State-Society Reinforcement

مداخل المشاركة بين الدولة والمجتمع في مواجهة الأزمات

Trending Events - Future Concepts - - مفاهيم المستقبل باحث في العلوم السياسية -

لم تعد الدولة قادرة على مواجهة التهديدات والأزمات بقدراتها المنفردة في ظل تآكل قدرات مؤسساتها على مواجهة التهديدات والمخاطر وصعود دور الفاعلين من غير الدول، وهو ما أدى لتصاعد تأثير المجتمع على مؤسسات الدولة، ويرتبط مفهوم التعافي السريع بتنوع واختلاف أنماط علاقة الدولة بالمجتمع، حيث إن الكثير من الأزمات الحادثة تنبع بالأساس من أشكال التفاعل بين الدولة والمجتمع، ففي حال الصدام بين كلا الطرفين وتآكل الثقة المتبادلة يتم التكريس لسياقات مأزومة تقوض من احتمالات التكيف والتعافي السريع، وعلى النقيض من ذلك، فإن التصالح بين الدولة والمجتمع يفضي إلى التقليل من حدة الأزمات، وتعزيز إمكانية الشراكة بين الطرفين بما يؤدي إلى إرساء منظومة متماسكة للتعافي الداخلي في الدولة( ).

1

اأولاً: الدعائم النظرية لت�ساعد تاأثير المجتمع

على الرغم من تركيز أدبيات التعافي السريع على الدولة باعتبارها مركز السلطة والمسؤولة عن إدارة الأزمات(

2 ( ومواجهة الكوارث، فقد استند هذا الاتجاه إلى افتراضات ضمنية حول سيطرة الدولة على المجتمع وتحكمها في المجال العام) ،) وكانت النتيجة أن المجتمعات القائمة في هذه

3 الدول لم تكتسب درجة كبيرة من الاستقلالية والقدرة على المشاركة، علاوة على تنامي قابلية التعرض للأزمات، وعدم توافر الشروط اللازمة للتعافي المجتمعي السريع.

أما المرحلة الثانية، فقد قامت على مراجعة نموذج "الدولة المهيمنة"، والتي لم يعد من الممكن القبول بها والتعويل عليها كثيراً، إذ إن الكثير من مؤسسات الدولة تتراجع كفاءتها بمرور الوقت، خاصة في حالة تراجع دور المجتمع، ومهما كانت القدرات المتاحة لديها فهي ستظل محدودة في مواجهة التحديات المعاصرة، وهكذا يتعين إعطاء حيز أكبر لإشراك العناصر المجتمعية في مهام التعافي السريع.

وفي هذا السياق المعقد، تم استحضار مقاربات "العقد الاجتماعي" لاختبار أشكال العلاقات بين الدولة والمجتمع وتأثيراتها على قدرة الدولة على التعافي السريع من الأزمات، فالدولة وفقاً لهذا الطرح تم تأسيسها بصورة مصطنعة بموجب تعاقد بين أفراد المجتمع، ومنذ ذلك الحين باتت الدولة مرتكزاً حيوياً في حياة المجتمع، وتشكل ماهيته الخاصة لاحتكارها وظائف "التنظيم الجمعي"، وهو المبدأ المؤسس للمجتمع، والذي من دونه لا يكون المجتمع سوى فضاء فسيح لجماعات منفصلة عن بعضها"( ).

4 ومن هذا المنطلق فإن بقاء الدولة أضحى مرتبطاً إلى حد بعيد بمدى تمثيلها للمجتمع وتكويناته واحتياجاته وطموحاته، علاوة على ارتباط شرعية نظم الحكم والاستقرار السياسي بوجود المؤسسات التابعة للدولة والقادرة على "الإدارة والتقنين والتوزيع والإشباع العادل داخلياً، فضلاً عن حماية المجتمع ضد الأخطار خارجياً"( ).

5 ويرتبط التعافي السريع بوجود التزام متبادل بمضامين العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع، مما يؤدي تقويض احتمالات حدوث أزمات مرتبطة بالسلطة وتوزيعات الموارد وحتى في حال حدوثها، فإن الدولة والمجتمع ستكون لديهما حساسية تجاه هذه الأزمات واستجابة سريعة لمكامن التهديد.

ثانياً: محفزات ال�سراكة بين الدولة والمجتمع

تفترض بعض الأدبيات أن التعافي السريع يعتمد على مزيج

من القدرات والموارد والمؤسسات الفعالة والشرعية السياسية، وكل هذه المتغيرات ترتكز على التفاعلات السياسية التي تتوسط العلاقة بين الدولة والمجتمع، فضلاً عن التوقعات المرتبطة بهذه العلاقة( ،) وتأسيساً على هذه الفرضية، بدت

6 الشراكة بين الدولة والمجتمع النموذج الأكثر فعالية في تحقيق التعافي السريع في مواجهة الأزمات، وهو ما يرتبط بعدة محفزات تتمثل فيما يلي: 1- اختلال نماذج صدام الدولة بالمجتمع: حيث إن النماذج الصدامية لعلاقة الدولة بالمجتمع والتي سادت الأدبيات على مدار فترة طويلة تعرضت لانتقادات جذرية كونها تكرس الانقسام الصفري بين الطرفين وتؤدي لتقويض قدرة الدولة والمجتمع على التعافي السريع، وفي هذا الإطار تجدر الإشارة لأزمات انهيار مؤسسات الدولة والاختلال الوظيفي الذي أدى لانكسار احتكارها للقوة وصعود الفاعلين المسلحين من غير الدول، وهو ما أدى للتركيز على نماذج التوفيق بين توقعات المجتمع وإمكانات الدولة والتضامن في مواجهة الأزمات والكوارث( ).

7 2- مواجهة الأزمات غير التقليدية: حيث واجهت الدول الغربية في الآونة الأخيرة أزمات مستحدثة تفوق قدرات مؤسسات الدول منفردة على مواجهتها، وفي هذا الإطار كشفت موجة التهديدات والهجمات الإرهابية التي تعرضت لها بريطانيا وغيرها من الدول الغربية خلال السنوات الماضية عن قصور في أدوار مؤسسات الدولة، وبالتبعية التأكيد على أهمية دور المجتمع ومشاركة العديد من الفاعلين في استراتيجيات مواجهة الأزمات( ).

8 3- صعود الليبرالية الجديدة: أضحت الليبرالية الجديدة المنظور الفكري الحاكم لإدارة العلاقة بين الدولة والمجتمع في الدول الغربية، وترتكز هذه العلاقة على أفكار التعددية وتوزيع السلطات والمسؤوليات وعدم تركيزها في مستوى واحد، وتعاظم مساحات التفاعل والتأثير المتبادل بين الأفراد والمنظمات والجماعات داخل المجتمع، حيث يرى تشارلي إدواردز (Charlie Edwards ) ضرورة إعطاء أفراد المجتمع أدواراً مهمة في مسؤوليات التعافي السريع ضمن أشكال وصيغ اجتماعية مرنة لا تقتصر فقط على مؤسسات الدولة القائمة( ).

9

ثالثاً: مداخل ال�سراكة بين الدولة والمجتمع

أفضت المحفزات سالفة الذكر إلى تطوير عدد من المداخل النظرية التي يمكن عبرها التكريس للشراكة بين الدولة والمجتمع، ويمكن في هذا السياق استدعاء مدخلين رئيسيين هما كالتالي: 1- مدخل "المواطن المرن" (Resilient Citizen ): والذي يستخدم للتعبير عن نموذج تشجع الدولة من خلاله أفراد المجتمع ليكونوا أكثر نشاطاً واستعداداً للتعامل مع حالات الطوارئ والأزمات بصورة أكثر فعالية، وقد ساهم في تطوير هذا المدخل التهديدات الإرهابية التي تعرضت لها الدول الغربية، حيث إن هذه التهديدات استدعت أدواراً للأفراد لمساعدة للدولة، وهو ما أسماه فون ويليامز (Vaughan Williams) بالمواطن المحقق (detective citizen) في إشارة إلى تشجيع الدولة لأفراد المجتمع للاضطلاع بأدوار أكثر إيجابية في مكافحة الإرهاب، وقد لاحظ ويليامز أن المواطن الأوروبي أصبح وكيلاً للمراقبة بصورة جعلته جزءاً من منظومة واسعة النطاق تستهدف التعافي من آثار التهديدات الإرهابية( ).

10 ولم يتوقف توظيف مدخل تشارك المواطن على مواجهة التهديدات الإرهابية، ولكنه امتد ليشمل الأزمات بمختلف أنواعها – بما في ذلك الكوارث الطبيعية – واتجهت العديد من الدول إلى صياغة مشروعات لبناء القدرة على التعافي السريع، تستهدف في المقام الأول ضمان انخراط أعداد متزايدة من المجتمع في جهود التعافي السريع، وتقديم التدريب للأفراد للتعامل مع الأزمات وتبادل المعلومات بين مؤسسات الدولة والمواطن( ).

11 2- التعافي المجتمعي (Social Resilience ): ويركز على الكيانات المجتمعية وقدراتها على التكيف والاستيعاب ومواجهة التهديدات البيئية والاجتماعية أياً كان شكلها أو نوعها، وعادة ما يتأثر التعافي المجتمعي بالمؤسسات والشبكات التي تمكن الأفراد من الوصول إلى الموارد والتعلم من الخبرات وتطوير طرق بناءة للتعامل مع المشكلات المشتركة، وتفترض الأدبيات وجود ثلاثة مقومات للتعافي المجتمعي: أ- قدرة المواجهة (Coping Capacity ): وتستند إلى فكرة التصدي للأزمة واستيعابها عبر توظيف الموارد والوسائل المتاحة. ب- قدرة التكيف (Adaptive Capacity ):

تسعى إلى

الوقاية من الأزمات مستقبلاً واستباقها اعتماداً على الخبرات السابقة وبالتالي توقع المخاطر المستقبلية وتعديل أنماط الحياة وفقاً لهذه التوقعات. ج- القدرة التحويلية (Transformative Capacity ): والتي تنطوي على قدرة الأفراد على المشاركة في عمليات صنع القرار، وصياغة مؤسسات تساعد في تحسين رفاهيتهم الفردية، وتعزيز التماسك المجتمعي في مواجهة الأزمات المستقبلية، وهكذا فهي تستهدف بالأساس إحداث تحولات راديكالية( ).

12 وارتبط بفكرة التعافي المجتمعي تنامي الاهتمام بالمجتمعات المحلية وضرورة انخراط هذه المجتمعات في منظومة التعافي السريع للدولة، وتم صك تعريف لفكرة "تعافي المجتمعات المحلية"(Communities )Resilience ومفاده "قدرات وإمكانيات المجموعات المحلية لتسخير وتوظيف الموارد المحلية المتاحة والخبرات لتقديم المساعدة الذاتية في حالة الطوارئ". وقد تبنى هذا المدخل عدد من الدول مثل بريطانيا التي أطلقت برنامج للتعافي يقوم على فكرة تمكين الجماعات المحلية، وتقديم الدعم اللازم لها للاضطلاع بأدوار أكثر مركزية في التعامل مع الأزمات الطارئة( ).

13

رابعاً: م�سروطيات الفاعلية المجتمعية

لم يعد من الممكن في خضم التحولات الهائلة والمتسارعة الوتيرة إدارة الدولة وفقاً لمسلمات تقليدية تختزل علاقة الدولة والمجتمع بصورة تبسيطية تتجاهل معطيات الواقع والتي تؤكد على التمايزات الجوهرية بين الكيانين، وهي التمايزات التي تجعل من الشراكة بينهما المسار الأفضل والقادر على تعزيز الكفاءة الثنائية للدولة والمجتمع في مواجهة الأزمات. وتأسيساً على ما سبق، يتعين الإشارة إلى ثلاث مشروطيات لفاعلية الشراكة بين الدولة والمجتمع. 1- الحكم الرشيد: حيث يعد الحكم الرشيد شرطاً أولياً لتطوير صيغ الشراكة بين الدولة والمجتمع، فمن خلاله يصبح هناك مجال للتصالح والتكامل بين الدولة والمجتمع، لاسيما مع المفاوضات المستمرة بين الطرفين حول قضايا ممارسة السلطة وتحديد الحقوق والالتزامات المتبادلة وآليات تخصيص الموارد العامة، ويكون من شأن هذه المفاوضات التوصل إلى توافق بين الدولة والمجتمع. 2- المصلحة المشتركة: إذ إن الشراكة بين الدولة والمجتمع تنطوي على مصالح مشتركة لكليهما، فالدولة من جهة تضمن عبر التوافق المجتمعي معها استمرارية شرعيتها والاستقرار على صيغة العقد الاجتماعي الحاكم، وبالتالي توفير آليات متماسكة لمواجهة الأزمات والتعافي السريع منها، بل وحتى من منظور التنمية المستدامة فإن تحقق مقومات هذه التنمية يتطلب من الدولة إشراك المكونات المجتمعية في عملية صنع القرار.

كما يؤدي تعاظم أدوار المجتمع المدني ككيان رئيسي معبر عن المجتمع إلى إيجاد مسارات للمساءلة والرقابة تضمن قيام مؤسسات الدولة بالدور المنوط بها وتقديم خدمات فعالة وبصورة عادلة، وكل هذا يؤدي في نهاية المطاف إلى تخفيض حدة الأزمات والتعاطي الإيجابي معها. 3- دعم الدولة: تتأسس برامج الشراكة بين الدولة والمجتمع على فكرة "الدولة المساندة"، على اعتبار أنها المنظم الأساسي للتفاعلات داخل المجتمع، وتمتلك مخزون هائل من المعلومات والموارد، لذا نجد أن الكثير من تجارب الشراكة، خاصة في مجال مواجهة الأزمات بدأت بمبادرات مقدمه من الدولة، وتضمنت هذه المبادرات توفير إطار تشريعي ومؤسساتي لتعزيز الشراكة، والدعم المعلوماتي من خلال إمداد الكيانات المعبرة عن المجتمع بالمعلومات والبيانات الكفيلة بإطلاعهم على حقائق الأمور والمساهمة في مواجهة الأزمات، وصياغة برامج تدريبية للأفراد لصقل مهاراتهم وقدراتهم وجعلهم أكثر استعداداً للتعامل مع الأزمات( ).

14

محمد بسيوني عبدالحليم

باحث في العلوم السياسية

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.