذي أعده خبراء عسكريون رفيعو المستوى من الولايات المتحدة ودول حلف الناتو بعد انتهاء العمليات العسكرية، كشف عدم دقة هذه التقديرات ومبالغتها في تضخيم أرقام خسائر القوات الصربية، وهذا يعني إما أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية والأوروبية أخطات في تقديراتها للنتائج العسكرية للمعارك، أو أن تكون تلك التقديرات صحيحة بالفعل لكن القوات الصربية نجحت، وفي وقت قصير جداً في إزالة خسائرها على الأرض وأخفتها من دون أن تلحظها أجهزة الاستخبارات والأقمار الصناعية الأمريكية والغربية، والتي سبق أن زعمت التقاطها صوراً لآلاف المعدات الصربية المدمرة، وهذا يبدو أمراً مستحيل الحدوث( ).

12 2 حالة الحروب اللامتماثلة: تأتي حالة الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وحلفاؤها على تنظيم القاعدة ونظام طالبان في أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر عام 2001، خلافاً للحالات الأخرى سالفة الذكر، باعتبارها نمطاً من الحرب غير المتماثلة، حيث استمرت تلك الحملة لأسابيع قليلة، نجحت خلالها واشنطن في كسر سلطة طالبان وإجبار مقاتلي القاعدة على التراجع إلى معاقلهم الجبلية على الحدود بين أفغانستان وباكستان. وصورت القيادة العسكرية الأمريكية تلك الحملة باعتبارها طريقة جديدة في الحرب يمكن من خلالها لواشطن أن تهزم أعداءها بأقل حد من التدخل البري، اعتماداً على حلفاء محليين، وبدعم وغطاء جوي أمريكي، في إطار ما عرف حينها ب"النموذج الأفغاني"( ).

13 بيد أن هذا النموذج الذي جاء في إطار سياسي معقد ناتج مباشرة عن صدمة 11 سبتمبر، ووسط أجواء إعلامية ثأرية ومحفزة لتدشين حقبة الحرب الأمريكية الكونية على الإرهاب، وفقاً لرؤية جورج بوش الابن والمحافظين الجدد، قد تعرض لانتقادات كبيرة بعد ذلك، من باحثين أمريكيين ذوي خلفية عسكرية، نظراً لأن سقوط نظام طالبان لم توازه نهاية حلفائه من مقاتلي القاعدة، والذين نجحوا في امتصاص الصدمة الأولى، والتمركز في معاقلهم الجبلية الحصينة، بل ولايزالون يقاتلون ويحرزون تقدماً على الأرض في قتالهم ضد حلفاء واشنطن المحليين في كابول؛ ومن ثم فإن الزعم بأن الجيش الأمريكي قد نجح في القضاء على خطر طالبان والقاعدة بأدنى حد من التدخل البري لهو محض مبالغة لم تخل من اعتبارات سياسية لافتة، كما أن الحالة الأفغانية ذاتها جاءت في سياق تحالف دولي عريض ربما لن يكون حاضراً في الحروب القادمة) (.

14

رابعاً: الحروب �صد الفاعلين من دون الدول

بناءً على ما سبق، قد يرى البعض على الصعيد العسكري أن سياقات الحروب مع فاعلين من غير الدول يتطلب، إلى جانب العمليات الجوية، تدخلاً برياً، سواء بشكله الشامل أو في صورة عمليات نوعية تضطلع بها قوات خاصة، لإنجاز مهام محددة، في إطار استراتيجية كلية لتشتيت العدو ودحر بنيته القتالية والاتصالية واللوجستية.

وهنا ثمة اتجاهات تعتقد أن الدفع بقوات برية متوسطة العدد، لا تقل عن 10 آلاف جندي ولا تزيد على 25 ألف جندي، من قبل الولايات المتحدة الأمريكية للقضاء على تنظيم "داعش" سيكون مفيداً لدعم النجاحات التي تحققها العمليات الجوية من ناحية، ودعم الحلفاء المحليين في قتالهم ضد التنظيم والقضاء على نقاط تمركزه وتجفيف مصادر قوته اللوجستية والتسليحية من ناحية أخرى، وتشجيع حلفاء واشطن لأن يحذوا حذوها، فيرسلون قوات براية كذلك، ومن ثم تصبح هزيمة "داعش" والقضاء عليه مسألة وقت فحسب.

بالمقابل، ثمة من يرفضون هذا الطرح، معتقدين أن التورط برياً في قتال التنظيمات المسلحة، مثل "داعش" في مسرح عملياتي مدني يقوم بالأساس على نمط حرب العصابات، سيكون مخاطرة ذات تكلفة عالية، لأن هذا بالضبط ما تريده مثل هذه التنظيمات لتوريط القوى النظامية في حروب لا تجيدها، ويكون المدنيون هم أول من يكتوي بنارها، وإدارة الأمر إعلامياً كأنها حرب ضد الإسلام تشنها القوى الكبرى، في سياق صراع الحضارات والأديان، وفقاً للتنظيرات الغربية الذائعة بهذا الشأن) (.

15 ولعل خبرة التدخل الأمريكي في الصومال مطلع التسعينيات من القرن الماضي، ترجح الاتجاه الرافض للتدخل البري في حروب الفاعلين من غير الدول، فحينما هبطت قوات المارينز الأمريكية إلى أرض ميناء مقديشيو في ديسمبر 1992 لتقود قوات التحالف الدولي، تحت مظلة الأمم المتحدة في عملية أطلق عليها، آنذاك، اسم "استعادة الأمل"، ساد الرأي العام العالمي، والأمريكي خاصة، اعتقاد بسرعة وسهولة تحقيق أهداف هذه العملية، والتي تمثلت في تأمين وصول المساعدات الإنسانية الدولية لشعب الصومال الذي أنهكته المجاعة والجفاف والحروب الأهلية الدموية، وإنهاء القتال بين أمراء الحرب في هذا البلد، وإعادة الاستقرار لضمان نجاح العملية السياسية عبر حوار وطني. وتوقع كثيرون أن تكون هذه العملية نسخة من عملية عاصفة الصحراء في يناير 1991 (.

(16 بيد أن الرياح الصومالية جاءت عكسية تماماً، فسرعان

إن سياقات الحروب مع فاعلن من غر الدول تتطلب، إلى جانب العمليات الجوية، تدخاً برياً، سواء بشكله الشامل أو في صورة عمليات نوعية تضطلع بها قوات خاصة، لإنجاز مهام محددة، في إطار اسراتيجية كلية لتشتيت العدو ودحر بنيته القتالية والاتصالية واللوجستية.

ما تكبدت القوات الأمريكية خسائر ميدانية وبشرية كبيرة على يد مقاتلي الجنرال محمد فارح عيديد، قبل أن تأتي عملية مقتل 18 جندياً أمريكياً( وإصابة العشرات دفعة

17) واحدة) ،) وإسقاط مروحيتين، في أكتوبر عام 1993، لتدفع

18 القيادة الأمريكية إلى اتخاذ قرارها بالانسحاب من الصومال مطلع عام 1994، لاسيما مع تزايد حدة الغضب في أوساط الرأي العام الأمريكي الذي فزع مما تناقلته وسائل الأمريكية والعالمية، وقتها، من مشاهد مروعة لسحل جثث الجنود القتلى في شوارع مقديشيو، فانسحبت القوات الأمريكية من المستنقع الصومالي الذي أعاد للأذهان عقدة فيتنام التاريخية.

خلاصة ما سبق أن حروب الألفية الجديدة باتت من نوع جديد، يستعصي على الاستراتيجيات والعمليات والتكتيكات العسكرية المعهودة، قديمها وحديثها، وأن مسألة البحث عن كيفية إدارة الحروب وكيفية حسمها، ينبغي أن تضع في حسبانها نوعية العدو باعتباره فاعلاً آخر يختلف عن الدولة القومية، الفاعل الرئيس، الذي تصدر مشهد العلاقات الدولية لعقود طويلة خلت؛ ومن ثم فإن الاستغراق في مناقشة الجوانب الأدواتية الأنسب لإدارة ذلك النوع من الحروب، على أهميته، لابد أن يكون في إطار استراتيجية أوسع مجالاً، تشتمل أول ما تشتمل على سيناريوهات احتواء حواضن هذا النمط من الفاعلين، من دون الدولة، وتجفيف المنابع السياسية والاقتصادية والاجتماعية لنشأته وازدهاره في تلك الحواضن. إنه الحسم الصعب الذي تسعى الدول القومية وجيوشها النظامية إلى تحقيقه في حروبها اللامتماثلة ضد طيف واسع من هؤلاء الفاعلين العنيفين. وحينما تتوهم الدول والجيوش امتلاكها للقدرات العسكرية والتكنولوجية الفائقة اللازمة لكسب تلك الحروب وتحقيق الحسم المبتغى منها، فقد تجد نفسها متورطة في أتونها بشكل أكبر، بما يزيد الأمر تعقيداً، لأن الحسم الحقيقي لايزال غائباً من المنظور العسكري، وربما لن يأتي على المستوى المنظور، طالما بقي قرار إشعال تلك الحروب بيد قوى كامنة في خلفية المشهد الرسمي الظاهر للعيان، تتحكم في توجيه دفة تفاعلاته وسيناريوهاته المحتملة عبر فواعل الداخل ومن يطلق عليهم "الوكلاء المحليون".

مصطفى شفيق عام

باحث دكتوراه في العلوم السياسية،

جامعة القاهرة

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.