:Global Equilibrium

التغير في مواجهة النظام الدولي للأزمات العالمية

Trending Events - Future Concepts - - باحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية -

لم يكن الانتشار العالمي لمفهوم التعافي السريع (Resilience) كأحد اتجاهات مواجهة آثار الأزمات والكوارث، سوى انعكاس لتأثير المنظمات الدولية التي طرحت المفهوم لمواجهة التهديدات العالمية غير التقليدية، مثل الكوارث الطبيعية والأزمات العابرة للحدود، ومن ثم ارتبط طرح المفهوم بالجدل حول دور النظام العالمي وهيكله في تحقيق هذا التعافي، وكذلك دور الدولة منفردة في القلب من هذا النظام، إذ إن مراجعة الحالات التطبيعية تكشف عن وجود مساحات مشتركة لدور المؤسسات والهيئات الدولية الإغاثية منها والاقتصادية يمكن اعتبارها نموذجاً استرشادياً لتقليل أثر الكوارث ومساعدة الدول على اكتساب المرونة اللازمة لمجابهة الأزمة وتقليل أثر الكارثة التي تتعرض لها.

اأولاً: م�سمون التعافي ال�سريع في الوثائق الدولية

جاء طرح مفهوم التعافي السريع على المستوى العالمي ضمن "استراتيجية الأمم المتحدة الدولية للحد من الكوارث"، إذ اعتبرت الأمم المتحدة التعافي السريع "عملية منهجية لاستخدام مهارات إدارة المخاطر والقدرات التشغيلية من أجل تخفيف الآثار السلبية للأخطار واحتمالات وقوع الكوارث، بشكل يمكن الدولة والمجتمع من العودة للحالة السابقة التي كانت عليها قبل وقوع الأزمة أو الكارثة والتكيف مع الآثار الناتجة عنها حتى زوالها إن كان ذلك ممكنا"( ).

1 وحددت بعض الوثائق الدولية العلاقة بين تأثير الأزمة أو الكارثة على مجتمع ما، وبين دور المجتمع في مواجهتها، حيث أشار تقرير "سِنداي" الصادر عن البنك الدولي والصندوق العالمي للحد من الكوارث والتعافي من آثارها (GFDRR) بالتعاون مع الحكومة اليابانية الصادر عام 2012، إلى أن المؤسسات التابعة للدولة ومن بعدها المؤسسات الدولية المعنية بالتنمية، عليها أن تقوم بتقييم المخاطر التي يتوقع أو التي وقعت بالفعل جراء الأزمة أو الكارثة التي يمكن أن يتعرض أو تعرض لها بالفعل المجتمع( ).

2 وفق هذه الثنائية؛ أي أثر الكارثة أو الأزمة على مقدرات مجتمع ما، ودور هذا المجتمع في تجاوز آثارها، يبرز تعريف "استراتيجية الأمم المتحدة الدولية للحد من الكوارث" للمجتمعات القادرة على التصدي للأزمات والكوارث (Resilient Communities )، وهو تعريف مفاده أنها تلك "المجتمعات التي تعرضت لخطر ما، لكنها قادرة على العودة واستئناف حياتها الطبيعية واسترداد شكلها وطبيعتها الأصلية -النفسية والمادية والهيكلية - والتكيف بسهولة مع الآثار الناجمة عن هذا الخطر، نظراً لتحليها بقدر من المرونة والقدرة على التكيف".

وتختلف درجات التكيف والمرونة من دولة إلى أخرى ومن مجتمع إلى آخر، بل ومن شخص إلى آخر في المجتمع الواحد، وبالتالي فإن ثمة تسليماً باحتمالية وجود تغير ما يمكن أن يطرأ على الفرد أو الجماعة نتيجة التعرض للضغوط الناتجة عن الأزمة أو الكارثة، فمن الصعب تخيل عودة أفراد تعرضوا إلى مجاعة أو مدن لعنف مسلح إلى طبيعتها فور انتهاء الأزمة( ).

3 وفي هذا الإطار طرحت الأمم المتحدة مفهوم "الحد من مخاطر الكوارث"(Disaster Risk Reduction ) ، والذي عرفه برنامج الأمم المتحدة بأنه "الممارسات اللازمة للحد من

مخاطر الكوارث والأزمات من خلال الجهود المنهجية لتحليل وإدارة العوامل المسببة لحدوثها، بما في ذلك الحد من التعرض للأخطار وتخفيف قابلية الإنسان والممتلكات للتضرر"( ).

4

ثانياً: اإدارة النظام الدولي للاأزمات

من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الجهود الدولية لاحتواء الأزمات، السياسية والاقتصادية، تختلف عن مثيلتها في معالجة آثار الكوارث الطبيعية والبيئية، ففي الأولى يغلب الالتفات إلى مصالح الأطراف المتورطة في الأزمة، أما الثانية فيغلب عليها نموذج التعاون وانخراط المؤسسات الدولية التنموية في مرحلة تقديم الحلول ومواجهة الآثار.

ويمكن القول إن ثمة متغيرين أساسيين يحكمان عملية إدارة الأزمات الدولية وأبعادها منذ أن نشأ النظام العالمي وحتى الآن، على الرغم من التغير الذي اعترى هيكله ليصل إلى شكل النظام الحالي، أولهما: قابلية الأزمة للتحكم في مساراتها، فكلما كانت الأزمة غير مركبة كانت قابلية التحكم فيها أكبر، ثانيهما: إمكانية حلها حلاً وسطاً يحافظ على مصالح أطرافها قدر الإمكان، واتسمت أساليب إدارة الأزمات الدولية بعدد من السمات منها: 1- مركزية التحالفات: حيث تسعى الدول الكبرى، وعلى الرغم من اختلاف أهدافها ومصالحها، إلى الانضمام لتحالفات دولية لمواجهة عدد من الأزمات، وليس الاقتصار كما كان في السابق على قوى منخرطة في التحالف ودول أخرى مراقبة، ومن أبرز هذه التحالفات، التحالف الدولي للحرب على الإرهاب عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر( ).

5 2- توظيف القوة: تصاعد استخدام القوة في إطار التحالفات الدولية لإدارة الأزمات الإقليمية، التي غاب عن معظمها وجود قوى إقليمية مؤثرة قادرة على حل النزاعات دون تدخل من القوى العالمية، لاسيما مع صعود مفاهيم مثل المسؤولية الجماعية للحماية، الذي يمنح المجتمع الدولي صلاحيات التدخل في الصراعات الداخلية لمنع الانتهاكات وأعمال الإبادة الجماعية( ).

6 3- التعامل المرحلي: لا يعني اللجوء للقوة لحسم الأزمات الإقليمية أن النظام الدولي بات يركز على الأدوات العسكرية دون غيرها، حيث إن التعامل مع الأزمات بات يرتكز على التدرج في الأدوات عبر الاستعانة بالآليات الدبلوماسية والسياسية، واللجوء إلى تصعيد الخطاب السياسي قبل اللجوء إلى الخيار العسكري، والحد من اللجوء إليه في أضيق الحدود، والعمل على تأجيله لدراسة العواقب الناتجة عنه.

ولعل الحرب على العراق والتورط الأمريكي في المستنقع العراقي، كانا من الأسباب التي دفعت القوى الدولية إلى إعادة إحياء هذا المبدأ، إذ تبين حين تم تشكيل التحالف الدولي ضد تنظيم "داعش" أن تردداً قوياً يحكم إرادة القوى المكونة للحلف تجاه شكل الضربات التي توجه للتنظيم وكثافتها وأماكنها، على الرغم من أهمية الحرب على الإرهاب لدى العقلية الغربية وبصفة خاصة الأمريكية، وبعكس ما حدث في الحرب على العراق، حيث ساد الاندفاع الأمريكي والبريطاني في بادئ الأمر على الموقف.

كما تشير الخبرة الغربية في التعامل مع الملف النووي الإيراني إلى أن تقييم المخاطر الناتجة عن اللجوء للخيار العسكري يمكن أن تلغي هذا الخيار أو تجمده، إذ يلاحظ تراجع الولايات المتحدة الأمريكية عن توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية، فيما ظلت التهديدات الإسرائيلية لإيران دون غطاء أمريكي.

أما على صعيد الأزمات الاقتصادية العالمية، فيتبع حالياً المجتمع الدولي استراتيجية وضعها البنك الدولي عام 2008، عقب الأزمة الاقتصادية العالمية الذي شهدها هذا العام، إلى جانب الآليات التي تتبعها التكتلات الاقتصادية الأخرى لمواجهة أزمات أعضائها، وأبرزها الاتحاد الأوروبي، الذي تساعد فيه الدول الكبرى وبصفه خاصة ألمانيا الدول المأزومة.

وتبني استراتيجية صندوق النقد الدولي على عدد من المقومات يتمثل أهمها في: إقامة "جدار ناري" للوقاية من الأزمات، وذلك من خلال زيادة طاقة الإقراض، ومساعدة الدول الأكثر فقراً، وتقديم الاستشارات اللازمة لمساعدة الدول على التنبؤ بالأزمات من خلال مؤشراتها الاقتصادية، والمالية)

7 ).

ثالثاً: الاإدارة العالمية لاآثار الكوارث

دعت الإخفاقات المتتالية للدول منفردة على مواجهة كوارث داخلية تعرضت لها، إلى شيوع الاعتقاد لدى المجتمع الدولي بضرورة وجود تعاون دولي لمواجهة كارثة ما مهما كانت قدرات ومقدرات الدولة المعنية، والتفكير في مجموعة من الآليات للمساعدة على مجابهة هذه الكوارث والتخفيف من آثارها، لاسيما أن تلك الآثار لا يمكن حصرها أو محاصرتها

داخل حدود الدولة الواحدة، وأن نظرية الدومينو هي المسيطرة في هذا السياق، ومع إدراك المجتمع الدولي لهذه الحقيقة، عمل على إنشاء مؤسسات وهيئات للقيام بهذا الدور، وبتطور التجربة بات لدى المجتمع الدولي عدد من المؤسسات ذات الاختصاص بتحقيق التعافي السريع والمساعدة عليه سواء بتقديم حلول ومساعدات فورية، مثل الاتحاد الدولي لجمعيات الهلال الأحمر والصليب الأحمر، وهيئة الإغاثة الدولية "الأونروا"، صندوق الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسيف" فضلاً عن المؤسسات الأخرى المعنية بتقديم مساعدات على المدى الطويل، مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وقوات حفظ السلام الدولية، والمنظمات الإقليمية والدولية المتخصصة في المجال الأمني، والاتفاقيات المشتركة في هذا السياق، مثل اتفاقية مكافحة الجريمة المنظمة( ).

8 وفي هذا الإطار، صعد اتجاه عالمي يؤكد صعوبة استنساخ تجارب النجاح في تحقيق تعاف سريع من كارثة ما في دولة بعينها في دولة أخرى، وأن الحديث عن نماذج جاهزة وآليات واحدة لحل أي كارثة ومواجهة آثارها يعد فخاً ينبئ بفشل هذه الآليات، حتى وإن سبق وحققت نجاحاً، وبالتالي يبرز في هذا السياق دور الدولة ونخبها ومؤسساتها ومواطنيها في القدرة على تبني آليات مناسبة لوضع الدولة السياسي والاقتصادي والاجتماعي ولنوع الكارثة التي تحدق بها، بمعنى أن تحقيق التعافي السريع من آثار كارثة ما لابد أن يكون نتاجاً لمساعدة خارجية لتحقيق أهداف يضعها ويحددها الداخل، بصفته القادر على تصور كيفية تكييف أعضائه على وضع ما بعد الكارثة وليس العكس( ).

9 ويمكن القول إن برامج وسياسات التعافي السريع تنطوي على عدد من الركائز التي تسهم في مجملها في تحقيق القدر الملائم من التكيف المجتمعي مع آثار الكارثة وتداعياتها وصولاً لحالة التعافي، وتتمثل هذه الركائز فيما يلي: 1- الوقوف على حجم المخاطر: اكتسبت المجتمعات الأكثر عرضه للكوارث وكذلك المؤسسات الدولية في هذا الإطار خبرات تراكمية، مكنتها من تقدير المخاطر والآثار السلبية المحتملة، وبالتالي ساعدت هذه التقييمات في تمكين الحكومات والمحليات والأفراد من اتخاذ القرارات الملائمة لإدارة هذه المخاطر على الوجه الأمثل قدر المستطاع، ولعل كارثة تسونامي قد مثلت منعطفاً جدياً في مسار الجهود الدولية لمواجهة الكوارث، لاسيما في منطقة المحيط الهادي، حيث عمل الصندوق العالمي للحد من الكوارث بالتعاون مع البنك الدولي والبنك الآسيوي للتنمية على إجراء تقييمات تفصيلية لجغرافيا والبني التحتية لأكثر من 15 دولة في هذه المنطقة. 2- تقليص المخاطر: وذلك من خلال العمل على استباق المخاطر الكارثية وهي خطوة تالية لتوافر المعلومات والتقييمات سابقة الذكر، ويبرز دور المؤسسات الإنمائية في إطار تنفيذ هذه الخطوة، حيث العمل على إعادة هيكلة وتحسين البنية التحتية المعرضة للمخاطر، على أقل تقدير، ولعل الدور الذي لعبه البنك الدولي في تنمية مدينة تعز في اليمن مثال على ذلك، حيث أصبحت المدينة صالحة للسكن وآمنة من ناحية السيول التي هدمت بنيتها التحتية على مدى سنوات مضت. 3- مستويات الاستعداد: وهي خطوة تتصل بشكل مباشر بسابقتها، وتعتمد عليها في وجود بنية تحتية قادرة على تحمل المخاطر، وتتمثل في إمكانية وجود أنظمة للإنذار المبكر، وقد ساهم برنامج الأمم المتحدة لمواجهة الكوارث في تزويد عدد من الدول بأنظمة تمكنها من التنبؤ بتغيرات الطقس، لاسيما بلدان آسيا الوسطي والمكسيك وبولندا، وغيرها من الدول( ).

10 وختاماً، على الرغم من تركيز الجهود الدولية على استباق الأزمات والكوارث، فإن أغلب استراتيجيات إدارة الأزمات والكوارث قد ركزت على معالجة الأزمات عقب حدوثها، وفي أضيق الحالات استطاعت الحد من تفاقمها، وكذلك اعتمد التعامل مع الكوارث البيئية والطبيعية، على معالجة آثار ما بعد الكارثة، حيث افتقرت هذه الاستراتيجيات في السابق إلى آليات التنبؤ وقياس المخاطر المحتملة، غير أن بروزها كأحد مقومات هذه الاستراتيجيات قد ساعد في الحد من آثار الأزمات والكوارث إلى حد كبير، على الرغم من محدودية فعالية إدارة الأزمات نتيجة التركيز على تحقيق المصالح القومية وسوء تقدير تداعيات الأزمات.

رانيا مكرم

باحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية

والاستراتيجية

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.