Policy Making

تحديات صنع السياسة الخارجية في عصر انعدام اليقين

Trending Events - Future Concepts - - مفاهيم المستقبل -

لم تعد المداخل النظرية والتطبيقية لصنع السياسة الخارجية قادرة على استيعاب التحولات الاستثنائية التي شهدتها السياقات الداخلية والإقليمية والعالمية، حيث أضحت عملية صنع السياسة الخارجية تواجه أوضاعاً تتسم بالتغير المتواصل (Ceaseless Change) والتعقيدات المتداخلة (Complexities) والغموض وعدم اليقين والافتقاد للقدرة على التوقع، فضلاً عن اندثار الحدود الفاصلة بين المستويات الداخلية والإقليمية والعالمية وتآكل التمايزات التقليدية بين الفاعلين والتصنيفات التقليدية السياسية والأيديولوجية لتوجهاتهم في ظل التعدد اللانهائي للقضايا والتهديدات التي يواجهها صانعو القرار.

ولا ينفصل ذلك عن تصاعد حالات عجز مؤسسات صنع السياسة الخارجية في مواجهة التغيرات الفجائية الخاطفة في السياقات المحيطة، والتي تؤدي لاختلال قدرة المؤسسات على أداء وظائفها الأساسية (Dysfunctional)، خاصةً ما يتعلق بجمع المعلومات عن التحولات الواقعية وتصنيفها وتحليلها وصياغة البدائل وحساب التكلفة والعائد لكل منها وتقييم مدى نجاح القرارات في تحقيق الأهداف المبتغاة بفاعلية.

وفي هذا السياق المعقد تصاعدت اتجاهات نظرية متعددة لمراجعة المُسلمات النظرية التقليدية حول صنع السياسة الخارجية وطرح مداخل نظرية جديدة للتكيف مع التحولات سالفة الذكر، ولعل أهمها دراسة (Niall Ferguson ) المعنونة (The )Meaning of Kissinger: A Realist Reconsidered والتي نشرت في مجلة الفورين أفيرز في أغسطس 2015 وتم تحويلها لكتاب بعنوان (:Kissinger) The Idealist في عام 2015 ويركز كل منهما على إشكاليات صنع وتنفيذ السياسة الخارجية التي طرحها هنري كيسنجر في كتاباته والتي يلخص بعضها معضلة صنع السياسة الخارجية في العصر الراهن.

ويُعد هذا الإسهام امتداداً لموجة من الكتابات النظرية والتطبيقية حول إشكاليات صنع السياسة الخارجية على غرار كتاب جون ايكنبري (John Ikenberry ) وتوماس نوك (Thomas .J) knockحول "أزمة السياسة الخارجية الأمريكية"، خاصةً ما يتعلق بالافتقاد للمرونة المؤسسية والقيمية للتعامل مع تحولات "عصر التحولات الكبرى"، كما طرح بيتر هيان (Peter Hain ) وزير الخارجية البريطاني الأسبق رؤية أكثر حدة في كتابه المعنون "نهاية السياسة الخارجية" (The End of Foreign Policy) تعبيراً عن التحديات التي باتت تواجه السياسة الخارجية في ظل الاندماج العالمي وصعود أدوار الشبكات العابرة للحدود والتنازع على وظائف السياسة الخارجية بين مؤسسات متعددة من تخصصات متباينة.

وفي السياق ذاته رصدت الأدبيات صعود الأدوار الخارجية النشطة لبعض الفاعلين غير الرسميين وهو ما يتجلي في الأدوار الخارجية لبعض المقاطعات والأقاليم داخل الدول في إطار ما يعرف بالدبلوماسية الموازية (Para-Diplomacy) ومكاتب التمثيل الخارجي لبعض الحركات الانفصالية والقوى السياسية العابرة للحدود، بالإضافة للتواصل الشعبي غير الرسمي الذي يتخطي سيطرة الحكومات في إطار الدبلوماسية العامة Public Diplomacy، كما تؤدي الشركات عالمية النشاط ومنظمات المجمع المدني العالمي والأفراد أدواراً مركزية على المستوى الخارجي في إطار ما يعرف بدبلوماسية المسار الثاني (Second Track) Diplomacy والدبلوماسية المتعددة (Multiple Diplomacy)، وفي هذا الصدر يمكن الإشارة لعدة إشكاليات تواجه صنع السياسة الخارجية أهمها ما يلي:

1- سقوط النماذج التقليدية: حيث إن النماذج الثلاثة الرئيسية لصنع السياسة الخارجية المتمثلة في نموذج الاختيار الرشيد )Rational Choice (Model والنموذج التنظيمي (Organizational Model ) ونموذج التفاوض الحكومي (Government Bargaining Model ) لم تعد قادرة على استيعاب التحولات الداخلية والخارجية وتعدد الفاعلين والتغير في التهديدات التي تواجه الدولة ومن ثم صعدت نماذج جديدة من أبرزها شبكات السياسات (Policy Networks ) ومداخل تحليل هياكل الفرص (Opportunity Structures ) التي تركز على التعقيد والتداخل في أبعاد عملية صنع القرار.

2- تداخل المؤثرات الخارجية: تواجه عملية صنع القرار تداخلاً

بين البيئات الثلاث المؤثرة على عملية صنع القرار، والتي تتمثل في البيئة الواقعية والبيئة التنظيمية والبيئة النفسية لصانعي القرار، مما يعوق قدرة صانعي القرار على استيعاب التحولات في ظل التعقيدات النفسية والتنظيمية التي تعترض الإدراك الكامل للمواقف وسرعة التفاعل مع التغيرات الفجائية، ويمكن إضافة الطفرة المعلوماتية وتطور وسائل التواصل الاجتماعي ضمن قائمة المؤثرات الخارجية الضاغطة على عملية صنع القرار والتي جعلت مهمة عزل دوائر صنع القرار وتحييد تأثيرات البيئات المختلفة تحدياً جوهرياً يواجه صانعي القرار المركزيين. 3- اندماج أدوار المشاركين: لم تعد دوائر صنع وتنفيذ السياسة الخارجية على الدرجة ذاتها من التحديد والانفصال الذي كانت تتسم به في فترات سابقة، حيث باتت عملية صنع القرار أقل نخبوية وانغلاقاً في ظل مشاركة مؤسسات وهيئات متعددة وفاعلين من خلفيات مختلفة في توفير المعطيات اللازمة لصنع القرار وامتلاكهم أدوات التأثير والضغط المباشر لتحقيق مصالحهم، كما لم تعد عملية تنفيذ السياسة الخارجية حكراً على مؤسسات محدودة في ظل مشاركة مؤسسات رسمية متعددة من اختصاصات مختلفة وفاعلين غير رسميين في التنفيذ، الأمر ذاته ينطبق على مراجعة السياسة الخارجية وتقييمها، وهي مهمة باتت تتجاوز دور المؤسسات التشريعية لتشمل وسائل الإعلام والرأي العام المحلي والعالمي. 4- تزايد عوائق التكيف: تصاعدت أهمية سياسات التكيف والاحتواء في ظل التغيرات الفجائية والتحولات المتلاحقة في السياقات المحيطة بعملية صنع القرار، إلا أن عوائق متعددة تعترض "سياسات التكيف" يتمثل أهمها في التشبث الفطري لدى بعض المشاركين في صنع القرار بالوضع الراهن (Status Quo) والانتقائية في قراءة المعلومات لتحقيق الاتساق الذاتي من خلال تبرير الخيارات التقليدية واتباع نهج دفاعي (Advocacy) أثناء عملية صنع القرار، ويضاف إلى ذلك تركيز بعض مؤسسات تنفيذ السياسة الخارجية على تأطير الاختيارات (Framing Choices) بحيث يتم توجيه القيادات السياسية في اتجاهات معينة مألوفة ومعتادة لدى مؤسسات تنفيذ السياسة الخارجية.

وفي مواجهة هذه العوائق تطرح بعض الأدبيات مداخل لعزيز القدرة على التكيف يتمثل أهمها في الاستعانة بتقديرات متعددة من جهات مختلفة حول دلالة وأبعاد التطورات الواقعية، والاستعانة بخبرات من خارج المؤسسات والدوائر التي تشارك عادةً في عملية صنع القرار والتركيز على التقييمات الجماعية للبدائل (Joint Evaluation ) والاعتماد على بعض اختبارات لطرح بدائل جذرية مثل اختبار "اختفاء الخيارات" (vanishing Options) الذي يقوم على استبعاد كافة البدائل المتاحة ودفع المشاركين في صنع القرار للبحث عن بدائل أخرى، كما يمكن لصانع القرار استخدام استراتيجية "ما قبل الموت" (-Pre mortem) التي تقوم على افتراض فشل السياسة المتبعة ودعوة المشاركين في صنع القرار لوضع سيناريوهات لمواجهة التداعيات وتصحيح المسار.

وفي هذا الإطار يتناول ملحق مفاهيم المستقبل لهذا العدد الإشكاليات والتحديات الرئيسية التي تواجه عملية صنع القرار من خلال التركيز على عدة قضايا، يتمثل أهمها في التأثر بالتاريخ ومعضلة المعلومات والقيود المفروضة على الرشادة والعقلانية في عملية صنع القرار وكيفية مواجهة التعقيد في سياقات صنع القرار.

ففي صدارة العدد، يتناول "محمد عبداله يونس" المدرس المساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة تأثير التعقيد على عملية صنع السياسة الخارجية في ظل تزايد التغيرات الفجائية والتحولات غير المتوقعة وتعدد الفاعلين وتشابك أدوارهم، وهو ما يفرض على صانعي القرار تبني مداخل جديدة للتكيف مع هذه التحولات غير المسبوقة، مثل التوازن بين المبادرة والترقب والتركيز على السيناريوهات غير المتوقعة وتوسيع نطاق عملية صنع القرار وتشجيع الاختلاف والابتكار والتصدي لأنماط تفكير الجماعة وسوء الإدراك.

وتناولت "مروة صبحي منتصر" المدرس المساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة قضية تأثير التاريخ في عملية صنع السياسة الخارجية، خاصةً ما يرتبط بتشكيله للذاكرة القومية للدولة والنسق العقيدي والإدراكي للمشاركين في صنع السياسة الخارجية وتأثير التاريخ على تفضيلاتهم السياسية، وفي هذا الإطار تتنازع مدرستان رئيسيتان تفسير دور التاريخ في صنع السياسة الخارجية الأولى تركز على الدورات التاريخية (Cycles of History ) والثانية تتبني الرؤية الخطية التقدمية لتطور التاريخ (Linear Progressive Perspective ).

أما "رانيا مكرم" الباحثة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية فتتناول تأثير المعلومات على عملية صنع السياسة الخارجية، خاصة ما يتعلق بتناسب المعلومات مع العامل الزمني والاتساق مع الأنساق العقيدية والإدراكية لصانعي القرار وكيفية معالجة بعض إشكاليات المعلومات مثل الجزئية والتشوه والانفصال الزمني عن تطور الواقع والتي تزيد من الغموض وانعدام اليقين وتعوق تقديم قراءة دقيقة للواقع.

وأخيراً، ركزت د.مروة نظير المدرس بالمعهد القومي للدراسات الاجتماعية والجنائية بالقاهرة على معوقات الرشادة في عملية صنع القرار، مؤكدةً أن الاختيار بين البدائل في صنع السياسة الخارجية أضحى أكثر صعوبة مما مضى، لأن معادلات تحقيق أكبر قدر من العوائد بأقل التكاليف لم تعد قائمة واقعياً في ظل التعقيدات التي فرضتها التحولات الداخلية والإقليمية والدولية والتي جعلت الاختيارات بين بدائل غير جيدة(The Choice (between) ) Two Evils النمط الأكثر شيوعاً في صنع السياسة الخارجية مما عزز من معضلة الاختيار (Dilemma of Choice ) في التعامل مع التحولات الإقليمية والدولية.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.