العمليات النفسية:

أبعادها وكيفية إدارتها وتطبيقاتها

Trending Events - Future Concepts - - مفاهيم المستقبل - د. معتز بالله عبدالفتاح أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وبجامعة ميتشجان بالولايات المتحدة الأمريكية

لماذا يخلع جندي زيه العسكري ويسلم سلاحه ويترك موقعه في مواجهة هجمة من أعدائه عليه؟ ولماذا يذهب جندي آخر إلى ساحة المعركة وهو يعلم أن زملاء له قد ماتوا في هذا المكان نفسه؟

واحدة من العوامل التي تساعد على فهم هذه الظاهرة هي مناعة الجنود ضد العمليات النفسية التي يشنها الطرف الآخر عليه. والتي بات تأثيرها يتخطى حدود المعركة العسكرية ليشمل تهديد استقرار المجتمعات وتماسك نسيجها الوطني وثقة المواطنين في مؤسسات الدولة واحترامهم والتزامهم بقوانينها وقراراتها.

اأولاً: ماهية العمليات النف�سية

يشير مفهوم العمليات النفسية (psychological operations ) إلى: "استخدام أساليب إدارة المعلومات المغلوطة، والأفكار المنتقاة، والصور المشوهة، والأكاذيب المحبوكة، لخداع وتحريض وتوجيه وإثارة الجماعات المستهدفة (من مدنيين وعسكريين) لتبني سلوك معين يتعارض مع مصالحها، مستفيدة من: أخطاء القيادات، وجهل الشعوب، والانتهازيين".

ووفقاً لهذا التعريف، فإن العمليات النفسية قديمة قدم الصراع الإنساني ومصاحبة له بشكل أو بآخر، وإن لم تكن في إطار مؤسسي منظم. ولهذا لا تبخل علينا الكتب والمراجع بعشرات الحوادث والمقولات التي تؤكد أن صراع البشر من قديم الزمان استخدم أساليب العمليات النفسية التي كانت متاحة كافة.

فعلى سبيل المثال، قال "صن تسو"، صاحب أقدم كتب الاستراتيجية العسكرية، "إن استسلام جيش العدو لك أفضل من تدميرك له. واستسلام فرقة من فرق الجيش لك أفضل من تدميرك لها. بل إن الانتصار المادي في مائة معركة ليس التميز الأعلى، بل إن التميز، قمة التميز، هو أن تنتصر على عدوك وتخضعه دون قتال أو نقطة دم واحدة. لذا فإن التحدي الحقيقي ليس أن تدمر جيش عدوك، ولكن أن تدمر رغبته في الاشتباك".

ويضيف نابليون بونابرت بعداً آخر لا يقل أهمية للعمليات النفسية بقوله: "في العالم قوتان: قوة السيف وقوة العقل. على المدى الطويل، السيف دائماً ما يهزم من العقل". وقال كذلك: "في الحروب، تأثير الحالة المعنوية للجنود مقارنة بأهمية عددهم وعتادهم هو ثلاثة إلى واحد".

وذات المعنى أكدته مقولات خبرات واجهت الهزيمة، مثل قول الجنرال أريك فون لودندروف (Eric Von Ludendorf )، أحد قادة الجيش الألماني في الحرب العالمية الأولى التي هزمت فيها ألمانيا: "لقد كنا أشبه بفاقدي السيطرة أو الحيلة نتيجة بروباجندا العدو، مثلما يصاب الأرنب بالشلل في مواجهة الثعبان"، وعلى النهج نفسه كتب المارشال بول فون هيندنبورج (Field Marshall Paul von Hindenburg ) أحد قادة الجيش الألماني في الحرب نفسها: "لقد هاجمنا الإنجليز بوابل من القنابل لتدمير أجسادنا. ولكنهم كذلك هاجمونا بوابل من أوراق الدعاية لتدمير أرواحنا".

وحين فسر هتلر أسباب هزيمة الجيش الألماني في الحرب العالمية الأولى قال: "لقد تعلم جنودنا كيف يفكرون تحديداً بالطريقة التي أرادها لهم العدو. لذا كانت الهزيمة"، وحين قرر هتلر أن يروج لرؤيته النازية وضع مبدأ مهماً "إن كل الدعاية السياسية لابد أن تكون عامة وشاملة لكافة الناس بمن فيهم أقلهم ذكاء. الكل

لابد أن يخضع للأفكار نفسها وأن يؤمن بها".

وهو ما ترجمه بول جوزيف جوبلز، المسؤول عن حملات الدعاية في عهد هتلر بقوله: "لا فائدة من محاولة تغيير عقلية المثقفين والمتعلمين. لأن هؤلاء المثقفين والمتعلمين سيقاومون بشدة الأفكار التي تحملها دعاياتنا. حججنا لابد أن تكون واضحة وبسيطة ومحددة وغير مركبة وتتفاعل مع المشاعر والغرائز، وليس مع العقل والفكر والثقافة. الحقيقة بذاتها ليست مهمة، ولابد أن تخضع تماماً لأساليب الدعاية. الكراهية والحقد لابد أن تكون موجهة ضد أعدائنا بوضوح".

ولا يرتبط استخدام العمليات النفسية بالحروب فحسب، ولا تمارس على الجنود أثناء المعارك فقط، بل إنها تتخطى ساحة المعركة لتوجه إلى المجتمعات، وترتبط باستقرار المجتمعات كذلك، "فالروح المعنوية هي كل شيء. بالروح المعنوية العالية، لا شعب يمكن أن يفشل. وبدونها، لا شعب يمكن أن ينجح. إن الذي يصنع العقول أقوى من هذا الذي يصيغ القوانين"، كما أشار الرئيس الأمريكي، إبراهام لينكولن، وأكد على ذلك غيره من القادة الذين انتبهوا إلى أهمية الرأي العام، فقال جنرال ماك آرثر، قائد القوات الأمريكية أثناء الحرب العالمية الثانية في اليابان وكوريا: "في الظروف الحالية، لا يمكن لقائد أن يشن حرباً ناجحة من دون دعم الرأي العام الذي يتشكل بما يكتب في الصحف وأساليب الاتصال والدعاية الأخرى".

وفي واحدة من معاهد إعداد الخبراء الاستخباراتيين وقيادات الشؤون المعنوية في الولايات المتحدة (Johns Hopkins University) يدرس هؤلاء العبارة التالية: "لو ظللت تقول الحقائق لشخص ما لمدة سبع سنوات، فإنه سيصدق المعلومات الخاطئة التي ستعطيها له في اليوم الأول من العام الثامن حين تقرر أنت ذلك. إن وظيفتك الأولى، كي تسيطر على عقول الناس، أن تصنع مصداقيتك عندهم"، وقال شكسبير: "عقول العامة في آذانهم". وبالتالي من يسيطر على آذانهم يسيطر على عقولهم وبالتالي على سلوكهم.

ثانياً: تطور العمليات النف�سية... حروب الجيل الرابع

ظهرت العمليات النفسية كجزء من سؤال أكبر طرحه أندرو مارك في عام 1975 وهو: لماذا تُهزم دول قوية في معارك مع عدو ضعيف؟ وكان يتحدث بشكل مباشر عن سبب هزيمة الولايات المتحدة في حربها في فيتنام، وضرب أمثلة متعددة من تاريخ صراعات كبرى تنتهي بانتصار الأضعف مادياً وتسليحاً. وطرح تساؤلاً على الاستراتيجيين، وهو كيف تنجح الولايات المتحدة في علاج هذه المعضلة مع حقيقة أنها دائماً ستكون الأقوى عسكرياً واقتصادياً وقد تنتهي إلى الهزيمة.

وذكر أندرو مارك عوامل متعددة، كانت الأساس لما اصطلح على تسميته "الحروب غير النمطية" أو حروب الجيل الرابع. فالانتصار في المعارك ليس لمن يملك أسلحة أكثر، وإنما يكون الحسم فيها لمن هو على استعداد لمزيد من المعاناة أو تحمل تكاليف أعلى.

وعادة ما يكون الأضعف أكثر استعداداً لتحمل الخسائر في الأرواح من الطرف الأقوى الذي عادة ما يكون أكثر انفتاحاً وديمقراطية بما يجعل خسائره البشرية والمادية أداة ضغط عليه في الداخل. كما أن الأَضعف عادة ما تكون له ارتباطات قوية بجهات أجنبية تكون صاحبة مصلحة في استمرار الصراع، كما أن العقيدة القتالية في كثير من المعارك تكون محدداً مهماً لثبات الأَضعف.

فإذا كان الحال كذلك، فكيف تتصرف القوى الكبرى؟ كيف تردع قوة أضعف منها لا تخشى الهزيمة ولديها ميول انتحارية؟ وكانت الإجابة هي أن نجعل العدو في حالة اقتتال داخلي، وإضعاف ذاتي، وانقسام مجتمعي، بحيث لا يستطيع أن يفكر في الدخول في معارك خارجية ولو فكر فسيجد الدعم الداخلي ضعيفاً ولا يفيد.

وهنا قرر الغربيون أن يغيروا نمط إدارة الحروب الدائرة في العالم. بعد أن استمر البشر لأكثر من ثلاثة آلاف سنة يعيشون في الجيل الأول من الحروب القائمة على حشد الجنود والقوات في مواجهة بعضهم البعض. وفي مطلع القرن التاسع عشر، بدأ التطور في العتاد ينقلنا إلى حروب الجيل الثاني، حيث المدافع البدائية التي يتم فيها قتل وتدمير جيش العدو عن بعد، وقبل حدوث أي اشتباكات مباشرة بين جنود الجيشين. ثم شهدت الحرب العالمية الأولى بداية التطور نحو حروب الجيل الثالث التي أصبح فيها الاعتماد على التكنولوجيا، والطائرات والدبابات، والسرعة الفائقة والهجوم من الخلف بدلاً من المواجهة المباشرة والاستفادة من المعلومات التي توفرها الأقمار الاصطناعية. وعلى الرغم أن العمليات النفسية في كل أجيال الحروب السابقة كانت تلعب دوراً هاماً، لكن في حروب الجيل الرابع أصبحت العمليات النفسية هي المتغير الأهم، وكأنها الأداة التي ستجعل العدو يتجرع السم فيقتل نفسه من دون الحاجة للاقتتال معه.

ثالثاً: كيف تدار العمليات النف�سية؟

يفرق القائمون على العمليات النفسية بين عمليات نفسية شاملة، موجهة نحو جميع أفراد شعب ما، أو نحو قطاعات محددة منه لأن لهم خصائص معينة، وهنا يحدث التقسيم والاستهداف لفئات المجتمع المطلوب مواجهته (Segmentation and ). Targeting

ويرى القائمون على العمليات النفسية أن الهجوم في التوقيت المناسب أجدى من الانتظار لأن الوقت يقوي من عزيمة الطرف الآخر. فليس معنى السلام أن تتوقف الدولة عن شحذ أدواتها لعمليات نفسية قادمة، فالسلام الحقيقي يرتكز على الاستعداد للحرب وفقاً للمقولة اللاتينية المشهورة: "إذا أردت السلام فاستعد للحرب" (Sieves Pace Para Bellen )، ومن ثم يعمل القائمون على العمليات النفسية على أن يضمنوا دائماً أن تكون لهم وسائل إعلامية، وقيادات رأي عام من كل الفصائل والتوجهات، الذين يحظون بالمصداقية بما يجعلهم أدوات قابلة للاستخدام في المستقبل. وتنويع أساليب مخاطبة الجماعات المستهدفة بين اللهجة الغوغائية التي تعتمد على الصراخ والسباب في التعبير وبين

الحوار المنطقي القائم على الحجة ومخاطبة العقل.

وبصورة أكثر دقة يستخدم القائمون على العمليات النفسية أداتين أساسيتين: 1- الدعاية (Propaganda): يقصد بالدعاية هنا استخدام الوسائل الإعلامية المختلفة أو ما يطلق عليها وسائل الاتصال الجمعية (Mass Communication ) وتتمثل في الصحافة والإذاعة والتليفزيون، وهي تستهدف التأثير على الاتجاهات النفسية والعواطف بقصد تحقيق غرض معين وهو التأثير على الروح المعنوية لأفراد العدو العسكريين والمدنيين معاً. 2- الشائعات (Rumors): تعتبر سيكولوجية الشائعات من أخطر أساليب العمليات النفسية شراسة، ذلك لأنها لا ترتكز على مصدر يؤكد صدقها أو نفيها، وعادة ما ترتبط بقضية تحظى باهتمام شديد لدى قطاعات واسعة من الناس. وتعرف الشائعات بأنها: "رواية تتناقلها الألسنة دون أن ترتكز على مصدر موثوق به ويؤكد صحتها".

وعادة ما تكون الشائعات أكثر نجاحاً إذا حملت أنباء سلبية أو عبرت عن فضائح كارثية، وتتعرض الشائعات أثناء سريانها للتحريف، بل إن النكات يمكن أن تقوم بنفس دور الشائعة في تحقيق الهدف المطلوب في العمليات النفسية. والشائعات تزدهر في المجتمعات الأقل وعياً، والأكثر إحساساً بالاحتقان والظلم، والتي تعتبر تربة خصبة تجد فيها الشائعات مجالاً للنمو والتكاثر، ولهذا يحرص مصممو الشائعات أن يتحسسوا مراكز الضعف لدى الجماهير ويجدوا منها موضوعاً للشائعات، وبهذا يثيرون معارك خفية داخل البناء الاجتماعي للمجتمع وتكون هذه المعرفة المستترة قوامها التأثير على الانفعالات والعواطف والإحساسات، لأن الشائعات لا تستخدم التحليل المنطقي أو التعبير الكمي المجرد، وإنما تستخدم التأثير الوصفي الذي يفتقد العناصر الرقمية المقنعة. وعادة ما توجه الدعاية والشائعات لتحقيق الأهداف التالية: • تحطيم القيم العليا والأخلاقيات الأساسية للشعب أو للقطاعات الذي توجه إليها العمليات النفسية. • إرباك التوجه السياسي والتشكيك في المعتقدات التي تؤمن بها قطاعات مختلفة من المجتمع. • زيادة شقة الخلاف بين الحكومات وشعبها. • غرس بذور الفرقة بين أبناء الشعب. وبذلك تستطيع العمليات النفسية أن تؤثر على الفرد وتصل إلى أعماقه إذا تمكنت بأساليبها من التأثير على أفكاره وعاطفته ومشاعره أكثر من عقله. وتلعب الدعاية (Propaganda) بوسائلها المختلفة التي توجه إلى فئات معينة من الناس دوراً مهماً في مجال الحرب النفسية، وتلعب الشائعات (Rumors) دوراً خطيراً في هذا المجال، فهي تعمل على تخريب الروح المعنوية.

رابعاً: تطبيقات العمليات النف�سية ... الثغرات الخم�س

تتنوع العمليات النفسية في أهدافها على حسب الطرف الذي يشنها والطرف الموجهة له. فقد يكون الهدف من العملية النفسية ليس الحرب النفسية وإنما المساعدة النفسية بمعنى مساعدة الأصدقاء على مواجهة التحديات والمخاطر التي تواجههم، فهناك جانبان إنشائي ووقائي للعمليات النفسية لرفع الروح المعنوية وتقبل التضحيات وتحمل المخاطر. وهذا ما قامت به إنجلترا في مساندتها للمقاومة الفرنسية ضد القوات الألمانية أثناء احتلال الألمان لفرنسا.

فقد أصبحت الحرب النفسية علماً قائماً بذاته له متخصصون ويعملون على تطويره واختراع الوسائل له والطرق التي تجعل منه أداة فعّالة في كسب الحرب أو خسارتها، وفي دعم استقرار المجتمعات أو النيل من استقرارها، خاصة مع حقيقة أن أزمة الكثير من المجتمعات تكمن في نقص الوعي، ومن يحسن استغلال نقص الوعي، يستطيع أن يحقق الكثير. وبالنظر إلى خبرات الكثير من دول العالم بما فيها منطقتنا العربية، فسنجد أن هناك خمس ثغرات تستهدفها العمليات النفسية: 1- إثارة الفتنة الطائفية: والمقصود بها استغلال الانتماءات الأولية على أساس ديني أو عرقي لتمزيق النسيج الوطني والنيل من تماسكه. فلا يوجد مجتمع لا يحظى بشكل من أشكال الانقسام، ففي منطقتنا العربية هناك الانقسام السني – الشيعي أو المسلم – المسيحي أو العربي – الكردي، ولكن ما يجعل المجتمعات أضعف مناعة هو التوازي في أشكال الانقسام بما يجعل المجتمع وكأنه تجمع بين شتيت متنافر من أصحاب هويات متصارعة.

ويظهر ذلك جلياً في حالة السودان قبل الانقسام. حيث كانت الطائفية تعتمد على انقسامات متعمقة ومتوازية بين أهل الشمال، الذين يغلب عليهم أنهم مسلمون، أغنى نسبياً، يتحدثون العربية، ومنهم الحكام منذ الاستقلال، في مواجهة أهل الجنوب الذين يغلب عليهم أنهم غير مسلمين، وأفقر نسبياً، لا يتحدثون العربية، وظلوا دائماً خاضعين لحكم الشمال. وبالتالي فإن مجتمعاً بهذه المواصفات من السهل للغاية أن يخضع للعمليات النفسية المعادية

التي تمزق نسيجه.

ولرفع مناعة المجتمع ضد هذه النوعية من العمليات النفسية المعادية، لابد أن يتحول التوازي في أشكال الانقسام إلى تداخل في أشكال الانقسام عبر المواطنة الكاملة وتقاسم السلطة (power sharing). وهو الأمر الذي نجحت في تطبيقه الولايات المتحدة الأمريكية، التي تمثل نموذجاً آخر للتنوع الإثني والعرقي والديني ولكن مع فروق واضحة، حيث لا يوجد تركز للثروة في منطقة أو مناطق محددة دون غيرها، كما أن البنية الديمقراطية تسمح بأن يكون هناك تمثال متوازن لكافة الولايات، كما أن المساواة أمام القانون ترفع مناعة المجتمع ضد العمليات النفسية المعادية. 2- تهديد الثوابت الوطنية، من خلال التشكيك في وطنية مؤسسات الدولة السيادية وعلى رأسها المؤسسات الأمنية (العسكرية والشرطية) والمؤسسة القضائية، وصولاً إلى رفض الانصياع للقانون باعتباره لا يعبر عن الدولة الوطنية، ولكن يعبر عن مصالح أفراد هذه المؤسسات الخاصة. وقد تستهدف العمليات النفسية المعادية أن تصل فجوة الثقة إلى إحداث انقسام رأسي في المؤسسة العسكرية (بمعنى الصراع بين قياداتها ووحداتها) أو أفقي (بمعنى عدم طاعة الأوامر الصادرة من قمة هرمه إلى قاعدته). 3- تأجيج الصراعات الطبقية بين أقلية شديدة الثراء وأغلبية شديدة الفقر، وبينهما جهاز قمعي يحمى الأثرياء ضد الفقراء، وذلك لتصوير الوضع وكأن الدولة هي مجرد هيئة أركان الطبقة المسيطرة اقتصادياً كما ذهب كارل ماركس. وبالتالي يكون الحل هو بالخروج على هذه الدولة وتدمير مؤسساتها. وهنا تكون الدولة مطالبة بتبني برامج جادة للتنمية المتسارعة والمتوازنة. 4- تغذية التيارات السياسية المتطرفة، والمثال على ذلك في منطقتنا العربية دعم التيارات الدينية المتطرفة من خلال استغلال العاطفة الدينية الغالبة والإحباطات الشائعة بين قطاعات من الشباب مع تراجع في قدرة الخطاب الديني الرسمي على اختراق المساحات التي يشغلها الخطاب الديني المتطرف. وهنا تكون المواجهة الفكرية وتجديد الخطاب الديني والمناقشة المفتوحة لمقولات التيارات السياسية المتطرفة هي الأداة الأمثل لمواجهة العمليات النفسية المضادة. 5- خلخلة العلاقة بين المركز والهوامش أي بين العاصمة، حيث تتركز معظم المؤسسات السيادية والمناطق البعيدة عنها لاسيما إن كانت هذه المناطق البعيدة متاخمة لدول أخرى لها غير مستقرة أو يعيش فيها أناس لهم امتدادات ديموغرافية خارج الحدود. العمليات النفسية المضادة الموجهة ضد الهوامش تركز على خلخلة الهوية الوطنية وتغليب الهوية القبلية أو الدينية أو العرقية عليها.

الخاتمة

انتبهت العديد من الدول لمخاطر وتهديدات العمليات النفسية على أمنها القومي، والتي لا تظهر جلية إلا على المدى الطويل، ولذلك دأبت الدول على تبني عدد من الاستراتيجيات في مواجهة العمليات النفسية وكان من أهمها:

• مكافحة نشاط الجماعات المعادية في الداخل، أو ما اصطلح على تسميته بالفيلق أو الطابور الخامس، حيث ظهر هذا التعبير خلال الحرب الأهلية الإسبانية عندما قال الجنرال مولا أحد قادة الجنرال فرانكو: "إن أربعة فيالق تتقدم على مدريد للاستيلاء عليها ولكن هناك فيلقاً خامساً كاملاً داخل المدينة له القابلية على إنجاز ما لا يستطيع أي فيلق خارجي إنجازه". والفيلق الخامس سلاح فعال مهمته تحطيم كيان الأمم من الداخل بإضعافها وتفتيت شملها بالإشاعات لإثارة الفزع بين صفوف المواطنين وإثارة النعرات القومية والطائفية والعرقية بينهم والقيام بأعمال الشغب والتخريب التي تخلق الفوضى.

• دراسة وتحديد خريطة الأزمات المحتملة، داخل كل دولة لمعرفة الثغرات التي يمكن أن تنفذ منها العمليات النفسية، مع تبني منهج توعية شامل يستهدف تنمية الشعور بالمسؤولية لدى المواطنين مع توضيح دقيق للدور الخطير للمجموعات المعادية وإيضاح وسائلهم وأساليبهم التخريبية.

• بناء دولة المواطنة والالتزام بدولة المساواة والقانون، لتحقيق الوحدة الوطنية المتماسكة وقطع الطريق على محاولات زرع بذور الفرقة والفتنة.

• تطوير أجهزة لمواجهة الشائعات، من شأنها اتخاذ تدابير فعالة وشفافة لمواجهة الشائعات من أهمها إطلاع الشعب بشكل صادق على ما يجري بعيداً عن أساليب الخداع والمراوغة التي سرعان ما يكتشفها المواطنون.

• وضع سياسة إعلامية وطنية، موحدة للمواطنين والتحذير من محاولات إشاعة عوامل الفرقة والتناحر بين أبناء الوطن الواحد والتصدي لمثل تلك المخططات التي تسهل للأعداء تحقيق مآربهم.

• مد جسور الثقة بين الشعب والسلطة، وتعميقها والتواصل الحقيقي مع المواطنين والاستماع إلى شكاويهم وآرائهم ومناقشتها معهم.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.