‪Active Defence‬

الدفاع النشط في الاستراتيجية العسكرية الصينية

Trending Events - Future Concepts - - News - د. دلال محمود السيد مدرس الدراسات الاستراتيجية، بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة

تعد مفاهيم الدفاع ضمن أولويات العقيدة العسكرية لأي دولة لارتباطها الوثيق بالبقاء المادي والسلامة الإقليمية والمصالح الحيوية للدولة في مواجهة التهديدات الخارجية، إذ يرتبط الدفاع بالاستعداد لمواجهة العمليات الهجومية للخصوم وتأمين العمق الاستراتيجي عبر امتلاك قوة عسكرية قادرة على استيعاب الهجمات وتوجيه هجوم مضاد لمصادر التهديدات.

اأولاً: مفهوم الدفاع الن�سط

أثار مفهوم الدفاع النشط ‪Active Defense(‬ ) جدلاً بين الباحثين في الدراسات الاستراتيجية والعسكريين في ظل الخلط بينه وبين مفاهيم استباق التهديدات والأمن الوقائي، حيث إن الطرح الصيني للمفهوم في الاستراتيجية العسكرية الصينية عام 2015 تضمن دمجاً بين الأبعاد الهجومية والدفاعية في سياسات مواجهة التهديدات الإقليمية.

وعلى المستوى النظري، يُعرف "الدفاع النشط" باعتباره "القيام بأعمال هجومية محدودة وبعض الهجمات المضادة لمنع العدو من الاقتراب من المناطق المتنازع عليها") (، وبمعنى آخر يعتمد

1 الدفاع النشط على اكتشاف المؤشرات الأولية لاتجاهات عدوانية من جانب الخصوم، واتخاذ إجراءات مضادة لتعطيل واستنزاف القوات المهاجمة تمهيداً للتحول للهجوم وتوجيه ضربات مضادة، وتتمثل أهم الأركان الرئيسية لسياسة الدفاع النشط فيما يلي:

1- رصد اتجاهات العدوان: يعتمد الدفاع النشط على الرصد المبكر للاتجاهات الهجومية لدى الخصوم ووجود مؤشرات واقعية على احتدام العداء مع الخصوم حول مصالح متعارضة مثل النزاعات الحدودية والانتشار العسكري في المجال الحيوي للدولة.

2- الاستعداد المتواصل: تؤدي استدامة التهديدات للأمن القومي ووجود بوادر عدائية من جانب الخصوم لاستعداد الدولة بصورة دائمة للرد على عمليات عسكرية هجومية واسعة النطاق واتخاذ إجراءات وقائية لمواجهة الهجمات المفاجئة.

3- تجنب المبادرة الهجومية: يقوم مبدأ الدفاع النشط على امتناع الدولة عن المبادرة بالقيام بالعمليات العسكرية وترك الأطراف المعادية تقوم بالهجوم الأول الذي تركز استراتيجية "الدفاع النشط" على التصدي له ثم توجيه هجوم مضاد بقوة مضاعفة.

4- تحديد خطوط الدفاع: تتضمن استراتيجية الدفاع النشط تحديداً لخطوط الدفاع الرئيسية من خلال السيطرة الفعلية على الأرض وإجبار القوات المعادية على الاشتباك مع قوات الدولة خلال محاولة اختراق.

5- التحول من الدفاع للهجوم: تركز الدول التي تتبنى استراتيجية الدفاع النشط على تطوير القدرات العسكرية لقواتها في مجال التحول من الدفاع للهجوم، بحيث تتمكن قواتها من استيعاب الهجمات العدائية المدمرة ثم توجيه هجمات مضادة أشد تدميراً للدول المعادية) .)

2

وتوجه استراتيجيات الدفاع النشط انتقادات متعددة، يتمثل أهمها في أنها تتأسس على افتراض غير يقيني حول قدرة الدولة على رصد ومتابعة التهديدات والتحسب والاستعداد لمواجهتها،

وهو ما قد لا يتحقق في كافة الحالات في ظل تصاعد احتمالات تعرض الدولة لهجمات مفاجئة تتجاوز قدرتها على الاستيعاب والرد.

أما الانتقاد الثاني فيتمثل في التركيز على التهديدات العسكرية التقليدية النابعة من الصدامات بين الدول والصراعات الحدودية على الرغم من التغير في طبيعة التهديدات العسكرية التي باتت تشمل تهديدات عابرة للحدود لا يمكن السيطرة عليها بالمفاهيم التقليدية مثل العمليات الإرهابية والتهريب والجريمة المنظمة ونشاط الميليشيات المسلحة والتهديدات السيبرانية، فضلاً عن تصاعد الاعتماد على الوكلاء في تهديد الدولة ومصالحها الحيوية) .)

3

ثانياً: تحولات الا�ستراتيجية ال�سينية

جاء الإعلان عن الاستراتيجية العسكرية الصينية في مارس 2015 كأحد أبعاد التغير في بيئة التهديدات المحيطة بالصين، حيث تمكنت الولايات المتحدة من اختراق المجال الحيوي للصين عبر التقارب مع دول الجوار في جنوب شرق آسيا وتعزيز الانتشار العسكري في المحيط الهادي) .)

4

وفي المقابل اتخذت الصين عدداً من السياسات لتحدي الهيمنة الأمريكية اقتصادياً وعسكرياً في المحيط الهادي من خلال التحالفات المضادة والانتشار العسكري والهيمنة على الجزر المتنازع عليها مع دول جنوب شرق آسيا، لكنها حرصت في الوقت ذاته على إظهار ميلها للسلام والتعاون بديلاً عن الصراع. وقد جاءت الاستراتيجية العسكرية الصينية لتؤكد أن رؤية الصين لأمنها القومي تنبع من مساعيها للتنمية والتعاون مع الجميع، خاصة القوى الكبرى ليتجه العالم لتعددية قطبية قائمة على التعاون ومواجهة التحديات الاقتصادية والمعلوماتية والتكنولوجية المشتركة.

وركزت الاستراتيجية الصينية على الغايات الأساسية للقوات المسلحة الصينية والتي تتمثل في تأمين بقاء الدولة وسيادتها وحدودها وردع الاعتداء من دول الجوار، ومن ثم ركزت الاستراتيجية على مفهوم الدفاع النشط باعتباره الركيزة الأساسية لمواجهة التهديدات، إلا أنها أكسبت المفهوم دلالات وأبعاداً جديدة تتلاءم مع التغير في طبيعة التهديدات) .)

5

وفيما يتعلق بتطبيق مفهوم الدفاع النشط نصت الاستراتيجية الصينية على أن الصين "لن تقوم بالهجوم على الغير، إلا إذا تعرضت للهجوم، ولكن في حالة التعرض للهجوم فإن الصين ستقوم بالهجوم المضاد"، وتضمنت الاستراتيجية العسكرية تأكيداً على أن المتطلبات الجديدة لتنفيذ الدفاع النشط ترتبط بالمبادئ الأساسية التي تتمثل في: التمسك بوحدة الدفاع الاستراتيجي، والهجوم العملياتي والتكتيكي، والالتزام بمبادئ الدفاع عن النفس، والضربة المضادة التالية أو "الضربة الثانية" التي يتم توجيهها للدول المعادية التي قامت بالهجوم على الصين.

وتمثلت أهم مبادئ الدفاع النشط التي نصت عليها وثيقة الاستراتيجية العسكرية الصينية فيما يلي:

1- الاعتماد على الردع في مواجهة مصادر التهديد وفق الرؤية الشمولية للأمن الوطني.

2- التمسك بالسياسة الوطنية الدفاعية التي تدعم فرص التنمية السلمية للصين.

3- حماية السيادة الوطنية والحقوق البحرية الصينية، والحفاظ على الأمن والاستقرار بامتداد السواحل البحرية للدولة.

-4 المبادرة الاستراتيجية في الصراع العسكري، من خلال التخطيط والاستعداد لاحتمالات الصراع من خلال الاستباق وتطوير القدرات العسكرية الصينية.

5- تبني تكتيكات غير تقليدية تضمن المرونة والفاعلية في تنظيم القوات والقيام بعمليات مشتركة.

6- الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة وحرب المعلومات خلال المواجهات العسكرية وتحييد التفوق العسكري للخصوم.

7- تعزيز التعاون العسكري مع دول الجوار وتأسيس نظام للأمن الجماعي في جنوب شرق آسيا.

ثالثاً: الاتجاهات الهجومية ال�سينية

لا تنطوي الاستراتيجية العسكرية الصينية على أي إشارة على اتباع سياسة هجومية تجاه القوى الإقليمية والوجود العسكري الأمريكي في جنوب شرق آسيا في ظل التركيز على مبادئ التعايش السلمي والتركيز على الطابع الدفاعي للاستراتيجية العسكرية الصينية، إلا أن واقع التحركات العسكرية الصينية تؤكد التركيز على الهجوم واستباق التهديدات وهو ما يستدل عليه بما يلي:

1- الاستراتيجية البحرية للصين: بدأت الصين في تنفيذ المرحلة الأولى من الاستراتيجية البحرية منذ عام 2000 حتى عام 2010، ومرحلتها الثانية تمتد إلى عام 2020، بينما مرحلتها الأخيرة تنتهي في عام 2040، وتهدف هذه الاستراتيجية لإنهاء السيطرة الأمريكية على منطقة المحيط الهادي) .)

6

2- تطوير القدرات العسكرية: اتجاه الصين لزيادة وتطوير

شهدت الاستراتيجية العسكرية الصينية صعوداً للاتجاهات الهجومية والاستباقية، وعلى الرغم من ذلك يظل مفهوم الدفاع النشط مركزي في الاستراتيجية الصينية نتيجة تصاعد الاعتماد على المعلومات والأجهزة الاستخباراتية ونظم الإنذار المبكر وغرها من نظم الرادارات وأجهزة الاستشعار لرصد التهديدات والتعامل معها من خلال منصات الصواريخ، التي باتت تمثل خط الدفاع الأمامي للصن في المناطق التي تعتبرها ضمن نطاق سيادتها، فضلًا عن تجنب الصدام المباشر مع الولايات المتحدة.

قدراتها الاستراتيجية في تصنيع السلاح وتصديره، خاصة في مجال إنتاج الصواريخ الباليستية، حيث قامت الصين بتطوير نظم تسليح متطورة أبرزها الصواريخ الباليستية متوسطة المدى من طراز )دي أف- 26) DF-26(،) وكذلك طورت الصين جيلاً خامساً من الطائرات القتالية والتي تتصدرها الطائرة )جي- 31) J-31() والتي تشابه نسبياً الطائرة الروسية )سو- 35(، كما قامت الصين بتصنيع أول حاملة طائرات صينية من طراز "لياونينج"، وتقوم الصين بتصنيع حاملة طائرات ثانية تحمل طائرات من طراز "شنيانج جيه- 15."

3- تعزيز الانتشار البحري: عززت الصين من وجودها العسكري في بحر الصين الجنوبي، حيث قامت بنشر صواريخ ارض-جو ومعدات رادار وقامت بتأسيس مدارج للطائرات ومقاتلات على الجزر الصغيرة في تلك المنطقة الحيوية للملاحة العالمية خاصة التدفقات النفطية) .)

7

4- سياسة التسلح الصينية: اتجهت الصين لزيادة إنفاقها العسكري، حيث تحتل المرتبة الثانية في الإنفاق العسكري العالمي بإنفاق قدره 145.932 مليار دولار، وهو ما يعادل 25% تقريباً من الإنفاق العسكري الأمريكي، كما تشغل الصين المرتبة الأولى بين دول جنوب وجنوب شرق آسيا إذ تمثل وحدها 41% من الانفاق العسكري الإجمالي لجنوب وجنوب شرق آسيا)

.)8

رابعاً: تقييم الا�ستراتيجية ال�سينية

تتسم الاستراتيجية العسكرية الصينية بعدم التحديد فيما يتعلق بالمبادئ الرئيسية التي تعتمد عليها، وتتمثل أهم أبعاد التعارض بين وثيقة الاستراتيجية العسكرية للصين وواقع السياسة العسكرية الصينية فيما يلي:

1- تصاعد النشاط الفضائي الصيني في إطار تطبيق الدفاع النشط على الرغم من تركيز وثيقة الاستراتيجية العسكرية الصينية على التهديدات العسكرية التقليدية والتكتيكات الدفاعية التقليدية في إطار المواجهات العسكرية بين الدول والنزاعات الحدودية.

2- التركيز على مبدأ السيادة الصينية والحقوق الإقليمية للصين يتعارض مع السياسة الهجومية للصين في بحر الصين الجنوبي وسعي الصين لحسم النزاعات على الأقاليم المتنازع عليها مع دول الجوار بالقوة العسكرية، كما أن اعتبار الصين بحر الصين الجنوبي جزءاً من مياهها الإقليمية يمثل اعتداء على الحقوق الثابتة لدول الجوار) .)

9

3- مبادئ التعاون الاستراتيجي مع دول الجوار وتأسيس نظام للأمن الإقليمي في جنوب شرق آسيا لا تتوافق مع عدم قبول الصين للتفاوض مع دول الجوار حول الأقاليم المتنازع عليها.

إجمالاً، فإن الاستراتيجية العسكرية الصينية شهدت صعوداً للاتجاهات الهجومية والاستباقية، وعلى الرغم من ذلك يظل مفهوم الدفاع النشط مركزياً في الاستراتيجية الصينية نتيجة تصاعد الاعتماد على المعلومات والأجهزة الاستخباراتية ونظم الإنذار المبكر وغيرها من نظم الرادارات وأجهزة الاستشعار لرصد التهديدات والتعامل معها من خلال منصات الصواريخ، التي باتت تمثل خط الدفاع الأمامي للصين في المناطق التي تعتبرها ضمن نطاق سيادتها، فضلاً عن تجنب الصدام المباشر مع الولايات المتحدة.

وقد تؤدي الأبعاد الاستباقية الصاعدة في الاستراتيجية العسكرية الصينية إلى حدوث صدامات محدودة النطاق مستقبلاً بين الصين والقوات الأمريكية في جنوب شرق آسيا، خاصة بعد تبني الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب توجهات تقوم على التصدي للصعود الصيني ومواجهة التمدد العسكري الصيني في جنوب شرق آسيا، وهو ما يمكن اعتباره اختباراً لكيفية تطبيق استراتيجية الدفاع النشط الصينية في مواجهة الولايات المتحدة.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.