المصلحة الوطنية:

كيف تدير الدولة تفاعلاتها التعاونية والصراعية؟

Trending Events - Future Concepts - - ؟؟؟؟؟ ؟؟؟؟؟ ؟؟؟؟؟ ؟؟؟؟؟ ؟؟؟؟؟ ؟؟؟؟؟ ؟؟؟؟؟ مفاهيم ا -

تختزل مقولة (لا توجد في السياسة صداقات دائمة، ولا عداوات دائمة، ولكن توجد مصالح دائمة) الكثير من تفسير التفاعات الصراعية والتعاونية على المستوى الدولي، وتجيب على أسئلة متعددة تتعلق بتغير العاقات بين الفاعلين الدوليين من التعاون إلى الصراع، وبالعكس؛ إذ تبقى المصلحة الوطنية فوق أي اعتبار آخر.

ويُستخدم مفهوم المصلحة الوطنية في علم العاقات الدولية ليعبر عن حاجة بلغت مكانة كبرى تخول حق المطالبة بها لصالح الدولة، ومن خاله أمكن تحليل العديد من السياسات الدولية المختلفة، لأنه يعبر عن أهداف محددة وواضحة يضعها قادة الدولة أو حتى استقرت بمرور الزمن، فهم يساندونها وقد يخوضون الحروب من أجلها.

ويعتبر هذا المفهوم أحد المرتكزات الرئيسية للمدرسة الواقعية في العاقات الدولية، إذ على الرغم من تعدد روافد واتجاهات هذه المدرسة؛ فإن جميعها يعتبر المصلحة الوطنية ركناً جوهرياً، في النظرية والواقع، من أجل فهم سلوك صانعي السياسات ومعرفة أهداف السياسة الخارجية للدولة.

ويمكن في إطار هذا التوجه الواقعي تحديد صفتين تتمتع بهما السياسات التي يتم يتناولها في إطار "المصلحة الوطنية"، أولهما: "الشمولية" التي يتعين بموجبها على السياسات أن تنظر إلى الدولة باعتبارها وحدة متكاملة، أو على الأقل، يتعين على مجموعة الأفراد المسؤولين عن إدارة الدولة أن يسموا فوق المصالح الضيقة التي تخص مجموعات معينة داخل الدولة. وثانيهما: "الحصرية"، والتي تعني أن المصالح الوطنية لا تتضمن بالضرورة مصالح مجموعات خارج حدود الدولة، على الرغم من أنها قد تفعل ذلك أحياناً( ).

1 في هذا الإطار تتناول هذه الورقة مفهوم المصلحة الوطنية من منظور المدرسة الواقعية، وتعرض أهم أنماط وتصنيفات المصلحة الوطنية، وأخيراً تلقي الضوء على بعض الاتجاهات الحديثة لمفهوم المصلحة الوطنية من منظور المدرسة الواقعية أيضاً.

اأولاً: مفهوم الم�سلحة الوطنية من منظور المدر�سة الواقعية

يعود استخدام مفهوم المصلحة الوطنية كموجهٍ لسلوك الفاعلين السياسيين إلى مؤسس المدرسة الواقعية الكاسيكية في علم العاقات الدولية، هانز مورجينثاو (.Hans J Morgenthau)، وذلك في مؤلفه "السياسة بين الأمم" (Politics among Nations ) الذي كتبه عقب الحرب العالمية الثانية، وصدر في عام 1948.

يرى مورجينثاو أن الدولة هي الوحدة الأساسية، إن لم تكن الوحدة الوحيدة ذات السيادة في العاقات الدولية( ).

2 وأن العاقات الدولية هي عاقات قوة لا تخضع إلا لقانون المصلحة الوطنية. وطالما أن العالم ظل مقسماً إلى دول ذات سيادة؛ فإن الحد الأدنى للسياسة الخارجية لكل دولة يجب أن يكون الحفاظ على بقائها، نظراً لأن كل دولة مضطرة لحماية وجودها المادي والسياسي والثقافي ضد أي هجوم من الدول الأخرى، ومن ثَم تتطابق المصلحة الوطنية مع الحفاظ على بقاء الدولة.

وبناءً على ذلك يعتبر مورجينثاو أن المصلحة الوطنية هي جوهر السياسة؛ فهي المعيار الذي يقاس به العمل السياسي

ويوجهه، ويرى أنها لا تتأثر بظروف الزمان والمكان، وأن طبيعة هذه المصلحة هي التي تحدد العمل السياسي في فترة معينة من فترات التاريخ، وتعتمد تلك الطبيعة على المحتوى السياسي والثقافي الذي تصاغ فيه السياسة الخارجية( ).

3 وتتحدد المصلحة الوطنية في مفاهيم استراتيجية واقتصادية، لأن السياسات الدولية يتم النظر إليها بشكل أساسي كنضال من أجل القوة بين الدول. وعلى الرغم من ذلك، يعترف مورجانثاو بأن مفهوم المصلحة الوطنية المعرف بالقوة هو مفهوم غير مستقر نسبياً، وأن تعريف القوة سوف يتغير من وقت لآخر، ففي بعض الأحوال سوف تكون القوة الاقتصادية حاسمة، وفي فترات زمنية أخرى سوف تكون القوة العسكرية أو القوة الثقافية هي المحدد الأكبر( ).

4 ويتكون مفهوم المصلحة الوطنية من عنصرين أحدهما ثابت منطقي (logically)، وهو ما يُتطلَب بفعل الضرورة، والآخر متغير تحدده الظروف( .( ولهذا يؤكد مورجينثاو

5 أن المصلحة الوطنية حقيقة يجب اكتشافها، أكثر من كونها موضوعاً للتفضيات العارضة والمصطنعة) ،( وأن السياسة

6 الخارجية التي توجهها الاعتبارات الأخاقية مهددة بالفشل، ونجاحها هو فقط صدفة، فالسياسة الخارجية يجب أن تقوم على أساس المصلحة الوطنية وإلا سيكون مصيرها الفشل( ).

7 ويعترف مورجينثاو بأنه لا توجد دولة تمتلك الموارد التي تعزز من خالها كل الأهداف التي ترغب في الوصول إليها بالدرجة نفسها، فكل الدول يجب أن توزع الموارد النادرة على نحو عقاني قدر ما تستطع، وتتحقق هذه العقانية بالفهم الواضح، والتمييز بين العناصر الضرورية والمتغيرة للمصلحة الوطنية، والتي تنطلق كلها من تبرير واحد وهدف لا يتغير هو بقاء الدولة( ).

8 ويعترض مورجينثاو على فكرة التقليل من الدولة الوطنية لصالح المنظمات فوق الوطنية (Supranational Organizations)، ويؤكد أنه لابد من الأخذ في الاعتبار أن هذه المنظمات الجديدة تتشكل كنتيجة لمحصلة الصراع أو التوافق الذي تعكسه المصالح الوطنية للدول ذات الصلة بتلك المنظمات؛ فالدول لن تتنازل عن حرية الفعل إذا لم تكن لديها توقعات بشأن المنفعة التي سوف تعوضها عن خسارتها، وهو ما تعكسه على سبيل المثال الاتفاقيات المتعلقة بالتجارة( ).

9 وتواجه شرعية المصلحة الوطنية ثلاثة معوقات تعمل على تقويضها، وهي: المصالح دون وطنية (Subnational)، ومصالح الدول الأخرى (other-national)، والمصالح فوق الوطنية (Supranational).

فيما يتعلق بالمصالح دون الوطنية، ياحظ وجود جماعات مصالح تمثل جماعات إثنية واقتصادية تميل لتعريف مصالحها بالمصالح الوطنية) .( ومع ذلك، فإن مفهوم المصلحة الوطنية

10 ذاته قد تمخض عن صراع مصالح قطاعية، لكنه لا يعكس مصلحة قطاع بعينه، بل يعتبر هو القاسم المشترك الأدنى بين المصالح القطاعية والمصلحة الوطنية) ).

11

أما مصالح الدول الأخرى؛ فتعوق المصلحة الوطنية، وذلك من خال خيانة الأفراد، سواء عن اقتناع أو مقابل مال يدفع لهم، لصالح حكومات أجنبية، هذا إضافة إلى أن الجماعات الإثنية والأقليات في أي مكان قد تقوم بتعريف نفسها ربما بعيداً عن المصلحة الوطنية الجامعة، سواء بشكل تلقائي أو من خال توجيه من وكاء لحكومة أجنبية لصالح مصلحة هذه الحكومة الأجنبية، والذين يعرفون مصلحة دولتهم الوطنية وفق ما تراه هذه الحكومة الأجنبية.

وبالنسبة للمصالح فوق الوطنية، ينبع تقييدها للمصلحة الوطنية من مصدرين أساسيين، هما: الأجهزة الدينية والمنظمات الدولية، باعتبارهما من أكثر المؤسسات العابرة للحدود الوطنية) ).

12 وقد سعى أنصار الجيل الثاني من المدرسة الواقعية، وهي المدرسة الواقعية الجديدة "الواقعية الهيكلية"، إلى إدخال تغييرات على مفهوم المصلحة الوطنية، وذلك وفقاً لرؤيتهم القائمة على أن النظام الدولي ليس فوضوياً بالكامل، وأن هناك هيكاً ينظم العاقات بين الدول في هذا النظام، ويتم تحديد هذا الهيكل على أساس قدرات كل دولة، وأن المصلحة الوطنية للدولة تكمن في الأمن.

وفي هذا الإطار يرى مؤسس الواقعية الهيكلية كينيث والتز Kenneth) .N (Waltz أن الواقعية التقليدية لم تستطع تفسير مستوى أعلى من الدولة؛ فالدول من وجهة نظره تُشكل هيكاً من خال تفاعاتها، ثم تتأثر بهيكل التفاعات الذي شكلته بدرجة كبيرة) ،( وأن المصلحة الوطنية هي نتاج هيكل

13 النظام الدولي، وليست شيئاً يكمن في المسؤولية الشخصية وإدارة القادة السياسيين) ).

14 وفيما رأى مورجينثاو أن الدول كانت تسعى للقوة المطلقة (absolute power )، فقد رأى والتز أن الدول تسعى للأمن الذي يكتسب من خال القوة النسبية (relative power )، فالدول ليست عدوانية بطبيعتها، ولا ترغب في السيطرة على

رضوى عمار

باحثة دكتوراه في العلاقات الدولية

والتنظيم الدولي بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية - جامعة القاهرة

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.