Psychological Operations

الملامح العامة ل ”العمليات النفسية“ في حروب الجيل الرابع

Trending Events - Future Concepts - - مفاهيم المستقبل -

تصاعد في الآونة الأخيرة الحديث في المنطقة العربية عما يعرف ب "حروب الجيل الرابع"، بل وتحدث البعض عن إرهاصات لظهور "الجيل الخامس من الحروب" والتي تستهدف تفكيك المجتمعات من الداخل، وذلك تحقيقاً لمصالح أطرف خارجية. وأياً كان المصطلح المستخدم، فإن "مفهوم العمليات النفسية" يعد من المفاهيم المصاحبة والمفسرة لهذين الجيلين الجديدين من الحروب.

إن المفهوم يشير في أبسط تعريفاته إلى "التأثير على سلوك المجتمع المستهدف، وذلك من خلال نقل معلومات مختارة من شأنها التأثير على عواطف، ودوافع، ومنطق، وبالتبعية سلوك المجتمع المستهدف. بحيث يعد "تغيير السلوك" هو جوهر مهمة العمليات النفسية"، ورغم أن نشأة المفهوم كانت عسكرية بالأساس، إلا أن مضمونه وتطبيقاته مجتمعية، إذ يرتبط تطوير العمليات النفسية وفهمها أو مواجهتها بمجالات متعددة من علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي والإعلام.

وبداية، فإن مفهوم " العمليات النفسية" من المفاهيم القديمة، التى إرتبطت بالحروب على مدار التاريخ الإنساني، إلا أن التكنولوجيا الحديثة، واتساع شبكات التواصل الاجتماعي، قد ضاعفت من تأثيرات العمليات النفسية وساعدت على تطوير ودعم آليات النفاذ إلى المجتمعات بشكل ملحوظ، بحيث تبلورت ملامح تلك العمليات في إطار مستقل واضح المعالم. فقد ساعدت التكنولوجيا في تعزيز العمليات النفسية من خلال ثلاثة أبعاد أساسية: 1- تقاسم المعرفة.. تقاسم القوة: أدت تكنولوجيا المعلومات إلى خلق علاقات شبكية تسمح بتواصل الجماعات المختلفة، وانسياب المعلومات بين الأفراد، وهو ما مثّل قوة في صالح المجتمعات وعلى حساب الدولة، بعد أن كانت حكراً على الأخيرة. 2- سهولة النفاذ للجمهور المستهدف: بحيث تعددت وسائل النفاذ للمجتمعات والتأثير على اتجاهاتها، فوسائل الإعلام بأشكالها المختلفة من تلفزيون وصحف، ووسائل الإعلام البديل ووسائل التواصل الاجتماعي، ساعدت على نشر المعلومات "المنتقاة" للمجتمعات المستهدفة، وتنظيم البروباجندا، وأصبحت صناعة الصورة من أهم الأدوات في هذا الإطار، وبالتالي صار بالإمكان التأثير على سلوك المجتمعات المستهدفة. 3- تطوير العلوم الاجتماعية القائمة على وسائل التواصل الجديدة: على الرغم من أن هدف العلوم الاجتماعية بشكل عام فهم السلوك الإنساني، إلا أن هناك بعداً أكثر أهمية تركز عليه العمليات النفسية، وهو الذي يركز على معرفة ما الذي يؤثر على السلوك الإنساني؟، ومن أهم المجالات في هذا الصدد علم النفس السياسي وعلم الاجتماع، بحيث تطور تلك العلوم دائماً مؤشرات متقدمة لمعرفة ما الذي يجعل سلطة سياسية ما ناجحة ومتميزة وتلقى قبولاً لدى الجمهور من وجهة نظر نفسية وهو الأمر الذي يخلق "الالتزام الطوعي" للمواطنين؟ ويعد تقدم مقولات ومفاهيم العلوم الاجتماعية في هذا الشأن في غاية الأهمية لكلا العمليتين المعنيتين بالتأثير الخارجي وكذلك تلك المعنية بحماية المجتمع الداخلي من الهجمات المضادة.

وقد ترتب على تلك الأبعاد إلى جانب تصاعد التفاعلات على وسائل التواصل الاجتماعي وزيادة دورها وتأثيرها أن أصبح المجتمع وثقافته وأنماط سلوكه منكشفة، ولا يحتاج الأمر لجهود هائلة لفهمه، وأصبحت العمليات النفسية تدخل في نسيج المجتمع بصورة تلقائية غير محسوسة، مستغلة التناقضات، والاختلافات، والفروقات في المجتمع لإثارة توترات داخلية، من ناحية، وإعادة تشكيل اتجاهات وقيم الرأي العام بما يتناسب مع أهداف ومصالح أطراف أخرى من الناحية الأخرى. فتضخيم الاختلافات الطبقية والفجوات ما بين القيادات والرأي العام، والتوترات الطائفية، وغيرها من مظاهر عادة ما تتم أو تتفاقم بموجب ممارسات العمليات النفسية.

غير أن التطورات ذاتها فرضت تحديات تجعلها سلاحاً ذو حدين، بحيث وضعت الدول والأجهزة التي تمارس العمليات النفسية في مأزق أن مجتمعاتها أصبحت أيضاً منكشفة ومعرضة للممارسات ذاتها. غير أن إمكانيات الاستفادة من هذا الزخم الهائل من المعلومات وتوافر قنوات التأثير ليس بالسهولة الذي يبدو عليها، فهو السهل الممتنع، إذ يحتاج إلى إمكانيات وقدرات بشرية ومادية هائلة، ومن ثم لابد أن تمتلك الدولة لقدرات وتكتيكات العمليات النفسية للهجوم والدفاع.

ولا يقتصر توجيه العمليات النفسية في وقت الحرب فحسب، بل أنها أصبحت شاملة بشكل أو بآخر، إذ أصبحت جزءً أساسياً من

أنشطة الدول الاقتصادية، والدبلوماسية، والسياسية بوجه عام، كما أنها تستخدم أيضاً في حالات حفظ السلام، ومن جهة أخرى، أصبح استخدامها لا يقتصر على الدول، إذ أنها أصبحت أداة توجد في يد فاعلين آخرين من غير الدولة، فالشركات الكبرى، والجماعات المتطرفة، والجماعات الإرهابية أصبحت تتقن أليات العمليات النفسية والتي تنازع الدولة على الوصول إلى الرأي العام والتأثير في سلوكه.

غير أنه بالمعايير العسكرية، ينصب اهتمام العمليات النفسية على ثالوث مراكز الثقل ممثلة في: الحكومة والجيش وإرادة الشعب. ويدخل تحت مظلة مراكز الثقل تلك عدة عوامل منها الثقافة، والدين والرأي العام والمبادئ العامة، كما تنشأ علاقات ارتباطية يتم استهدافها كذلك مثل علاقة الشعب بالحكومة، وآليات تواصل الحكومة مع الشعب، فضلاً عن التأييد الشعبي للحكومة، بالإضافة إلى الدعم المجتمعي للجيش.

كما تدخل في هذا الإطار تصورات الجيش عن دعم المجتمع له، والعلاقة المتبادلة بين الجيش والإعلام، فضلاً عن العلاقة المتبادلة بين القوات المسلحة والحكومة، وتصورات القوات المسلحة عن الحكومة، وأخيراً تصورات الحكومة عن القوات المسلحة.

وتستهدف العمليات النفسية كافة هذه الأبعاد والعلاقات بين الأطراف الثلاثة، أي بين الشعب والحكومة والجيش، وتتوقف نجاح العمليات النفسية في نجاحها على التأثير سلباً على العلاقة بين الأطراف الثلاثة، لاسيما الشعب في مواجهة الجيش والحكومة.

وفي هذا الإطار، يتناول الملحق الحالي مفهوم العمليات النفسية من خلال أربعة مقالات تبدأ ب "العمليات النفسية: أبعادها وكيفية إدارتها وتطبيقاتها"، والتي تناول فيها الدكتور معتز عبد الفتاح أبعاد المفهوم وتطوره ارتباطاً بظهور حروب الجيل الرابع، وذلك في سياق الإجابة على تساؤل تم طرحه بعد التورط الأمريكي في فيتنام، وهو كيف يمكن لجيش قوة كبرى أن تلقى هزيمة عدو ضعيف؟ كما توضح المقالة الكيفية التي يتم بها إدارة العمليات النفسية وتطبيقاتها.

ومن جانب آخر، لا يقتصر استخدام العمليات النفسية على الدول وأجهزتها، بل أن الفواعل من غير الدول وبخاصة الجماعات الإرهابية استطاعت توظيف تكتيكات العمليات النفسية في التجنيد والترهيب وفي معاركها مع الدول والمجتمعات، وهو ما أثر بصورة كبيرة على سمات الأفراد المحتمل التحاقهم بالجماعات الإرهابية مقارنة بالتصورات السابقة التي استقرت لمدة طويلة، وهذا ما تناقشه مقالة الدكتور قدري حفني تحت عنوان "تحكم عن بعد: توظيف المتطرفين للعمليات النفسية في تجنيد الإرهابيين".

وفي إطار استهداف العمليات النفسية للفجوات المجتمعية والجوانب الأكثر ضعفاً داخل الدولة، تحاول مقالة دكتور سعيد المصري أن تضع إطاراً عاماُ لملامح الدول الأكثر قابلية للتأثر بالعمليات النفسية وهي المجتمعات الهشة التي تعاني من مشاكل مركبة ومتوازية تجعلها بيئة خصبة لممارسات العمليات النفسية. وذلك من خلال مقالته التي تحمل عنوان "المجتمعات الهشة: نقاط الضعف الخمسة في الدول القابلة للإختراق".

وأخيراً ينتهي الملحق بتناول الاستراتيجيات المختلفة التي تتبعها الدول في مكافحة العمليات النفسية، وذلك من واقع الخبرات الدولية، والتي توظفها الدول، سواء في مواجهة دول معادية، أو حتى جماعات من دون الدول، وذلك من خلال مقالة "تحديات جدية: كيف تواجه الدول العمليات النفسية؟ للأستاذ مصطفى سالم.

محرر الملحق

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.