المداخل الفكرية والاجتماعية لمكافحة التطرف

Trending Events - Future Concepts - - المداخل الفكرية والاجتماعية لمكافحة التطرف -

ثمة ما يشبه الإجماع بين المتخصصين في دراسة الجماعات الإرهابية والراديكالية على أن الأدوات العسكرية ليست هي الحل الوحيد لمواجهة الإرهاب والتطرف، ولكن لابد من اتخاذ حزمة كاملة من التدابير غير العسكرية والأمنية، تشتمل على الجوانب الفكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

ويؤكد على هذه الحقيقة استمرار العديد من الجماعات الإرهابية بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، وخوض الولايات المتحدة الأمريكية حرباً ضدها، بمشاركة تحالف واسع من مختلف دول العالم، فلم تنتهِ القاعدة وأخواتها من جانب، وساعدت تداعيات مرحلة ما بعد الثورات العربية في صعود وانتشار العديد من التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها تنظيم "داعش" من جانب آخر، وتمكنت هذه التنظيمات من نشر أفكارها، وسط بيئات محلية وإقليمية وعالمية سهلت الطريق أمامها كي تخلق لها بيئات حاضنة، وتسيطر على أجزاء واسعة في العراق وسوريا، وتستقدم العديد من "الجهاديين" من خارج المنطقة العربية.

وفي ضوء هذا الانتشار الإرهابي وتهديده للمنطقة وللعالم، بدأت العديد من الدول استحداث برامج وقائية للتحصين الفكري والمجتمعي، كما بدأت الاقترابات الفكرية والثقافية والشرعية تأخذ حيزاً مهماً في جهود مكافحة الإرهاب من أجل تجنب تجنيد أعضاء جدد في التنظيمات الإرهابية، والسعي لتطبيق استراتيجيات مرنة للتعامل مع المتطرفين.

في هذا السياق، يلفت النظر تركيز العديد من الدول على اقترابين أساسيين، وهما مكافحة التطرف وعلاج المتطرفين، وذلك كجزء من جهود مكافحة التنظيمات الإرهابية التي بدأت تكتسب أو تقيم حاضنة اجتماعية لها في العديد من المناطق، حيث تعتبر هذه الاقترابات بمنزلة إجراءات وقائية تهدف إلى الحد من الدعم والتجنيد اللذين تحصل عليهما هذه التنظيمات.

وفقاً لذلك أضحت هناك ضرورة قصوى لاستخدام منهج أوسع ومتوازن يجمع بين السياسات الناعمة والذكية كدعامة أساسية من أجل مواجهة الإرهاب، إلى جانب التوجه التقليدي المعتمد على

القوة العسكرية والحلول الأمنية.

وبوجه عام لا تعد اقترابات مكافحة التطرف وعلاج المتطرفين باعتبارها "أساليب ناعمة" في مواجهة التطرف بالأمر الجديد، ولكن طبقتها العديد من الدول في مواجهة التطرف خلال العقدين الماضيين.

وتتمثل أبرز النماذج الخاصة بعلاج المتطرفين في تجربة المراجعة الفكرية التي قامت بها كل من الجماعة الإسلامية وحركة الجهاد الإسلامي في مصر في عقد التسعينيات من القرن الماضي، وتجربة اليمن مع تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية في الفترة بين عامي 2002 و2005، فضلاً عن تجربة "المناصحة" السعودية مع تنظيم القاعدة في الفترة بين عامي 2003 و2007، وتجربة إندونيسيا مع الجماعة الإسلامية في عام 2004، علاوة على تجربة الجزائر وموريتانيا وغيرها.

وفيما يتعلق ببرامج مكافحة التطرف، فتتمثل أبرز الأمثلة على ذلك في تجربة "الشرطة المجتمعية" الأسترالية التي بدأت منذ عام 2007، والتجربة البريطانية، خاصة بعد اعتماد المملكة المتحدة للاستراتيجية البريطانية لمكافحة الإرهاب في عام 2003، وتعديلاتها اللاحقة، والتي هدفت لتبني استراتيجيات مجتمعية لمكافحة التطرف.

ولدى تتبع هذا النوع من الاقترابات الذكية أو الناعمة في مكافحة التطرف، يمكن الإشارة إلى ثلاثة اقترابات رئيسية استدمتها العديد من الدول، وهي كالتالي: أولاً: اقتراب علاج المتطرفين (Deradicalization): ويقصد به العمليات التي تستهدف بصورة أساسية، إما مكافحة الأفكار المتطرفة أو وقف السلوك العنيف للعناصر الإرهابية التي تم اعتقالها.

وهنا تختلف سياسات مكافحة التطرف بين الدول إلى حد كبير، فبينما ركزت بعض الدول العربية والإسلامية على المكون الأيديولوجي والفكري للعناصر المتطرفة وسعت إلى تغييره؛ فإن تجارب الدول الغربية، خاصة البريطانية والإسكندنافية، تشير إلى

أن هذه الدول لم تعبأ بتغيير الفكر المتطرف للعناصر الإرهابية بقدر ما ركزت اهتمامها على نبذ العناصر المتطرفة للسلوك العنيف من خلال تقديم الحوافز الاقتصادية لهم، وإعادة دمجهم في المجتمع، وبيان العواقب التي ستترتب على ارتكابهم لأفعال إرهابية. ثانياً: اقتراب مكافحة التطرف (Counter-radicalization): ويستهدف بالدرجة الأولى منع ظهور البيئة المواتية لنشأة التطرف أو تكوين بيئة حاضنة للجماعات الإرهابية، ويتمثل النموذج الأساسي في هذا الإطار في كل من التجربتين الأسترالية والبريطانية. ثالثاً: اقتراب مكافحة التطرف في الفضاء الإلكتروني (Online deradicalization)، ويهدف إلى مكافحة الأفكار المتطرفة التي يتم نشرها عبر شبكة الإنترنت، خصوصاً شبكات التواصل الاجتماعي، من قبل التنظيمات الإرهابية، وذلك من خلال نشر الأفكار المضادة التي تدحض تلك الأفكار المتطرفة، وذلك باستخدام الفضاء نفسه الذي تستخدمه هذه الجماعات، ومواجهة حججهم الفقهية الخاطئة وادعاءاتهم السياسية، وذلك بهدف إفقادهم المصداقية، فضلاً عن بيان التداعيات السلبية لأعمالهم الإرهابية.

وعلى الرغم من انتشار هذه الاقترابات الناعمة في التعامل مع ظاهرة التطرف، أياً كان مصدره أو هدفه، سواء كان دينياً أم غير ديني، فإن ثمة ملاحظتين جديرتين بالذكر في هذا الصدد، وهما:

الملاحظة الأولى تتعلق بضرورة التفرقة والاختلاف الكبير بين التطرف والإرهاب، فالتطرف هو "العملية التي يتم بموجبها تبني فرد أو جماعة معينة لمعتقدات متطرفة من دون أن يعني ذلك بالضرورة قيام الفرد بسلوك عنيف"، وبالتالي فإن عمليات مكافحة التطرف تهدف إلى "تغيير الفهم الخاطئ أو الأيديولوجيا المتطرفة بمبادئ وأفكار أخرى وسطية معتدلة تؤكد على قيم التعايش والتسامح، أي أن الأفراد والجماعات يخضعون لعمليات تغيير أيديولوجي تجعلهم لا يمثلون خطراً على مجتمعاتهم".

لذا فإن استراتيجيات مكافحة التطرف تختلف بصورة كبيرة عن عمليات مكافحة الإرهاب، فالأخيرة تستهدف استخدام كل الأدوات لمحاربة التنظيمات الإرهابية والقضاء عليها بالاعتماد على الأساليب الأمنية والعسكرية كافة، إضافة إلى قطع مصادر التمويل عن الجماعات الإرهابية، وغيرها من الوسائل والأدوات الصلبة...إلخ

أما الملاحظة الثانية، فترتبط بوجود تقييمات مختلفة، وأحياناً متضاربة، حول مدى فاعلية هذه الاقترابات، ففي حين يعتبر البعض أن برامج مكافحة التطرف وعلاج المتطرفين أدوات استراتيجية لمكافحة الإرهاب على المدى الطويل، فإن هناك بعض الأصوات الأخرى التي تشكك في فاعليتها، بل ويذهب البعض إلى أن مثل هذه الجهود أخفقت في تحقيق أهدافها في الكثير من الحالات، مستنداً في ذلك بالربط بين ظهور "داعش" وبين انضمام أعداد كبيرة إليه من دول عربية وغربية وآسيوية، ومنهم عناصر إرهابية أعلنت استتابتها من قبل، ولكنها سرعان ما سارعت للانضمام للتنظيم في سوريا والعراق، أو تنظيمات محلية باسم "داعش".

ويمكن القول إن هذا الجدل حول فاعلية الاقترابات الناعمة لا يمنع من التأكيد على أنها تتمتع بقدر كبير من الأهمية. ويرجع ذلك إلى حقيقة أن عملية مكافحة الإرهاب، بما تتضمنه من استخدام العنف – وما يترتب عليه من أضرار جانبية قد تطال الأبرياء – قد تؤدي إلى زيادة الشعور بالاغتراب لدى المجتمعات التي تشهد هذه العمليات، بل وقد تدفع بعضهم للانضمام إلى الجماعات الإرهابية، بينما تستهدف عمليات علاج المتطرفين ومكافحة التطرف المجتمعات المعرضة للتطرف بصفة عامة، وكذلك العناصر المتطرفة، وذلك لضمان عدم انضمام عناصر جديدة للجماعات الإرهابية، فضلاً عن محاولة إقناع العناصر التي تطرفت بترك التطرف ونبذ العنف، تمهيداً لإعادة دمجهم في المجتمع، وبالتالي تجنب انضمام المزيد من الأفراد للجماعات الإرهابية أو التعاطف مع قضيتهم.

بيد أنه ينبغي التأكيد كذلك على حقيقة أن هذه الاقترابات لا تعتبر بديلاً للوسائل الأمنية والعسكرية في مواجهة التنظيمات الإرهابية، إذ لا يمكن التغاضي عن هذه الاستراتيجيات ضد جماعات تفرض تهديدات فعلية بالأمن القومي للدول، أو تلك التي قامت بالسيطرة على مناطق واسعة؛ ما يعني ضرورة وضع الاقترابات الناعمة في حجمها الطبيعي، فهي تكميلية، وليست بديلة في مواجهة الإرهاب والتطرف.

في هذا الإطار يسلط هذا الملحق الضوء على مفهوم علاج المتطرفين ومكافحة التطرف (Counter-de-Rad)، حيث يقدم أربعة موضوعات، يتناول أولها الأسباب المفسرة لانتشار ظاهرة التطرف على المستويات الفردية والجماعية والمجتمعية"، وأعدته الباحثة سارة يحيي.

ويركز الموضوع الثاني للدكتور شادي عبدالوهاب على الاقترابات الناعمة لمواجهة التطرف، خاصة اقترابي مكافحة التطرف، وعلاج المتطرفين (Deradicalization).

وتقدم الباحثة هالة الحفناوي في الموضوع الثالث اقتراب مكافحة التطرف الإلكتروني باعتباره أحد أهم أبعاد مواجهة التطرف والمتطرفين.

أما الموضوع الأخير فيتناول من خلاله الباحث محمد عبداله يونس تقييم الاقترابات الناعمة في مواجهة التطرف وعلاج المتطرفين، وذلك من خلال وضع معايير لتقييم سياسات مواجهة التطرف، وأوجه الضعف التي تعاني منها هذه البرامج، والوقوف على أسباب الارتداد الفكري للمتطرفين.

المحرر

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.