‪“Silicon Valley” Leadership:‬

الاتجاهات الجديدة في قيادة التغيير والابتكار

Trending Events - Future Concepts - - مفاهيم المستقبل -

طرحت شركات التكنولوجيا نموذجاً جديداً للإدارة يرتكز على الجدية الشديدة والصرامة من جانب، والابتكارية والمرونة وكسر الأنماط التقليدية التي سادت الهياكل المؤسسية لعقود طويلة من جانب آخر، إذ كان النجاح المبهر والأرباح التي جنتها شركات التكنولوجيا محفزاً بالغ التأثير في دفع الشركات الأخرى لمحاولة تغيير هياكلها وممارساتها لتكون أقرب إلى مبادئ وممارسات مدرسة "وادي السيلكون" في الإدارة، خاصة أن اتجاهات التغيير باتت حتمية في مختلف المؤسسات لحالة عدم الاستقرار والتغير السريع التي يتعرض لها النظام المالي والاقتصادي الوطني والعالمي، حيث صار من المؤكد أن زمن "العمل كالمعتاد" قد ولى إلى غير رجعة.

اأولاً: دوافع التغيير والابتكار في الم��س�سات

تواجه المؤسسات في كافة القطاعات تحولات شديدة السرعة والتعقيد تهدد بقاءها وقدرتها على المنافسة، ومن ثم تحولت إدارة التغيير إلى أحد أهم مهام القيادة لحماية المؤسسات من الاندثار، حيث أصبح على المؤسسات ابتكار منتجات وخدمات وأساليب تسويق جديدة ومقاربات واستراتيجيات غير تقليدية تمكنها من مواجهة التغير السريع في البيئة المحيطة وإعادة هيكلة الأبنية الإدارية.

وفي هذا السياق أضحت عملية التغيير مستمرة من دون توقف، إذ يتوقف بقاء المؤسسات على التقييم المتواصل للمنتجات والخدمات والاستراتيجيات للتصدي لاتجاهات الثبات والركود في عمل المؤسسات الناجحة، حيث يترتب على النجاح حالة من "الرضا عن النفس" وسيادة قناعات مضللة بعدم وجود حاجة للتغيير وشعور زائف بالأمان مما يزيد من مقاومة العاملين بالمؤسسات للتطوير والابتكار والأفكار.

ويؤدي ترسخ البيروقراطية داخل المؤسسات إلى التركيز على تطبيق القواعد واللوائح والإجراءات الداخلية والانفصال عن البيئة المحيطة بالشركة وآراء المستهلكين والتطور التكنولوجي الحديث في الصناعة، مما يقلل إدراك الفرص والتهديدات والمخاطر التي تتضمنها التحولات السريعة في السوق) .)

1

ويعد التطور التكنولوجي دافعاً أساسياً للتغيير المؤسسي بسبب سرعة إحلال وتبديل أدوات الإنتاج وأساليب تقديم الخدمات وتغير طبيعة المنتجات والخدمات، وتفضيلات المستهلكين والعملاء نتيجة السعي لاقتناء "الأفضل والأسرع والأقل تكلفة"، وهو ما يزيد الطلب على قيم المرونة والابتكار والانفتاح على البيئة الخارجية في المؤسسات المختلفة.

ومن هذا المنطلق باتت المؤسسات الحديثة تركز على تعزيز المرونة والسرعة داخل المؤسسة واستباق التغيرات التي تحدث في السوق من خلال البحث عن قيادات إبداعية تمتلك أفكاراً غير تقليدية فيما يتعلق بالتغيير، ويتم استقطاب هذه القيادات من خارج المؤسسة للتصدي للثوابت التقليدية التي تدافع عنها قيادات البيروقراطية التقليدية، وغالباً ما يستتبع ذلك تغييراً في قيادات الصف الأول داخل المؤسسة نتيجة ارتباطهم برؤية تقليدية.

وعادة ما تتبني القيادات الجديدة نهجاً يتسم بالشدة والصرامة في مطالبة مرؤوسيهم بتبني التغيير للتغلب على حالة التراخي وثقافة

الاستحقاق والمبالغة في المطالبة بالحقوق التي ترتبط بفترات النجاح الممتدة، وتعد القيادات الإدارية في شركات التكنولوجيا نموذجاً على قيادة التغيير، حيث يُروى عن ستيف جوبز أنه قرر الاستغناء فوراً عن أحد المتخصصين لأنه قال إن تطوير منتج معين غير ممكن واستبدله بآخر أكد أنه يمكنه تنفيذ المهمة.

وفي السياق ذاته اعتمدت الشركات التقليدية بعض مبادئ إدارة التغيير، ومنها على سبيل المثال شركة بيبسيكو التي تمتعت بسنوات طويلة من النجاح والمبيعات العالية، إلى أن تعرضت لهجوم واسع على منتجاتها تضمن فرض قيود حكومية متعددة من بينها منع بيعها في المدارس، بالإضافة إلى مشكلات نقص الموارد المائية في الدول ذات الأسواق الكبرى، مما أثر على قدرات الشركة على الإنتاج، ومن ثم عينت الشركة مديرة تنفيذية جديدة، وضعت رؤية وأسساً جديدة للعمل، وأخبرت المديرين بأن لديهم مهلة معينة لتطبيقها وإلا فسوف يتم الاستغناء عنهم من دون تردد) .)

2

ثانياً: مبادئ مدر�سة «وادي ال�سيلك�ن»

تعتمد شركات التكنولوجيا على مبادئ "مدرسة وادي السيلكون" في الإدارة نسبةً إلى المنطقة الجغرافية في ولاية كاليفورنيا التي تتمركز بها شركات التكنولوجيا، وتستند هذه المدرسة للتجربة الرائدة التي تشكلت في سبعينيات القرن الماضي في شركة إنتل التي حافظت على درجة عالية من الاستدامة في نجاحها.

وتقوم هذه المدرسة على تشكيل هيكل إداري وأساليب في العمل تدعم ظهور أفكار ومنتجات جديدة بسرعة ومرونة، في إطار من الجدية الشديدة وأقصى درجات الالتزام، ويعد أندرو جروف أحد مؤسسي شركة إنتل من أهم رواد هذه المدرسة الإدارية، والتي تتمثل أهم مبادئها فيما يلي: 1- القيادة الجماعية وتفكيك الهيراركية: أثبتت التجربة الأولى في شركة إنتل أن المؤسسات الناجحة في حاجة إلى رؤية ابتكاريه وإدارة حازمة في الوقت نفسه، وأن هاتين الصفتين من النادر أن تجتمعا في شخص واحد، ولذلك فهناك حاجة لفريق قيادي، يتمتع أفراده بملكات مختلفة لكن متكاملة.

وقد كانت هذه هي الحال في شركة إنتل، حيث كان لكل من أعضاء فريقها القيادي نقاط تميز وقدرات مختلفة، حيث امتلك روبرت نويس القدرة على رؤية الصورة الكبيرة ووضع الاستراتيجيات، بينما كان جوردن موور ملماً بكل التفاصيل التقنية الدقيقة، لكن كليهما كانت تنقصه القدرة على الإدارة الحازمة، وهي نقطة قوة أندرو جروف وإسهامه الحقيقي، وبدون تضافر العوامل الثلاثة، ما كانت الشركة حققت نجاحها المشهود.

يتصل بفكرة "الفريق القيادي" غياب مظاهر الهيراركية والبيروقراطية، وانفتاح هذا الفريق على كل أقسام وأنشطة الشركة، بحيث يكون متاحاً للجميع التواصل معه وإبداء الرأي وأخذ المشورة. ويتم ذلك عبر تصميم هيكل إداري يتسم بأكبر قدر من المساواة، والبعد عن المظاهر المرتبطة بالنظم الهيراركية، مثل المكاتب الفخمة البعيدة عن الأماكن التي يجري فيها العمل لكبار التنفيذيين. والمعروف عن قيادات شركة إنتل أنهم كانوا يعملون على مكاتب شديدة البساطة، تقع في قلب أماكن تجمع المهندسين والفنيين، بحيث يصبح التواصل معهم أمراً سهلاً كما أن ستيف جوبز كان يولي اهتماماً خاصاً بتصميم مقرات الشركة، بحيث تتيح أكبر قدر من التفاعل والتواصل بين العاملين) .)

3

2- صدارة معايير الكفاءة: تعد الميزة الرئيسية لكل شركات التكنولوجيا أن المعيار الوحيد لتولي الوظائف أو تقديم الأفكار لمنتجات جديدة والحصول على الدعم اللازم لتطويرها وطرحها في الأسواق، لا يرتبط بعدد السنوات التي أمضاها الشخص في الشركة، أو في المجال بشكل عام، أو بالجامعة التي تخرج منها، لكن بكفاءته وقدرته على الابتكار. ويساعد النظام الإداري الداخلي على ذلك، حيث يعتبر كل قسم بمنزلة "شركة صغيرة"، لها الحق في أخذ المبادرة وتطوير منتجات جديدة، وطلب الدعم من الأقسام الأخرى، من دون الرجوع إلى القيادات العليا بشكل مستمر. المساواة التي يتمتع بها هذا النظام تتيح للجميع طرح أفكار جديدة، أو معارضة الأفكار السائدة، وذلك استناداً إلى كفاءة الجميع وقدراتهم الابتكارية. وكل ذلك يتيح التفاعل السريع مع المتغيرات، وطرح منتجات جديدة بسرعة فائقة لتحقيق السبق على المنافسين.

-3 التقييم والمراجعة المتواصلة: طرح أندي جروف شعاراً مفاده "لا يستطيع النجاح إلا من يتحلى بدرجة كبيرة من "البارانويا" وذلك في أحد الكتب التي ألفها للتأكيد على أهمية الشك وعدم قبول المسلمات، فالتطور التكنولوجي السريع وتقلبات السوق والتغير المستمر في أذواق المستهلكين خلقت بيئة لا يستطيع الصمود فيها إلا الشركات التي تخضع كل عملياتها ومنتجاتها لأكبر قدر ممكن من التدقيق والمراجعة، وإخضاع جميع المعلومات للمراجعة ودرجة عالية من التشكيك في المسلمات.

كما تتبني القيادات الابتكارية نهجاً صارماً وجاداً في مواجهة المشكلات بصورة فورية من دون تأخير، ويقع على عاتق كل المسؤولين في الشركة المتابعة المستمرة والدقيقة لكل ما يتصل بعملهم، وتحديد المشكلات أو المخاطر بشكل مبكر وسريع، وتطوير حلول ومقاربات للتعامل معها. ومن يتخلف عن ذلك، أو لا يبدي قدرة على التعامل مع المشكلات وحلها بدرجة كبيرة من المرونة والابتكارية والقدرة على المبادرة والكفاءة لن يستمر في عمله وفق رؤية القيادة للكفاءة) .)

4

تقوم القيادة بنشر عدة قيم أساسية لتجنب مخاطر الثبات والتراخي في أداء المهام، يتمثل أهمها في عدم القبول بالتقليدي والممكن والقابل للتحقق ومطالبة العاملن بطرح ما هو غير ممكن ومحاولة تحقيقه في وقت قياسي، وعدم التسامح مع الأخطاء أو الامتناع عن تنفيذ المهام أو الادعاء بوجود عوائق تعترض التنفيذ أو تأخير تنفيذ المهام تحت أي ظرف، بحيث يصبح العمل في ظل ضغوط متعددة الواقع اليومي لعمل المؤسسات.

كارن أبو الخير المديرة التنفيذية ومستشارة العلاقات الدولية بالمركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.