Realpolitik

الأهمية التحليلية لإطار ”السياسة الواقعية“

Trending Events - Future Concepts - - الصفحة الأمامية -

إن إحدى المقولات التي بلغت من صحتها حداً لا تحتاج معه إلى دليل أو برهان، وهي أقرب لأن تكون قانوناً بشرياً أزلياً لم، ولن يتغير، هو أن السياسات الواقعية تقوم على المصلحة والقوة. يسري ذلك على البشر في سلوكياتهم وحياتهم، مع استثناءات نادرة، ولكنه يسري على الدول والفاعلين الآخرين في السياسات العالمية دون استثناءات، وإن حدثت، فهي لا تدخل ربما سوى في باب الخيانة أو سوء التقدير الشديد الذي يصل درجة البكم والعمى. منذ الحرب الأشهر في التاريخ القديم، حرب البلوبينيز، بين أثينا وإسبرطة، وحتى اليوم، وإلى ما لا نهاية؛ مثلت المصلحة الوطنية، كما يراها القادة وصانعو القرار وإجماع الشعب، وسواءً تحققت أم لا، المدخل الواقعي في السياسات الدولية، ويتبع أي مصلحة قوة تعمل على تحقيقها، وتوازن ما للقوى مع الفاعلين الآخرين، قد يتم عبر الاعتماد على الذات أو من خال تكوين التحالفات والتحالفات المضادة. وتفيد دروس التاريخ العديدة، كما سجلها المؤرخون والمنظرون والكتاب، بعدة ماحظات في هذا الشأن، أهمها: 1- لا توجد في السياسة صداقات دائمة ولا عداوات دائمة، ولكن توجد مصالح دائمة... عبارة شهيرة خرجت عقب الحرب العالمية الثانية من قادة أكبر إمبراطورية استعمارية في التاريخ، بريطانيا، لكنها كانت تؤشر إلى حقب جديدة من العاقات الدولية؛ فلن تبقى ألمانيا وفرنسا عدوتان للأبد، ولن تحارب بعضها البعض كما جرى على مدار تاريخ طويل. فقد تحولت العداوات إلى صداقات أو شبه صداقات، ونشأت أطر دولية جديدة رسخت اتحاداً أوروبياً مختلفاً بعد أن زالت منذ الحرب العالمية الأولى وحتى نهاية الحرب الثانية، دول وإمبراطوريات.

لا توجد سوى المصالح الدائمة، وحولها يدور نمط صاعد أو هابط من الصداقة والعداء، حتى بلغت اللغة درجة من الحيرة في الجمع بين متناقضات سياسية واقعية، لتظهر مصطلحات مثل "الأعدقاء" (الأصدقاء الأعداء)، أو مقولة (الحلفاء الخصوم).

يسري ذلك على دول لم يكن يتصور أحد منذ ثاثة قرون مثاً أن يكون بينها أسس للتعاون المشترك، مثل الولايات المتحدة والصين، والهند وباكستان، كما أنه يسري على دول أخرى بلغت حداً من العداء القائم على ما تعتبره المصلحة الوطنية في أن تستفز دول إقليم بكاملها بأقاويل محورها أنها تسيطر على دول عدة في منطقة الشرق الأوسط؛ لتكون المصلحة الوطنية، والتي أولها البقاء، هي المحرك لنوع من "تحالفات الراغبين" من أجل تحقيق المصلحة الوطنية و"العربية"، ضد محاولات الإخال بتوازنات القوة في إقليم مضطرب، ما يحدث في إحدى دوله ويصيب أمنها ووحدتها، يصيب بشكل ما سائر الدول المنضوية تحت لواء هذا الإقليم.

المصلحة الوطنية، مع أنها مفهوم مطاط قد تندرج تحته آلاف الأهداف، هي في أدنى تصوراتها تحقيق الحد الازم لبقاء الدولة ومواجهة أي تهديدات لكيانها كدولة؛ تحكمها سياسات واقعية، لا مثالية أو مجازية أو افتراضية، بما يجعل معايير السياسة والأمن تتقدم على سائر الاعتبارات الأخرى، الاقتصادية والاجتماعية، لدى الحفاظ على هذا الكيان أو الدفاع عنه.

أما في أقصى تصورات له، فإن مفهوم المصلحة الوطنية قد تندرج في إطاره أسس ومبادئ التدخل والهجوم والتوسع، وهي تلك النظرية التي فسرت إلى حد كبير الاستعمار في العصر الحديث، إذ ليس المهم قوة الدولة، بل المهم القوة القومية التي تسمح لبعض القادة بالتوسع في أهداف المصلحة الوطنية، وفق عوامل داخلية عديدة تؤدي إلى التوسع الخارجي، حيث يرى فريد زكريا، على سبيل المثال، أن الولايات المتحدة بدأت في التوسع في سياساتها الخارجية في الفترة ما بين أعوام 1865 و1908 عندما ازدادت كل من قوة الحكومة الفيدرالية والقدرة الاقتصادية والسكانية للولايات المتحدة.

ومع ذلك يبقى الثابت تطبيقياً وواقعياً، وبعيداً عن الأهداف الضيقة أو المتسعة للمصلحة القومية، أن كل مصلحة وطنية لابد أن تقوم على مفهوم أساسي هو "قوة السياسة القومية" التي تتمثل في "قدرة الدول على تعبئة مواطنيها ومصادر قوتها العسكرية لتحقيق طموحات الأمن القومي"..

وهذا ما ينقلنا إلى الماحظة الثانية. 2- القوة هي عُملة العلاقات الدولية... فعلى قدر ما لدى الشخص من عملة "نقود"، يمكنه شراء أشياء مختلفة بمقدارها فقط، ويتفاوت الناس فيما بحوزتهم من أموال قابلة للصرف إن شاؤوا. وقوة الدول – وفق هذه المقولة الأشد واقعية – لا تقاس فقط بما لديها من موارد ومصادر للقوة، ولكن تقاس وفق إدارة هذه القوة وأنماط استخدامها، لأن القوة تبقى نسبية وليست مطلقة، وقد تمتلك قوة كافية، لكن لا يمكنك التأثير في سلوك الآخرين بالكيفية التي تشاء وفي الوقت الذي تشاء.

القوة أضحت إذن فن "إدارة" موارد ومصادر القوة المختلفة، وامتاك إرادة الاستخدام لتحقيق أهداف محددة بوضوح وفق حسابات التكلفة والعائد، وإدارة القوة ليست بالشيء العشوائي، فالأمثلة في الأدب العربي وغيره كثيرة، على ذلك "الشخص القوي" الذي ظن أنه يتحكم بحياة آلاف الضعفاء في حارة صغيرة؛ فإذ بهم يجتمعون ضده ويهزمونه، وكم من أمثلة أخرى على شخص قوي البنيان هزمه شخص قوي العقل. والأمثلة التاريخية من وقائع السياسات الدولية كثيرة في هذا الصدد، فلقد اجتمعت جيوش أوروبا ضد جيش نابليون، واجتمع الحلفاء ضد هتلر، ولم تتمكن الولايات المتحدة ولا الاتحاد السوفييتي من هزيمة الفيتناميين والأفغان.

الجانب الآخر فيما يتعلق بتأثيرات القوة في السياسات العالمية، أن القوة تبقى هي العنصر المحوري والمتغير الأصيل في إحداث التغيرات التاريخية الكبرى. وسواء أكانت القوة والكفاح من أجلها تمثل هدفاً بذاتها أم وسيلة لتحقيق غايات أخرى؛ فالثابت أن التاريخ يتغير بأساليب عديدة، لكن تبقى القوة العسكرية هي الوسيلة التي غيرت التاريخ.

وعلى أي حال تبقى القوة بمختلف أشكالها، الصلبة والناعمة والذكية والافتراضية، هي الأداة الجوهرية لتحقيق أهداف السياسة الخارجية للدولة، كما أن القوة العسكرية كما يراها "كيندرمان" من مدرسة ميونخ الواقعية الجديدة، أداة لا تتعارض مع طبيعة القانون ولا مع طبيعة السياسة، ولذا فهي تشكل أهم الوسائل الضرورية التي يمكن اللجوء إليها وقت الضرورة. 3- تفرض الفوضى وعدم اليقين وصعوبة التوقع ومعضلة الأمن ضرورات إحداث توازن القوى... فالمصلحة الوطنية غالباً ما تقابلها مصالح أخرى تتناقض معها، والقوة لا يمكن قياس أثرها من دون الاستخدام أو التهديد المؤكد به؛ وبالتالي تبقى كل من المصلحة والقوة باعتبارهما أساس السياسات الواقعية، با مغزى حقيقي، من دون توزان للقوى يفرض معادلات محددة على الأطراف الأخرى.

ولتوزان القوى ثاث حالات جميعها لا يرقى لدرجة اليقين، فإما ميزان القوى في حالة توازن، وإما في حالة اختال، وإما في حالة تعادل أو تساوٍ. وعدم اليقين هذا يضطر الدولة إلى أن تعيش دائماً معضلة الأمن، التي تشكل أساس ومحور التفكير الواقعي، فهي الوضع الذي يؤدي فيه قيام دولة ما بزيادة قدراتها المختلفة للحفاظ على أمنها إلى إحساس الدول الأخرى بأن أمنها معرض للخطر، وذلك بسبب عدم التأكد والضبابية التي يشهدها النظام الدولي، وبسبب عدم التيقن الحقيقي من نوايا الآخرين وسلوكهم.

وبناءً على ذلك، فإن إحدى حقائق السياسات الواقعية هي تغير التحالفات، وذلك من أجل إحداث توازن للقوى لتحقيق أهداف معينة في لحظة زمنية محددة، وهذه التحالفات قد تتغير وفقاً لتغير المصلحة؛ إذ لا يجب على الدولة أن تترك نفسها في وضع أمني سيئ، حيث لا وجود لحالة "الأمن الصافي"؛ وبالتالي قد تضطر الدولة إلى الانتقال من حالة التعاون مع دول أخرى إلى حالة التنافس معها، وبالعكس، وفق الشروط الظرفية السائدة في وقت ما؛ وقد تلجأ تارة إلى إحداث التوازن الدفاعي وتارة أخرى إلى إحداث التوازن عبر الهجوم.

ويمكن هنا التطرق إلى ما كتبه وزير الخارجية الأمريكي الأسبق وأحد أبرز منظري المدرسة الواقعية في العاقات الدولية، هنري كيسنجر، في كتابه الصادر عام 2014 تحت عنوان "النظام العالمي"، حينما يشير إلى أن أي نظام دولي أو إقليمي يقوم على عنصرين، هما: "مجموعة من القواعد المشتركة المقبولة التي تضع حدود الممارسة المسموح بها، وتوازن في القوى يفرض ضبط النفس عند كسر القواعد، ويمنع أن تقوم وحدة سياسية واحدة بإخضاع الآخرين".

ومن ثم، وعلى الرغم من تعدد أطر السياسات الواقعية، بل وعلى الرغم من تعدد المداخل النظرية والاقترابات المنهجية في تفسيرها لسياسات الدول الخارجية؛ فإن مفاهيم المصلحة الوطنية والقوة وتوازن القوى لاتزال تمثل الأركان الثاثة الجوهرية للسياسات الواقعية على المستوى العالمي، لاسيما في ظل الصراعات الدولية العديدة القائمة اليوم، وفي ظل تغير سلوك العديد من الفاعلين من الدول في مناطق مختلفة بالعالم، يحاول كل منهم إقامة نظام إقليمي يمهد لرؤيته لشكل النظام الدولي.

وفي هذا الإطار تتعرض موضوعات هذا الملحق لهذه المفاهيم الثاثة، وتناقش الاتجاهات الحديثة نسبياً حولها، حيث تقدم الباحثة رضوى عمار مفهوم المصلحة الوطنية، وأنماط هذه المصلحة، ومعوقات تحقيقها، والاتجاهات والقضايا الحديثة التي باتت على عاقة وثيقة بالمصلحة الوطنية.

وتناقش الدكتورة أمل صقر مفهوم القوة، لتقارب الأشكال التقليدية والأشكال الحديثة نسبياً لعناصر القوة، وتناقش درجة تأثيرها في سياسات الدول. فيما يتناول الدكتور شادي عبدالوهاب مفهوم توازن القوى من المنظور التقليدي أولاً، ثم يحلل ما طرأ على نظرية توازان القوى من تحولات أدت إلى بروز اتجاهات حديثة وآليات جديدة لإحداث توازن القوى.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.