القوة:

المتغر الثابت في إدارة السياسات الدولية

Trending Events - Future Concepts - - ؟؟؟؟ ؟؟؟؟ ؟؟؟؟ ؟؟؟؟ ؟؟؟؟ ؟؟؟؟ ؟؟؟؟ ؟؟؟؟ ؟؟؟؟ -

تعتبر الأدوات العسكرية مصدر التغيير الأول عبر العصور، فقد تغير التاريخ وفقاً لحروب كبرى خاضتها الإمبراطوريات والدول، لتثبت حقيقة أساسية هي أن القوة العسكرية تبقى الأداة الأكثر فعالية في تحقيق أهداف الدول. ومع دخول أشكال جديدة من القوة تقيس قدرات الدولة مثل القوة الناعمة والقوة الذكية والقوة الافتراضية؛ فقد أصبح حاصل جمع الدولة بين مواردها وعناصر قوتها المختلفة وطريقة إدارتها لهذه الموارد والعناصر لممارسة التأثير على الآخرين هو الجانب الأبرز الذي يمكن من خاله تحليل سلوكيات الدولة ودرجة تحقيقها للغايات التي تبغيها على المستوى الخارجي.

في هذا الإطار، يعتبر مفهوم القوة من المفاهيم المركزية في مجال العلوم الإنسانية، وفي القلب منها العلوم السياسية، خاصة نظريات العاقات الدولية التي قدمت مدارسها ونظرياتها المختلفة تصورات متعددة له؛ وذلك على الرغم من الاختاف حول ماهية "القوة" ذاتها، وقياس عناصرها، وطبيعة أشكالها، بل وما يثيره مفهوم القوة من إشكاليات تتعلق بالقدرة والإرادة، ومن ثم التأثير، وإشكاليات أخرى تتعلق بكون القوة غاية أم وسيلة، وتتضمن أدوات مادية وأخرى معنوية.

اأولاً: مفهوم القوة وما يثيره من ق�سايا واإ�سكاليات

تعتبر المدرسة الواقعية في دراسة العاقات الدولية من أولى المدارس التي تعاملت مع القوة كمفهوم مركزي غلف مقولاتها الأخرى) ،( فقد عرفها رائد الواقعية الكاسيكية، هانز

1 مورجينثاو، بأنها "القدرة على التأثير في سلوك الآخرين". وعرفها رائد المدرسة السلوكية، روبرت دال، بأنها "القدرة على جعل الآخرين يقومون بأمور لم يكن ليقوموا بها لولا ممارسة تلك القدرة") .( أما ماكس فيبر، فيراها: "قدرة

2 الدولة على فرض رؤيتها ورغباتها على الآخرين". فيما رأى آلفين توفلر أن مفهوم القوة يتضمن استخدام العنف والثروة والمعرفة لجعل الآخرين يتصرفون وفقاً لرؤية الطرف صاحب القوة") ).

3 وفي سياق هذه التعريفات المتباينة، يثير مفهوم القوة عدة إشكاليات، من أبرزها: 1- عناصر قوة الدولة: تتنوع العناصر التي تشكل قوة الدولة وفق التعريفات السابقة، وتتداخل فيما بينها. وعلى الرغم من أن التعريفات التي تنتمي لمنظري المدرسة الواقعية تبدو وكأنها تشير إلى أن القوة العسكرية هي العنصر المهيمن؛ فإنها تحدثت أيضاً عن عناصر أشمل لقوة الدولة تضم: المساحة، والموقع الجغرافي، والموارد الطبيعية، والسكان، ودرجة قوة الاقتصاد، والتطور العسكري، والاستقرار السياسي والكفاءة.

أما ألفين توفلر، فقد أضاف عدداً من العناصر الأخرى المهمة لقوة الدولة، ومنها: التماسك المجتمعي، والكاريزما التي يتمتع بها القائد السياسي، والأيديولوجية المتبعة في الدولة، والدور الذي يلعبه الرأي العام في صنع القرار، ومدى تدخل وسائل الإعام في التأثير على صنع القرار( ).

4 2- نسبية قوة الدولة: القوة ليست مطلقة ولكنها نسبية، فمن غير الممكن وصف طرف ما بأنه قوي أو ضعيف إلا في إطار مقارنته بطرف

أو أطراف أخرى. وعلى سبيل المثال: الصين أقوى من كوريا الجنوبية، لكن الولايات المتحدة أقوى من الصين( ).

5 وتعتبر مسألة نسبية القوة شديدة التعقيد في ظل التطورات التي يشهدها العالم، والتي تترك تأثيراتها على عناصر القوة؛ فإذا كانت روسيا أقوى عسكرياً من اليابان، فإن الأخيرة أقوى اقتصادياً.

كما أن التطورات التكنولوجية وما صاحبها من تطورات مختلفة على الأصعدة الاقتصادية والعسكرية والعلمية والثقافية وغيرها، قد زادت من صعوبات قياس عناصر القوة، وهو ما يعني أن وزن قوة الدولة في تغير مستمر نتيجة للتغير في أهمية مصادر القوة المتاحة لديها أو لدى الطرف الآخر( ).

6 3- القوة وسيلة أم غاية؟: ترى المدرسة الواقعية أن القوة هي وسيلة وغاية في الوقت ذاته، إذ تؤكد كتابات توماس هوبز وهانز مورجينثاو أن القوة تمثل قيمة مرغوبة في حد ذاتها؛ وبالتالي يمكن تحديد قوة الدولة (س) عن طريق معرفة المحصلة النهائية للتأثير الذي تمارسه في الدول الأخرى (ص)، بهدف امتاك مزيد من الموارد. فالقوة لدى المدرسة الواقعية هي الغاية والوسيلة، ومن خالها تكسب الدولة مزيداً من الموارد التي تزيد من قوتها، وعلى الدولة أن تسعى إلى زيادة قوتها وتدعيم تأثيرها ونفوذها، وإلا فإن مركزها سوف يتدهور مع الوقت.

وعلى نقيض هذه الرؤية الكاسيكية، فإن بعض المدارس الواقعية الأخرى مثل الواقعية الجديدة، والمدرسة السلوكية، يريان أن القوة وسيلة وليست غاية، فالدول تستخدم قوتها لتحقيق أهداف محددة في النهاية مثل تحقيق أمنها الوطني( ).

7 4- البعد العملي لمفهوم القوة: القوة عملية (Process) تتضمن ليس فقط قدرة الدولة (س) على التأثير على سلوك الدولة (ص)، بل وقدرتها على التعامل مع ردود الفعل من الدولة (ص) التي قد تكون إذعاناً، أو رفضاً، فالقوة عاقة بين طرفين وليست فعاً ساكناً.

ويمكن أن يكون رد الفعل غير متوقع، فبعض الدول الضعيفة، على سبيل المثال، يمكن أن يكون رد فعلها في أزمة معينة سريعاً وغير متوقع، بحيث يصبح بإمكانها التأثير على دولة أخرى أقوى منها، وحتى إجبارها على تغيير سياستها. والمثال الواضح هو حالة الولايات المتحدة في حربها في فيتنام.

وأخيراً، فإن القوة ليست عاقة ثنائية فقط، بل إنها عملية تضم في أغلب الأحيان أطرافاً متعددة على نحو يفرز أنماط تأثير شديدة التعقيد؛ لذلك تشير بعض الدراسات الأكاديمية إلى أن عناصر القوة هي بالأساس: (الموارد والقدرة على التأثير باستخدام هذه الموارد، وإدراك هذه القدرة من جانب الدولة التي تستخدم قوتها، ومن جانب الطرف الآخر الذي يمارس عليه فعل القوة)( ).

8

ثانياً: الاأ�سكال التقليدية للقوة

اعتبرت أغلب الدراسات النظرية التي تتعامل مع مفهوم القوة وتحدد أشكالها لسنوات طويلة أن القوة تعتمد على الأشكال المادية من عناصرها، والتي تتمحور حول كل ما هو مادي من عناصر، واستمر هذا الأمر إلى أن قام أكاديميون، ومنهم جوزيف ناي، بتقسيم القوة إلى شكلين رئيسيين هما: القوة الصلبة (Hard Power )، والقوة الناعمة (Soft Power ؛) ومن ثم حددت كتابات ناي وغيره من منظري العاقات الدولية العناصر المختلفة التي تنطوي تحت كل شكل رئيسي من أشكال القوة. 1- القوة الصلبة: تتألف القوة الصلبة من عناصر القوة المادية العسكرية، والاقتصادية بالدرجة الأولى. ويرتبط أساس هذه العناصر برؤية المدرسة الواقعية للقوة. وهناك عدد من الآليات المستخدمة وفقاً لهذه المدرسة لاستخدام القوة العسكرية، ومنها: الردع من خال إصدار تهديدات متكررة لمنع عدو ما من الشروع في عمل غير مرغوب فيه، أو الدفاع بحيث يتم تبني إجراءات تتخذها الدولة للدفاع عن نفسها في مواجهة هجوم عسكري متوقع، أو بالتدخل العسكري المباشر، ويتم اللجوء إليه عادة في حالة فشل الردع.

أما الآلية الثانية فهي القوة الاقتصادية، وتعني "استخدام الدولة (س) الأدوات الاقتصادية لجعل الدولة (ص) تقوم بأفعال تصب في صالح الدولة (س) لكن الدولة (ص) لا ترغب في القيام بها طواعية. ومن أبرز الأساليب للقوة الاقتصادية فرض عقوبات اقتصادية أو وقف المساعدات الاقتصادية( ).

9 وقد وجهت إلى القوة الصلبة عدة انتقادات، من أهمها: أن العاقات الدولية تشهد تطورات تجعل القوة الصلبة في شكلها التقليدي غير كافية أو مجدية في التعامل مع هذه التطورات، وأن ثمة ضرورة للبحث عن طرق مختلفة في التعامل معها من خال تنظير جديد للقوة في العاقات الدولية.

وقد بدأت الإرهاصات الأولى لهذه الأفكار تظهر منذ نهاية الحرب الباردة، وكان من بين ما طرح أن استخدام القوة العسكرية من قبل دولة ما لإرغام دولة أخرى على الانصياع لها لم يعد في صالح الدول لما في ذلك من تكلفة اقتصادية كبيرة. كذلك فإن ممارسة القوة لم تعد قاصرة على الدولة القومية، بل إن هناك فاعلين من دون الدولة باتوا قادرين على ممارسة أشكال من القوة.

من جانب آخر، فإن التطور الكبير الذي تشهده صناعة الأسلحة، ومنها انتشار الأسلحة الذكية والأسلحة غير التقليدية ومنها النووية، أدى إلى حدوث تحول في قياس قوة الأطراف في أرض المعركة، ومثال ذلك قياس قوة كوريا الشمالية بقوة الولايات المتحدة على سبيل المثال، والهند وباكستان اللتان تمتلكان الساح النووي، حيث ثمة توازن

للقوة على الرغم من تفوق الهند في التسليح التقليدي على باكستان، ويعني ذلك أن الحساب العددي والكمي لقوة دولة ما في مقابل دولة أخرى تبدو أقل في عناصر القوة الشاملة لم يعد كافياً، ما يجعل حسم قياس القوة أمراً محل نظر.

من جانب ثالث، دفع تعقيد وتشابك العاقات الدولية في السنوات التي تلت نهاية الحرب الباردة، إلى ظهور العديد من المشكات التي لم تعد القوة العسكرية قادرة بمفردها على التعامل معها، ومثال ذلك قضايا المناخ والبيئة، والمجاعات والأوبئة وغيرها( ).

10 2- القوة الناعمة (Soft Power ): عمل "جوزيف ناي" على تقديم تعريف جديد للقوة الناعمة يعتمد على "قدرة دولة معينة على التأثير في دول أخرى وتوجيه خياراتها العامة، وذلك استناداً إلى جاذبية نظامها الاجتماعي والثقافي ومنظومة قيمها ومؤسساتها، بدلاً من الاعتماد على الإكراه أو التهديد"( ).

11 وتتمثل الأدوات الرئيسية لهذه القوة في: الأدوات الدبلوماسية، حيث إن اتباع دولة ما سياسة خارجية مصممة جيداً سوف يمكنها من الإقناع بصورة أكثر فاعلية، والأدوات الثقافية، وكل ما له عاقة بقيم وآداب وفنون وإعام مجتمع ما، والتي يمكن أن تعتبر نموذجاً يحتذى. هذا بالإضافة إلى أن شيوع قيم الحرية والعدالة والمساواة في المجتمع تجعله أيضاً نموذجاً مهماً له مصداقيته( ).

12 وقد تعرض مفهوم "القوة الناعمة" لانتقادات عديدة، من بينها اتسامه بالعمومية، وأن القوة "النعامة" تبقى وسيلة غير فاعلة لتحقيق أهداف الدولة مقارنة بالقوة الصلبة التي تظل الأكثر تأثيراً في العاقات بين الدول والأكثر قدرة على القياس، وذلك على الرغم من أن ناي لم ينكر أهمية وجود القوة الصلبة؛ وهو الأمر الذي أدى به إلى تطوير نظريته والحديث عن شكل جديد للقوة هو القوة الذكية.

ثالثاً: الاأ�سكال غير التقليدية للقوة

طور "جوزيف ناي" أفكاره حول مفهوم "القوة الناعمة"، ليطرح نظريته الجديدة حول القوة، مركزاً على مفهومين جديدين، يمثان اليوم أحد مصادر القوة الأساسية التي تحرك الدول والتفاعات العالمية، وهما: القوة الذكية، والقوة الافتراضية. من جانب آخر أشارت كتابات أكاديمية إلى نوع جديد من القوة يطلق عليه (Resilience)، وهو ما يمكن تناوله بإيجاز فيما يلي: 1- القوة الذكية (Smart Power ) ظهر مفهوم القوة الذكية على يد "ناي" في عام 2003، حيث اعتبرها "قدرة الدولة على مزج عناصر القوة الصلبة والقوة الناعمة، والخروج بهذا المزيج باستراتيجيات تحقق أهداف الدولة"، مشيراً إلى أن هذا الشكل من أشكال القوة مفيد لكافة الدول، بما فيها الدول الصغيرة، بل والفاعلين من غير الدول.

ويحمل هذا التعريف تغيراً نسبياً في مفهوم القوة من ناحيتين، الأولى توظيف الدولة لعناصر القوة المختلفة ربما في وقت واحد، والثانية طبيعة الجهة التي يُمارس عليها فعل القوة.

وتعتمد استراتيجيات القوة الذكية على خمسة عناصر تتمثل في: تحديد الأهداف والنتائج المرجوة، ومعرفة الموارد المتاحة، ومعرفة الأهداف والأولويات المراد التأثير فيها، وأي نوع من القوة سيتم الاعتماد عليه، وتقدير احتمالية النجاح.

ومن أمثلة الدول التي استفادت من هذا الشكل النرويج التي تمكنت على الرغم من تعداد سكانها الذي لا يتجاوز 5 مايين من أن تصبح قوة مؤثرة في حلف الناتو من خال تبني جهود دعم السام العالمي( ).

13 وقد تبنت إدارة الرئيس الأمريكي الحالي باراك أوباما هذا النوع من القوة، كما ظهر بوضوح في خطاب تعيين هياري كلينتون وزيرة للخارجية في عام 2009، حيث قال أوباما: "على الولايات المتحدة استخدام ما يطلق عليه القوة الذكية، وهو حاصل جميع ما نملك من مصادر للقوة: الدبلوماسية، والاقتصادية، والعسكرية، والسياسية، والقانونية، والثقافية، حيث يتم اختيار المصدر الصحيح الذي نعتمد عليه أو المزيج من هذه الصادر، وفقاً لكل موقف"( ).

14 2- القوة الافتراضية (Virtual Power ): أدت التطورات التكنولوجية الحديثة وظهور التهديدات الخاصة بالفضاء الإلكتروني، إلى الحديث عن شكل جديد من أشكال القوة، والتي لا تتوقف السيطرة عليها على الدول فقط، بل إن أغلب ممتلكيها هم من الفاعلين من دون الدولة. ويُعتبَر "ناي" أيضاً من أهم من تحدثوا عن القوة الافتراضية كشكل جديد للقوة المرتبطة بامتاك المعرفة التكنولوجية والقدرة على استخدامها.

ويمكن الإشارة إلى نوعين من الفاعلين الذين يمتلكون القوة الافتراضية، أولهما: الدول التي لديها القدرة على تنفيذ هجمات في الفضاء الإلكتروني، وتطوير البنية التحتية الإلكترونية الخاصة بها، والتمكن من الرقابة على كل ذلك،

والقدرة على تطوير أنظمة حماية من هجمات إلكترونية متوقعة.

أما النوع الثاني، فهم الفاعلون من دون الدولة، والذين يستخدمون القوة الافتراضية لأغراض هجومية، سواءً كانوا تنظيمات إرهابية أم فاعلين أفراداً. وتتوقف قدرتهم كفاعل يستخدم هذا النوع من القوة على تنفيذ هجمات متنوعة تشمل اختراق مواقع إلكترونية، أو استهداف أنظمة الاتصالات الدفاعية، على درجة ما يتاح لهم من موارد قدرات استخباراتية( ).

15 وقد أشار "ناي" إلى أن ثمة إمكانية لاستخدام القوة الافتراضية بصورة ناعمة أو صلبة، فمثاً، يمثل قطع الدولة لخدمة الإنترنت في حالات معينة قوة صلبة، كما يمكن أن تقوم دولة باستهداف البنية التحتية الحيوية لدولة أخرى، مثل محطات الكهرباء من خال فيروس يضرب أنظمة التحكم فيها؛ في حين أن محاولة التأثير الثقافي والإعامي أو بث شائعات مستمرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تؤدي إلى زعزعة الاستقرار هو استخدام ناعم لهذه القوة الافتراضية. 3- قوة المرونة (Resilience): يقصد بمفهوم (Resilience) المرونة التي تتيح القدرة والسرعة في التغلب على المشاكل، ويعتبر استخدام هذا المفهوم حديثاً نسبياً كأحد المداخل النظرية للقوة، إذ يرتكز على أن المتغيرات العالمية، بدءاً من انهيار الاتحاد السوفييتي، وما تاه من تطورات في ميزان القوى العالمية، قد دفعت إلى إعادة النظر في مفهوم القوة التقليدي.

وتقوم الفكرة هنا على أن قياس القوة لا يعتمد فقط على البعد الخاص الذي يربط بين امتاك مصادر القوة وقدرتها على التأثير وإدراك هذه القدرة من جانب الأطراف المختلفة، بل إنه يعتمد كذلك على شكل جديد يتمثل في قدرة الدولة على التعامل السريع مع المشكات ومرونتها الكاملة في امتصاص ما تتعرض له من أزمات.

وقد تأكد في بعض الحالات أن ثمة دولاً، أو حتى فاعلين من دون الدول، قد حققوا أهدافهم أو بعض منها أو فرضوا قوتهم على الرغم من محدودية مواردهم؛ وهو ما يشير بوضوح إلى أن قياس القوة لا يعتمد فقط على الموارد، أو بالأدق ليس شرطاً أن يتساوى أو يتعادل التأثير في سلوك الآخرين مع مصادر القوة، فثمة فاعلون يفوق تأثيرهم حجم مواردهم، من خال استخدام أدوات يعتقد صانعو القرار أنها تعزز تأثير دولتهم، مثلما يظهر في محاولة تركيا تحت رئاسة رجب طيب أردوغان لمد نفوذها ثقافياً وإعامياً من خال استخدام جانب تاريخي يتعلق باستعادة العثمانية من جديد. وفي المقابل تبدو دول مثل الصين والهند والبرازيل وألمانيا أقل قوة وتأثيراً على المستوى الدولي على الرغم من مواردهم الضخمة( ).

16 أخيراً، يبقى القول إن كافة الأشكال المختلفة من القوة تتداخل وتتفاعل فيما بينها من أجل تحقيق مصالح الدولة، وتستخدم بناءً على نمط واقعي يقوم على حسابات التكلفة والعائد؛ لكن الجديد في الأمر هو أن رد فعل الدولة أو أي فاعل آخر وقدرته على الاستجابة المرنة والسريعة للمتغيرات بات من مصادر القوة الخفية الكامنة التي لم يعد يمكن إغفالها في عالم شديد التغير والتحول، سواء على مستوى الدولة أو المنطقة الواحدة أو العالم، كما أن حاصل الجمع بين كل من موارد الدولة ومصادر قوتها وطريقة إدارتها لسياسات التأثير الفعلي على الآخرين بما يجبرهم على اتباع سلوك ما أو الامتناع عن سلوك آخر، يظل هو الفيصل الأخير في قدرة الدولة على تحقيق مصلحتها الوطنية ورؤيتها لطبيعة السياسات الإقليمية والدولية التي تقود لهذه المصالح.

د. أمل صقر

منسق برنامج دراسة التحولات السياسية-مركز المستقبل للأبحاث

والدراسات المتقدمة، أبوظبي

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.