لماذا ”الفاشية“مجدداً؟

Trending Events - Future Concepts - - مفاهيم المستقبل -

تتحمل الفاشية المسؤولية الأكبر عن اندلاع الحرب العالمية الثانية، الحرب الأكثر دماراً في تاريخ البشرية. وعلى الرغم من زوال النظم الفاشية بنهاية الحرب، فلايزال يشهد العالم المعاصر بين الحين والآخر بروز تيارات فاشية مختلفة، أو في أقل توصيف "يمينية قومية متطرفة"، كما يتضح من النتائج الإيجابية التي حققتها الأحزاب اليمينية في بعض الدول الأوروبية على سبيل المثال، علاوة على ظهور تيارات وأحزاب قومية ودينية متطرفة في الهند، وفي الشرق الأوسط، وفي روسيا وشرق أوروبا.

وقد عرّف "روبرت باركسون" الفاشية على أنها "نوع من السلوك السياسي يتسم بالانشغال الدائم بتراجع جماعة ما أو إذلالها أو وقوعها ضحية لجرائم ارتكبت ضدها، والسعي لتعويض ذلك من خلال عقيدة تركز على وحدة الجماعة ونقائها، ويقوم من خلالها المتعصبون القوميون بالدخول في تحالف تكتيكي مع النخب التقليدية من أجل القضاء على الحريات والديمقراطية، واستخدام العنف دون رادع أخلاقي أو قانوني كوسيلة لتحقيق النقاء الداخلي والتوسع الخارجي".

وبصفة عامة، تؤمن كل التيارات الفاشية، على اختلاف مشاربها وأهدافها، بثلاثة مبادئ أساسية، وهي: 1- الإيمان بفكرة "الأمة": والتي هي في نظرهم "كيان" له رسالة يجب الدفاع عنه، وحمايته مهما كانت التكلفة من قبل الأعداء الداخليين والخارجيين. 2- الدولة هي تجسيد للأمة: فهي الأداة التي ستساعد على تحقيق أهداف الأمة في الوقت نفسه، وهي الحامل للمشروع الأخلاقي التي تتجاوز مصالحها مصالح الأفراد والجماعات. 3- استخدام الإكراه والعنف: وهو ملمح أساسي من ملامح التيارات الفاشية، وأحد مصادر جاذبيتها، فقد اعتمدت هذه التيارات على الأجنحة شبه العسكرية، والتي تمد أنصار الحركة بتجربة مشتركة تساعدهم على الخوض في مغامرات سياسية وعسكرية.

وعلاوة على ذلك، تتشارك التيارات الفاشية على اختلافها في رفض الديمقراطية والتعددية، وتركز بدلاً عن ذلك على الانضباط الجماعي والخضوع لسلطة القائد الأعلى ونوابه، وتعتمد في ذلك على أفكار تضفي الشرعية على إجراءات خضوع العامة وتمجيد القائد، مثل العودة للماضي المجيد أو التركيز على النقاء العرقي، أو توظيف سلطة الدين.

وتتمثل أبرز العوامل التي ساعد على نشأة وانتشار الفاشية في أوروبا في فترة ما بين الحربين العالميتين فيما يلي: 1- العوامل الأيديولوجية.. دور المفكرين: على الرغم من أن الفاشية نشأت في البداية كحركة تعادي أسس المشروع الحداثي، خاصة فيما يتعلق برفض فكرة التطور والعقلانية والنزعة الكونية، فقد سادت في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين نزعة ضد التنوير والليبرالية والحداثة بين المفكرين، وبدأ العديد منهم في الإعلاء من قيمة المشاعر والعاطفة كمدخل للتأكيد على الهوية الجماعية بدلاً من النزعة الفردية، ثم بدأوا في الترويج لأفكار جديدة تضع الترابط والتلاحم والتماسك القومي كأداة رئيسية للصراع، وتدعو لحماية القيم التقليدية في مقابل القيم الحداثية الليبرالية واليسارية أيضاً.

وقد لاقت هذه الأفكار رواجاً كبيراً بعد الحرب العالمية الأولى، وتلقى أنصار الفكر القومي المتعصب هذه الأفكار وغالوا فيها، وجعلوها جزءاً لا يتجزأ من الفاشية والترويج لها.

ومن الملاحظ أن الأيديولوجيات البديلة كالشيوعية لم تلق قبولاً جماهيرياً واسعاً بسبب نزعتها المتطرفة، فيما لم تستطع الأيديولوجية الليبرالية تقديم مشروع جاذب للجماهير العريضة التي تعاني من الأزمات الاقتصادية والاضطرابات الاجتماعية والثقافية في فترة الكساد العالمي التي تلت الحرب العالمية الأولى.

2- العوامل السياسية: لقد ارتبط بزوغ الفاشية بوجود أزمة في النظم السياسية في فترة ما بين الحربين، حيث الرغبة العارمة من قطاعات واسعة في المشاركة في العملية السياسية، ولكن مع ضعف وخلل أصاب كل الأحزاب الليبرالية والمحافظة تقريباً، وعجزها عن استقطاب

الطبقات الوسطى والفلاحين، وهو ما جعلهم يشعرون بأنهم مهمشون في ظل النظم الجديدة؛ وبالتالي فقدوا الثقة فيها.

وهنا تمكن الفاشيون من تقديم نقد عميق للديمقراطية، ولاقى ذلك قبولاً واسعاً في معظم الدول الأوروبية التي خسرت بشكل مباشر أو غير مباشر بعد الحرب العالمية الأولى، فضلاً عن أن هدف الفاشية ليس الوصول للسلطة فحسب، ولكن تثوير المجتمع وتغييره بصورة كاملة من خلال إشراك جميع أفراد الشعب في عمل ثوري.

وفي بعض البلدان الأوروبية لعبت النخب دوراً في دعم وصول التيارات الفاشية للحكم، فالأحزاب المحافظة في ألمانيا وإيطاليا، ونظراً لتخوفهم من صعود اليسار، وتأثير ذلك على امتيازاتهم، توهمت خطأً أن بإمكانها توظيف الفاشية لخدمة أهدافها الخاصة، فقامت بدعم الفاشيين وأفكارهم. وقد قام الفاشيون لدى وصولهم للسلطة بالقضاء على هذه الأحزاب وعلى النظام القديم.

وفي هذا السياق لا يمكن إنكار دور بعض القيادات الكاريزمية، وتحديداً كل من موسوليني وهتلر، في اجتذاب الجماهير العريضة نحو الأفكار والممارسات الفاشية والنازية. 3- العوامل الاجتماعية: كان الفاشيون شباباً صغار السن تجمعهم صفات مشتركة، وقد شاركوا جميعاً في الحرب العالمية الأولى، واعتادوا العنف والقتال، ثم عادوا إلى مجتمعاتهم بعد الحرب، ولم تكن تلك المجتمعات متفهمة لاحتياجاتهم، وغير قادرة على إمدادهم بوظائف، كما أن أغلبهم كان يائساً محبطاً يبحث عن هدف يعتقد فيه.

وبالتوازي مع ذلك كان منظرو ودعاة الفاشية ينادون بالتغيير الثوري للمجتمع، ويغلفون أفكارهم وأهدافهم تحت ذرائع أخلاقية أسمى تتجاوز الصراع الطبقي، ويمكنها إعادة "القداسة" للمجتمع، الذي أصبح يتسم بالمادية، ويعاني من التآكل. وبالفعل نجح الفاشيون في الحصول على دعم من مختلف الطبقات الاجتماعية، بما في ذلك الفلاحون ورجال الأعمال والمهنيون والمديرون وأصحاب الحرف.

إن هذه العوامل الثلاثة السابقة لا تشرح فقط أسباب ظهور الفاشية في أوروبا في فترة ما بين الحربين، ولكنها تقدم إطاراً لفهم الحركات الفاشية الجديدة، وتحديداً أحزاب اليمين المتطرف التي ظهرت في أوروبا، وبعض دول الاتحاد السوفييتي السابق خلال السنوات الماضية، إذ تستند هذه الأحزاب إلى القومية والعنصرية كتبرير لأفكارها وأفعالها، وهو يبرزون شعبياً في الأوقات التي تعاني فيه بعض الدول ونظمها السياسية من أزمات اقتصادية ومن انتشار لبعض أنماط الفساد وغيرها.

من جانب آخر لا تقتصر خصائص الفاشية على تيارات اليمين المتطرف القومي، ولكن تجد صداها أيضاً في الماضي والحاضر لدى تيارات اليمين الديني المتطرفة، فجميع الفاشيين ينطلقون من مسلمات فكرية شبه متقاربة، ويضعون أهدافاً شبه مشتركة، ويمارسون تقريباً الأدوات نفسها، سواء أكانوا دولاً أم جماعات وحركات وتنظيمات.

ومن وجهة نظر الدكتور عبدالمنعم سعيد - كما ذكر في لقاء عام نظمه مركز المستقبل مؤخراً - فإن الفاشية وأفكارها وممارساتها قد تكون أحد المداخل المفسرة لظهور الحركات الدينية "الجهادية" المتطرفة في منطقة الشرق الأوسط، ولانتشار الخطاب الديني الفاشي، بل وتنافس الجماعات والتنظيمات الجهادية والمتطرفة في إشعاله. ويرى أن الفاشيين "الدينيين" يعشقون الشراسة والدموية، ويدعون قدرتهم على تأسيس الدولة "الأمة" وسيادة العالم، ويقسمون الناس إلى مراتب مختلفة، ويرون أنهم يحققون الجنة الموعودة إن في الأرض أو في السماء.

في هذا الإطار يقدم هذا الملحق أربعة موضوعات، تبدأ بتعريف الفاشية وكيف تبدأ، ويبحث تطورها التاريخي منذ فترة ما بين الحربين، والأسباب الموضوعية التي أدت إلى نشأة هذه التيارات، والسمات المشتركة التي تجمع أنصار ودعاة الفاشية، وأهدافهم وأدواتهم المختلفة.

ويتناول الموضوع الثاني ما يعرف ب "الفاشية الجديدة"، حيث بروز أشكال متطورة من الأحزاب والتيارات والجماعات اليمينية القومية المتطرفة، لاسيما في بعض الدول الأوروبية التي أصبحت تلعب فيها أحزاب اليمن القومي المتطرف أدواراً رئيسية يتوقع تزايدها إذا ما استمرت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

أما الموضوع الثالث فيناقش الاتجاهات المختلفة التي تثير العلاقة وأوجه الشبه بين التيارات الفاشية القومية، وبين التيارات الفاشية الدينية، حيث صعود التيارات الدينية اليمنية الأكثر محافظة وتشدداً كما برز في الولايات المتحدة في بداية القرن الحالي، أو كما يتضح بشكل أكبر في ذاك الجدل الثائر حول تيارات الإسلام السياسي والجماعات "الجهادية" التي اعتمدت أفكاراً "فاشية" ومارستها في الواقع، خصوصاً تنظيم "داعش" الإرهابي.

أخيراً يحاول الموضوع الرابع الإجابة عن: كيف تنتهي الجماعات الفاشية؟ وما هي أبرز المداخل لمواجهة الفاشية والفاشيين وأفكارهم؟ إذ تشير الخبرة الأوروبية إلى أنه قد تم التعامل مع التيارات الفاشية من خلال مواجهتها عسكرياً، كما حدث مع هتلر وموسوليني في الحرب العالمية الثانية، ولكن استتبع ذلك بناء برامج لإعادة وتأهيل المجتمعات التي تضررت من الحرب، ومكافحة الفكر الفاشي بفكر مقابل، كما قامت بعض النظم بحظر وجود الأحزاب التي تتبنى هذا الفكر المتطرف (مثل حظر الأحزاب النازية في ألمانيا)، في حين تسامحت بعض الدول الأوروبية الأخرى، مثل فرنسا مع أحزاب اليمين المتطرف، وسمحت لهم بممارسة السياسة (مثل حزب الحركة القومية).

المحرر

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.