Resilience

كيف تتعامل الدول مع الطوارئ والأزمات والكوارث المفاجئة؟

Trending Events - Future Concepts - - الصفحة الأمامية -

يُعد الصعود الاستثنائي لمفهوم التعافي السريع (Resilience) أحد أهم مؤشرات اهتمام حركة التنظير في حقول العلوم السياسية بطرح إجابات للتساؤلات الأكثر إثارة للجدل حول كيفية تجاوز الدول لحالات عدم الاستقرار السياسي والأمني، ومواجهة تداعيات الكوارث الطبيعية والأزمات غير المتوقعة في خضم بيئة من التعقيدات المركبة (Complexities)، وعدم اليقين، وتدني قدرة الدول على توقع التحولات الراهنة، وهو ما اصطلح على تسميته جاشوا كوبر رامو "عصر اللامتوقع " (The age of the unthinkable ).

في المقابل آثار هذا المفهوم جدلاً بين عدة اتجاهات نظرية يرى أولها أنه يتطابق مع قدرة الدول على التعافي السريع من الأزمات والكوارث، ويشير الاتجاه الثاني إلى مركزية التكيف والتواؤم مع التحولات غير التقليدية في السياقات الداخلية والإقليمية والدولية المحيطة بالدولة، بينما يطرح اتجاه ثالث رؤية تركز على قدرة الدولة على الحفاظ على محصلة قدراتها الشاملة العسكرية والاقتصادية والتقنية في مواجهة بيئة ضاغطة، وفي المجمل يثير مفهوم التعافي السريع عدداً من الدلالات المحورية، تتمثل فيما يلي: 1- إشكاليات التغيرات الفجائية: لا ينفصل مفهوم التعافي السريع عن الجدل حول تداعيات التغيرات المتلاحقة في البيئة المحيطة بالفاعلين، حيث يرى "ليون هورويتز" )Leon Hurwitz ) أن التغيير الهيكلي الفجائي عادةً ما يصيب المؤسسات بالعجز عن إدارته نتيجة حالة من السيولة وعدم اليقين والغموض التي تحيط بهذه التحولات غير المتوقعة، وهو ما يؤدي لاختلال قدرة المؤسسات على أداء وظائفها الأساسية بحيث تصبح مختلة (Dysfunctional) وغير قادرة على إنتاج السلع العامة (Public goods ).

وعلى المستوى الخارجي، فإن مفهوم الفوضوية الدولية )International Anarchy ) يؤكد أن عدم اليقين والتحولات غير المتوقعة يعد أحد ثوابت النظم الدولية والإقليمية، حيث يشير هانز مورجانثو إلى أن الفوضوية الدولية تنجم عن الصراع من أجل القوة وتناقضات المصالح بين الدول، بينما يرى كنيث والتز (Kenneth Waltz ) أن غياب سلطة عليا فوق الدول في النظام الدولي يؤدي لاعتماد كل دولة على ذاتها (Self Help ) لتحقيق الأمن وللحفاظ على بقائها، إلا أن التهديدات غير التقليدية والكوارث الطبيعية دفعت لتكون ما يمكن أن يطلق عليه "المجتمع العالمي" والذي يقوم على التضامن الإنساني عالمياً في مواجهة التهديدات العابرة للحدود والكوارث الطبيعية، وفي هذا الصدد يشير كارل دويتش إلى أن انتشار المؤسسات الدولية يؤدي لتأسيس مجتمع الأمن (Security society ) الذي يأخذ ثلاثة أشكال رئيسية، تتمثل في: • مجتمع اللاحرب: وهو الإطار الذي يتوافر فيه الحد الأدنى اللازم لحل المشكلات والنزاعات بالسبل السلمية ودون اللجوء للعنف. • المجتمع التعددي: والذي يقوم على إقامة مؤسسات تنسيقية بين الفاعلين الدوليين ذات حد أدنى من الصلاحيات لتعزيز القنوات الاتصالية وتجنب سوء الإدراك. • المجتمع المندمج: والذي يوجد في حالة إنشاء مؤسسات مشتركة ذات سلطات ملزمة للدول في مجالات متعددة وظيفية وأمنية وسياسية.

وفي هذا الإطار تصاعد مفهوم التعافي السريع للتأكيد على أهمية المرونة في مواجهة التحولات الكبرى والتكيف مع التداعيات والتغيرات الناجمة عنها وآليات الارتداد للحالة الطبيعية والإفادة من تداعيات الأزمات والكوارث في بناء نظم للإنذار المبكر وتحصين المنشآت والمجتمعات ضد التحولات غير المتوقعة. 2- التكامل بين الفاعلين: حيث إن التعافي السريع من الأزمات والكوارث يتطلب تجاوز علاقات الصراع الصفري بين الفاعلين المركزيين ومنطق العلاقات المصلحية القائمة على السعي لتحقيق مكاسب مطلقة في مواجهة الغير، وتعزيز التضامن في مواجهة التهديدات غير التقليدية، ويتطلب ذلك تجاوز أدبيات الصراع والتنافس التي سيطرت على تحليل علاقة الدولة والمجتمع والتركيز على مداخل الشراكة والتكامل بين الطرفين لبناء ما تطلق عليه الأدبيات "المجتمعات المحلية المحصنة" (Resilient )Communities القادرة على التعافي من الأزمات

والكوارث بدعم من الدولة والمؤسسات الإغاثية الدولية. 3- استباق المخاطر: تقوم سياسات التعافي السريع على تعزيز قدرات استباق المخاطر والتهديدات والاستعداد لحدوثها وتجاوز نهج ردود الأفعال في التعامل مع الأزمات، من خلال تحصين البنية التحتية والمنشآت والتي يطلق عليها )Resilient Infrastructure ) وغرس مهارات وقدرات إدارة الأزمات والكوارث في المؤسسات والهيئات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني والمنظمات الدولية، ووضع استراتيجيات استباقية لمواجهة الكوارث واحتوائها والسيطرة عليها، ويتأسس النهج الاستباقي في التعامل مع الأزمات والكوارث على الذاكرة الجمعية التاريخية للمجتمعات، التي تتضمن الخبرات السابقة في التعامل مع الأحداث المماثلة ومدى كفاءة السياسات في التعامل مع الأزمات والكوارث. 4- تعزيز المؤسسية: حيث يرتبط التعافي السريع بضرورة تعزيز مستوى المؤسسية في المنظمات الحكومية وغير الحكومية والدولية من خلال عدة معايير يتصدرها التكيف، بمعني القدرة على البقاء والتواؤم مع تحولات البيئية وهو ما يمكن قياسه من خلال العمر الزمني للمؤسسة والعمر الجيلي بمعني الانتقال السلس من جيل لآخر داخل المؤسسة والتغير الوظيفي بمعني قدرة المؤسسة على تنويع وظائفها بخلق وظائف جديدة، والتخلي عن وظائف حالية للتواكب مع التغيرات البيئية، ويتمثل المعيار الثاني للمؤسسية في التعقيد، ويعني اتساع درجة تعدد الوحدات الفرعية للمؤسسات وتنوعها ودرجة تعدد وظائف تلك الوحدات وتنوعها للتواؤم مع المتغيرات البيئية والتحولات المتلاحقة.

أما المعيار الثالث فيتمثل في الاستقلالية ويعني قدرة المؤسسات على ممارسة صلاحياتها بحياد واحترافية من دون تدخل الاعتبارات والانتماءات الأولية، ومن ثم قدرتها على غلق منافذ الفساد والممارسات غير التنافسية، وترتكز الاستقلالية على مؤشرين هما الاستقلالية المالية بمعنى قدرة المؤسسة على حشد الموارد المالية ذاتياً من دون ضغوط خارجياً، والاستقلالية الوظيفية بمعنى استقلال المؤسسات في تحديد شاغلي المناصب وأداء وظائفها من دون تدخل أطراف خارجية.

ويتمثل المعيار الرابع في التماسك: ويقصد به مدى التوافق بين أعضاء المؤسسة في ظل تنامي الشعور بالانتماء وعدم وجود أجنحة انقسامية داخلها (Factionalism) وقدرة أعضاء المؤسسة وقياداتها على تسوية الخلافات البينية دون انهيار المؤسسة والتنسيق والانضباط بين أعضاء المؤسسة وفروعها المختلفة.

ومن ثم يتناول ملحق مفاهيم المستقبل لهذا العدد مفهوم التعافي السريع من خلال أربعة موضوعات رئيسية تتناول أبعاد المفهوم والاتجاهات الرئيسية في دراسته وارتباطه بعلاقة الدولة والمجتمع وتحولات سياسات التعافي السريع وأبعاد التغير في مواجهة النظام الدولي للأزمات والكوارث.

ففي صدارة العدد تتناول "سمية متولي السيد" المدرس المساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة أسس ودعائم مفهوم التعافي السريع والمفاهيم التي تتقاطع معه في الدلالة والاتجاهات والمداخل النظرية والتطبيقية التي تناولت المفهوم بالتحليل والدراسة في النظم السياسية والعلاقات الدولية والمشروطيات الكامنة التي يستلزمها تحقيق التعافي السريع في مواجهة الأزمات والكوارث.

أما الباحث "محمد بسيوني عبدالحليم" فيركز على مداخل التشارك بين الدولة والمجتمع في مواجهة الأزمات والكوارث محللاً محفزات صعود تأثير المجتمعات في مواجهة الدول، والنظريات الرئيسية التي تحلل العلاقة بين الدولة والمجتمع خلال الأزمات، وأنماط وآليات تحقيق الشراكة بين الدولة والمجتمع خلال مراحل التحولات المفاجئة.

وركزت "عبير ربيع يونس" المدرس المساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة على تحولات سياسات التعافي من الكوارث الطبيعية، وتعرضت لتحليل اتجاهات الجدل حول مفهوم التعافي من الكوارث وسياسات الدول للتعافي من الكوارث الطبيعية وآليات مواجهة المجتمعات للكوارث وأبعاد التضامن الدولي في مواجهة الكوارث الطبيعية.

وناقشت رانيا مكرم الباحثة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، أبعاد التغير في مواجهة النظام الدولي للأزمات العالمية وتعرضت لعدة محاور أهمها المداخل النظرية لتفسير الإدارة العالمية للأزمات ومفهوم التعافي السريع على المستوي العالمي الكبرى وآليات مواجهة النظام الدولي للأزمات والكوارث.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.