أصول الفاشية:

كيف تبدأ؟ وما هي السمات المشتركة للفاشيين؟

Trending Events - Future Concepts - - مفاهيم المستقبل -

“الولاء المتشدد يعني انعدام التفكير، بل انعدام الحاجة للتفكير، الولاء هو عدم الوعي” - جورج أورويل، رواية 1984 تعود كلمة الفاشية إلى مصطلح غربي معروف هو(Fascism). وأصل الكلمة إيطالي يعود للرومان، وتعني "الحزمة"، كنايةً عن الترابط والتلاحم بقوة. ومع أن ثمة خلاف حول تأريخ هذا المصطلح، فمما لا شك فيه أنه حظي على شهرته الواسعة بسبب جماعة موسوليني الفاشية التي تأسست في عام 1919.

اأولاً: جذور الفا�شية والفا�شيين

تركز معظم الأدبيات النظرية التي تناقش فكرة الفاشية وتطورها وبروزها كحركة سياسية ألهبت المجريات التاريخية في القرن العشرين، على الوضع الاقتصادي والثقافي التي تنشأ فيه بذور الفاشية؛ إذ استغل دعاة الفاشية الوضع المتأزم للأيديولوجيات اليمينية والرأسمالية التي أنتجت أوضاعاً اقتصادية صعبة في تقديم أنفسهم للعامة وحث الناس على قبول معتقدات غريبة وأفكار متطرفة.

وهنا برزت الفاشية اليمينية كمحاولة من قوى اليمين المتشدد إنتاج تيار سياسي فكري يمكنه السيطرة على المشهد السياسي والاقتصادي المتأزم، كي لا يخسر المعركة السياسية أمام نظام بديل هو عادة النظام اليساري. وبالتالي فإن الحركات الفاشية التي ظهرت في القرن الماضي كانت حركات راديكالية عنيفة تجابه المد الفكري والأيديولوجي لجماعات اليسار أو التيارات الليبرالية أو حتى المحافظة التي لا تتفق معها. وكان من الممكن أيضاً أن تظهر حركات فاشية بين جماعات اليسار، لكن جرت العادة أن تكون الحركات الفاشية ذات أبعاد يمينية متطرفة.

ويتفق الكثير من الباحثين حول دور الحرب العالمية الأولى في بزوغ الفاشية، فقد كانت هذه الحرب بمنزلة الصدمة الكبيرة التي خلقت شعوراً جماعياً بأن الديمقراطية تفشل، وبأن الجميع في سباق مع الزمن للدخول في حروب أخرى، ومعهما ثار السؤال حول ما يمكن للدول الأوروبية أن تفعله في العصر الحديث بعد بشاعة الحرب وظهور الآلات القاتلة بشكل مكثف لم تعهده البشرية من قبل.

لقد كانت هذه التداعيات هي المقدمة الأبرز لظهور ثقافة الحزب الواحد والقائد الواحد، الذي يجبر البلاد على الدخول في شكل مجتمعي شبه عسكري لتحقيق النهضة والتقدم؛ ولذا لم يكن بروز الفاشية في إيطاليا حدثاً فريداً في ذاته، إذ انتشرت الحركات الفاشية في ألمانيا والنمسا واليونان وإسبانيا وغيرها، تحت ستار عودة أمجاد الماضي والإسقاطات التاريخية على أمجاد الروم.

وتحت راية الوطنية وإعلاء النزعات القومية قدمت مشروعات الفاشية نماذج كارهة للتقدم والمساواة والديمقراطية وحقوق الإنسان، لاتزال تتجلى في بعض الأحزاب والتيارات الفكرية التي تعيش اليوم، مثل حزب الفجر الذهبي باليونان، والحزب البريطاني بإنجلترا، وحركات النازيين الجدد بألمانيا، وغيرها من البلدان حول العالم. كما برزت أيضاً أحزاب تسمى ب "اليمين المتطرف" مثل: الحركة من أجل فرنسا، وحزب استقلال المملكة المتحدة، وحزب الشاي بالولايات المتحدة؛ إذ تعتبر هذه نماذج متعددة للتيارات اليمينية المتشددة، والتي يمكن أن تصنف تحت توصيف "الفاشية" في حالة توليها الحكم، أو يمكن أن يطلق عليهم مسمى "الفاشيون الجدد" أو "أحزاب ما بعد الفاشية".

ولهذا يعتقد البعض أن الفاشية ولدت "في قلب الحداثة"، وحتى إن تغير المصطلح أو تطور كفكرة أو كجماعة، فإنه سيظل

بدون شك جزءاً مهماً من الحياة السياسية في القرن الواحد والعشرين( ).

1 ويرجع ذلك في بعض التأويلات النظرية إلى أن التنبؤ بتدهور الأحوال الاقتصادية بسبب الرأسمالية والأنظمة المحافظة قد تم منذ عقود، ومن ضمن الذين تنبأوا بهذا كان المُنظِر المشهور فريدريك إنجلز، والذي ذكر أن الأحداث الاقتصادية تتسبب في ازدياد شعبية التيارات السياسية الاشتراكية، والتي تجعلهم في صدارة المشهد السياسي بحلول نهاية القرن التاسع عشر، ولذا سوف يعمل اليمينيون على توجيه ضربة استباقية ينتهكون بها الأنظمة السياسية والقانونية التي وضعوها بأنفسهم، كما أوضح إنجلز.

ويضيف مايكل مان أن "هذه الضربة الاستباقية - كما يخبرنا التاريخ - تحولت إلى حركات فاشية شمولية سلطوية بعد رؤية إنجلز بجيل أو اثنين، واستحوذت هذه الحركات الفاشية على خيال ومشاعر الكثير من أبناء أوروبا وتسببت في هلاك العديد من الضحايا من أبناء الجنسيات الأخرى والحركات السياسية المعارضة والأقليات مثل الغجر واليهود"( ).

2

ثانياً: الفا�شية القومية "اأم الفا�شيات"

تعتبر الفاشية القومية أصل كافة أنواع الفاشيات، أو كما يُقَال في الأدبيات السياسية إنها "أم الفاشيات"، فهي النوع الأول الذي عرفه العالم إبان الحرب العالمية الأولى، وأفل نجمه عقب الحرب العالمية الثانية.

ويلاحظ أن ثمة تقارباً في المفاهيم بين الفاشية القومية والقومية المتطرفة، والتي تسمى بال (Ultranationalism). ومع أن الفاشية قد تأتي في صورة ثورية أو إصلاحية كما حدث في أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى، أو كما حدث في بعض الدول الأفريقية والعربية وأمريكا اللاتينية إبان الانقلابات العسكرية؛ فإن أدوات هذه الحركات لطالما اعتمدت على البطش والقمع وإعلام الصوت الواحد والبروباجندا.

في إيطاليا، على سبيل المثال، ظهرت الحركات الفاشية في شكل حركات ثورية تسعى للقضاء على الإقطاعيين. وهذه الحركات هي التي أطلقت على نفسها لقب fascio كي توضح التزام هذه الجماعات بالاتحاد كعصبة أشبه ما تكون بالميليشيات.

وفي دولة مثل المجر، ظهرت الفاشية بعد الحرب العالمية الأولى بعد أن خسرت المجر أجزاءً عديدة من أراضيها، فقد كانت المجر أكبر خاسر جراء هذه الحرب بخسارة مساحات شاسعة من الأرض – والتي هي الطامة الكبرى لأي دولة -، وقدرت خسارتها بأنها أكبر وأعظم من خسارة ألمانيا نفسها، والتي أنتجت للعالم الشكل الأكثر رعباً للفاشية/ النازية. لقد خسرت المجر أكثر من 70% من مساحة أراضيها لقوات التحالف، وبالتالي فإن النزعة القومية قد تفاقمت بشكل مثير، مما تسبب في المزيد من التطرف والميل نحو الفاشية.

وبالنسبة لألمانيا، يلاحظ أن وضعها كان مقارباً لوضع المجر من حيث أثار الهزيمة، فقد عانت ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى من عقوبات سياسية واقتصادية وعسكرية زعزعت كل أركان الاستقرار والتقدم الألماني. وعلى الرغم من أن الحركة النازية لم تُؤخَذ على محمل الجد في بداية تكوينها، فإن تدهور الأوضاع وغياب مشاريع تجذب خيال المواطنين مهد لانتخاب أتباع أدولف هيتلر في البرلمان الألماني كي يصبحوا شركاء في حكومة ائتلافية. ومع أنهم لم يحصلوا على الأغلبية، إلا أنهم سرعان ما قضوا على الحياة الديمقراطية السياسية واستبدلوها بنظام قمعي شرس.

ثالثاً: ال�شمات الاأ�شا�شية للفا�شية والفا�شيين

يقول الروائي جورج أورويل (1903 1950) في روايته العالمية الشهيرة 1984: "إننا ندرك أنه ما من أحد يمسك بزمام السلطة وهو ينوي التخلي عنها.. إن السلطة ليست وسيلة بل غاية، فالمرء لا يقيم حكماً استبدادياً لحماية الثورة، وإنما يشعل الثورة لإقامة حكم استبدادي.. إن الهدف من الاضطهاد هو الاضطهاد، والهدف من التعذيب هو التعذيب وغاية السلطة هي السلطة، هل بدأت تفهم ما أقوله الآن؟".

لقد لامس أورويل الذي كتب روايته (1984) في عام 1949 ما أثاره من بشاعة حربين عالميتين طغى في وقتهما الاستبداد والاضطهاد والتعذيب في أنحاء أوروبا كافة، وسادت أنظمة فاشية ظنت أنه يمكنها قيادة أوروبا والعالم، لتحمل معها أسباب القيام بأفظع جرائم الإنسانية في القرن العشرين.

وتؤكد تجارب الأنظمة الفاشية، سواء أكانت تحت راية الوطن والقومية أو تحت ذرائع الدين، أن الفاشية في أبسط معانيها تعني "الديكتاتورية اليمينية المتطرفة المرتبطة في أغلب الأحيان بالتحيز اللامنطقي لقومية معينة أو حتى لدين معين في بعض الحالات".

وهنا تتشابه الحركات الفاشية في مضمونها من حيث النزعة الديكتاتورية والعنف والإخضاع والترهيب وسير أتباعها في خط مرسوم من القيادات وفق ولاء مطلق وعدم تشكيك.

في هذا الإطار قدم المؤرخ "ستانلي باين" تصنيفاً علمياً للفاشية، حيث حاول تشريح السمات الأساسية للفاشيين من واقع تجارب وخبرات الماضي، ومن أبرزها ما يلي( ):

3 • تنكر الفاشية الليبرالية والأيديولوجيات المحافظة والليبرالية وإن كانت على استعداد أن تتحالف لوقت ما مع التيارات المحافظة نظراً لاقترابهم الفكري المشترك.

• عادة ما يكون تأسيس دولة قومية قوية ديكتاتورية ذات مجتمع محافظ وتقليدي بطبقات واضحة واقتصاد مختلط هو الهدف الأساسي للفاشية كمدخل لإنشاء بذور الإمبراطورية. والغريب هنا أن أصحاب الفكر الفاشي يظنون أنهم سيحققون مجتمعاً فاضلاً مثالياً قائماً على العدل والمساواة.

• تعتمد الكثير من الحركات والأنظمة الفاشية على الخدمة التطوعية لخدمة مشروعهم الأسمى والأنبل كما يرونه، معتمدين أيضاً على خصائص سيكولوجية تتعلق بالرومانسية والغيبيات.

• يجنح الفاشيون إلى عسكرة الحياة السياسية، حيث يجعلون للجناح العسكري للحركة أو للقوات المسلحة للنظام دوراً أساسياً ومركزياً في الحياة السياسية.

أحمد أبو حسين باحث ماجستير فى جامعة أدنبره

باسكتلندا

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.