‪Strategic Hedging‬

التحوط الاستراتيجي في سياسات الدول الصغرة والمتوسطة

Trending Events - Future Concepts - - News - د. أيمن الدسوقي أستاذ مشارك، قسم العلوم السياسية، مجموعة جامعة أبوظبي للمعارف

اهتمت الدراسات الاستراتيجية بتساؤلين مهمين يتعلقان بالآليات التي تستخدمها الدول الصغيرة والمتوسطة، التي تفتقد القدر اللازم من الأمن والنفوذ للحفاظ على بقائها وتحسين أوضاعها في إطار النظام الدولي الذي يتسم بالفوضوية، بينما تُوظفه دول الفئة الثانية )القوى المتوسطة( لموازنة الدولة القائد في النظام الدولي أُحادي القطبية. وفي هذا الإطار، ظهر مفهوم "التحوّط الاستراتيجي" ‪Strategic Hedging(‬ ،) في أدبيات العلاقات الدولية.

اأولاً: اأبعاد التحوّط الا�ستراتيجي

يستهدف التحوّط الاستراتيجي إيجاد موازنة بين طريقي التوازن الصلب ‪Hard Balancing(‬ ) والتوازن الناعم Soft( Balancing،) مع تجنب المواجهة المباشرة مع الدولة القائدة بالنسبة للقوى المتوسطة في النظام الدولي، أو القوى المهدِّدة بالنسبة للدول الصغرى. ويتكون التحوّط من استراتيجيات تؤكد آليات الانخراط والتكامل مع القوى المهيمنة أو المهددة من ناحية، من خلال التعاون الأمني مثلاً، بينما تسعى في الوقت ذاته لتحقيق توازن القوى، من ناحية أخرى من خلال زيادة القدرات العسكرية للدولة وتحديثها) .)

1 وبصفة عامة، تلجأ الدول الصغرى إلى اتباع التحوّط كخيار استراتيجي من أجل تعظيم المكاسب وتجنب التبعية للقوى الكبرى أو القوى المهددة لأمنها الوطني. وهنا، تعمد الدولة الصغيرة إلى إيجاد قدر من العلاقات التعاونية مع مصدر التهديد لتجنب التهديدات أو الدخول في صراعاتٍ غير متكافئة، بينما تتبنى، في الوقت نفسه، عناصر من استراتيجية التوازن "الصلب" ضد مصدر التهديد، من قبيل الانخراط في تحالفات أمنية مع القوى المنافِسة للقوى المهددة لها، وذلك من أجل زيادة قدراتها العسكرية. ويعتبر البعض التحوّط الاستراتيجي "الطريق الذكي" لتعويض التفاوت في القوة، وقلة أدوات القوة الصلبة المتاحة أمامها، وذلك من خلال ما يتيحه للدولة الصغيرة من حرية حركة لتوظيف قوتها النسبية من أجل تحقيق بعض الاستقلالية لسياستها الخارجية.

ومع ذلك، قد تلجأ القوى المتوسطة والكبرى لتوظيف هذه الاستراتيجية لتجنب الدخول في صراعات مع بعضها البعض في ظل حالة عدم اليقين التي يتسم بها النظام الدولي، فخلال السنوات القليلة الماضية، وظّفت الصين التحوّط الاستراتيجي من أجل تجنب استعداء الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تأسيس شبكة من العلاقات مع الدول الأخرى، لتأمين حاجتها من المواد الخام، خاصة إمدادات الطاقة) .)

2 ويتقاطع التحوّط الاستراتيجي مع المدرسة الواقعية الدفاعية ‪Defensive Realism(‬ ،) فيما يتعلق باتباع استراتيجية التوازن في مواجهة أي تهديد محتمل. فالهدف المشترك لكليهما هو تعزيز الأمن وتجنب تداعيات "المعضلة الأمنية" Security( ‪Dilemma Situation‬ ،) أي دخول الدولتين في صراع، نظراً لتبنيهما سياسات تهدف إلى تعزيز قوتهما الذاتية لضمان أمنهما، ولكن كل طرف منهما ينظر إلى إجراءات الطرف الآخر على أنها مهددة لأمنه، وهو الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى الصدام، وتقويض الأمن لكليهما. أما الفارق بينهما، فيتمثل في أن استراتيجيات التحوّط تمكن بعض الدول التي تطبقها من الانخراط في تعاون أمني رسمي مضاد للدولة المهدِّدة، مع الانخراط كذلك في تعاون اقتصادي وسياسي - اجتماعي مع الأخيرة من أجل تجنب صراعٍ مستقبلي معها. ويصف بعض الباحثين هذا النوع من السلوك بأنه يقترب من

"التوازن الناعم" ‪Soft Balancing(‬ ،) حيث تتعاون الدولة مع الفاعل الأقوى، بينما توظف أدوات اقتصادية ودبلوماسية ومؤسسية متنوعة لإضعاف قوته. وتتبنى الدولة استراتيجية التحوّط إذا كانت ترى خصمها يمثل تهديداً حقيقياً ومباشراً لأمنها. ومن جهة ثانية، فإنّ السياسة الخارجية القائمة على التحوّط هي سياسة متعددة الأهداف، حيث تنتهج الدولة سياسة توازن خارجي؛ بمعنى التحالف مع فاعلين دوليين آخرين ضد القوة المهدِّدة، بالإضافة إلى الانخراط في علاقات تعاونية أو تكاملية مع الأخيرة، فضلاً عن اتباع سياسة توازن داخلي تتمثل في زيادة قدراتها العسكرية وتحديثها باستمرار) .)

3 وتختلف استراتيجية التحوّط كذلك عن الحياد، حيث إنّ الحياد يُجبر الدولة على عدم التدخل في علاقات صراعية، والتزام سلوك موحد تجاه كافة أطرافه، بينما يتيح لها التحوّط التعاون مع كلٍ من الدولة الخصم والقوى المناوئة لها، في الوقت نفسه) .)

4

ثانياً: معايير «التحوّط الا�ستراتيجي»

طوّر "تيسمان" Tessman() و"وولف" Wolfe() أربعة معايير لاعتبار سلوك الدولة حالة من حالات التحوّط الاستراتيجي. ويلاحظ أنّ الباحثَين كانا يتحدثان فقط عن التحوّط الاستراتيجي للدول الكبرى في علاقتها بالدولة القائد في إطار نظام دولي أُحادي القطبية. وهذه المعايير، هي: • تحسين الدولة لقدراتها التنافسية تحسباً لأية مواجهة عسكرية محتملة مع الدولة القائد، وزيادة احتياطاتها الاستراتيجية من السلع العامة للاستغناء عن المساعدة المقدمة من الدولة المهيمنة. • تجنب استفزاز الدولة القائد بصورة صريحة أو تجنب المواجهة المباشرة معها، سواء من خلال الدخول في تحالفاتٍ عسكرية ضدها )التوازن الخارجي( أو زيادة حجم ترسانتها العسكرية بطريقةٍ كبيرة )التوازن الداخلي(. • يجب أنْ يتم التنسيق لاتباع استراتيجية التحوّط مركزياً على أعلى المستويات الحكومية؛ لأنّها تتناول قضايا مهمة تتعلق بالأمن الوطني للدولة. • ينبغي أنْ تكون الدولة المتحوّطة مستعدة لقبول التكاليف الداخلية والخارجية للتحوّط الاستراتيجي على المدى القصير) .)

5 وبالاستفادة من هذه الرؤية النظرية وغيرها، يمكن تحديد الأبعاد التالية لاستراتيجية التحوّط الاستراتيجي في الممارسة العملية، والتي تُشكل محاولة لتطوير تعريفٍ إجرائي للمفهوم، كما يلي: 1- التعاون الأمني والدفاعي، بما في ذلك الانخراط في تحالفاتٍ رسمية، مع فاعلين )إقليميين أو دوليين( مناهضين لسياسات الدولة الكبرى أو الصاعدة مصدر التهديد للأمن الوطني للدولة. 2- تأسيس علاقات تعاونية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية مع الدولة المهدِّدة لتعزيز الاعتماد المتبادل. 3- بناء مستمر للقدرات الذاتية للدولة، خاصة زيادة التسلح، وما يرتبط بذلك من إعطاء الإنفاق الدفاعي أولوية متقدمة على ما عداه من أوجه الإنفاق العام. 4- سلوك خارجي محايد تجاه الأزمات الإقليمية أو الدولية التي تكون الدولة المهدّدة طرفاً فيها؛ أو سلوك خارجي تدخلي يرتكز كليةً على أسلوبي الوساطة والمساعي الحميدة.

ثالثاً: ثلاثة دوافع للتحوّط الا�ستراتيجي

يمكن القول إن هناك ثلاثة دوافع أساسية تجعل الدول تتبنى خيار التحوط الاستراتيجي، وهو ما يتمثل فيما يلي: 1- مواجهة التهديدات الأمنية: تلجأ بعض الدول إلى اتباع استراتيجية التحوط عندما تسعى إلى تأمين وجودها في مواجهة التهديدات والتحديات التي تواجهها، خاصة إذا كان هناك خلل في توزيع القوى بين الدولة التي تتبع هذه الاستراتيجية والدولة المهددة لها لصالح الأخيرة) (، فالتحوّط يأتي نتيجة لإدراك الخلل

6 في توزيع القوى بين الدول المختلفة في النظام الدولي، ومحاولةٌ لتقليل تأثيرها على الداخل. بعبارة أخرى، فإنّ سياسة التحوّط لا تأتي نتيجة للعوامل الداخلية وحدها، وإنما أيضاً انعكاس لهيكل النظام الدولي أو الإقليمي.

وتهدف الدول الصغرى من اتباعها استراتيجية التحوط إلى تقليل التهديدات الموجهة لاستقرارها، في ظل النظام الدولي الذي يتسم بالفوضوية Anarchic(،) ولا يتمثل دافعها في ذلك الحصول على مكاسب مادية، أو تغيير وضعها النسبي وإنما تأمينه، فأي مكانة محتملة تُحققها الدولة، أو أي اعتراف يمكن أن تناله من خلال المناورات الدبلوماسية، واستغلال المساحة بين الحلفاء والخصوم، يُدعم أمنها الوطني) .)

7 حيث تفضل بعض الدول اتباع سياسات الحياد في الصراعات الإقليمية وتحافظ على علاقات اقتصادية وأمنية وعسكرية وثيقة مع القوى الإقليمية والدولية على الرغم من التعارض في المصالح والسياسات فيما بينها بهدف تحقيق التوازن في العلاقات الخارجية للدولة وتجنب التورط في علاقات عدائية مع أيٍ من الأطراف الإقليمية والدولية.

وتعتمد الدول الصغرى والمتوسطة على أدوات متعددة للتأثير في التفاعلات الدولية، مثل تفعيل مشاركتها في المؤسسات الدولية والقيام بأدوار الوساطة والمساعي الحميدة في الصراعات والتوترات الإقليمية والنشاط الدبلوماسي في القضايا العالمية الكبرى، بالإضافة إلى المشاركة النشطة في التحالفات الدولية والإقليمية وتعزيز قدراتها العسكرية لمواجهة التهديدات المحتملة) .)

8 2- موازنة الدولة القائدة: وغالباً ما تتبع هذه الاستراتيجية القوى المتوسطة أو القوى الصاعدة إلى مرتبة القوى الكبرى في النظام الدولي، إذ إنها تلجأ إلى التحوّط؛ من أجل موازنة الدولة القائد في النظام أحادي القطبية، وذلك من خلال السعي إلى تطوير قدراتها التنافسية الاقتصادية والعسكرية، مع محاولة التكيف مع الأثر الكلي للسياسة الخارجية للدولة القائد، واستيعاب تداعياتها السلبية، فضلاً عن التكيف مع مظاهر عدم اليقين المميزة للنظم أحادية القطبية. وفي هذا الخصوص، تُعد الصين مثالاً قوياً على اتباع سلوك التحوّط الاستراتيجي. وتستخدم الصين، خاصةً، التحوّط الاستراتيجي في

مواجهة الهيمنة الأمريكية من أجل تحسين قدرتها )الاقتصادية والعسكرية( التنافسية، وفي الوقت نفسه تجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة) .)

9 3- تراجع قدرات الحلفاء: تلجأ الدول أيضاً لاتباع استراتيجية التحوّط عندما تقل القدرة النسبية للحلفاء على ضمان الأمن الجماعي للدول الأعضاء بالتحالف، بفعل تغير موازين القوة أو تدهور المقدرات الاقتصادية لهؤلاء الحلفاء، وفي الوقت نفسه زيادة القدرات الشاملة للقوى المنافِسة. وينطبق ذلك، على إقليم شرق آسيا. ففي السنوات الأخيرة، أدى صعود الصين، والصعوبات المالية والاقتصادية، التي عانت منها الولايات المتحدة إلى سيادة إحساسٍ بعدم اليقين الاستراتيجي لدى الدول الآسيوية الصغرى، ومن ثم بدأت استراتيجية التحوّط في الظهور في السياسات الدفاعية لكثيرٍ منها. وتتلخص هذه الاستراتيجية في الانخراط في تكامل اقتصادي مع الصين، وفي الوقت نفسه الاستمرار في التعاون الأمني الواسع مع الولايات المتحدة، وتحديث المقدرات العسكرية لهذه الدول) .)

10

رابعاً: المكا�سب والمخاطر المحتملة

يُتيح التحوّط الاستراتيجي للدولة الاستفادة من العلاقات "الصراعية" بين الحلفاء والخصوم، وعدم فقدان فرص التعاون مع القوى الكبرى. والحقيقة أنّ سياسات التحوّط الاستراتيجي تتحدّى التقسيم الثنائي المبسط للمدرسة الواقعية، والذي يوضح أنّ السبيل أمام الدول لتحقيق أمنها القومي هو ممارسة النفوذ أو تحقيق الاستقلالية. فإذا اختارت الدولة "النفوذ"، عليها أنْ تلتحق بتحالفٍ، وانتهاج استراتيجية توازن القوى أو سياسة التوافق مع الحلفاء. وإذا اختارت "الاستقلالية"، فعليها اتباع سياسة الحياد.

وعند استقراء السياسات الدفاعية للدول التي تتبع استراتيجية التحوط، خاصةً الدول الصغرى منها، نجد أنّها لا تقبل بهذه الثنائية التي تفرضها المدرسة الواقعية، إذ إنّ الدول الصغيرة يمكنها القيام بمواءمات عملية في بيئةٍ معقدة؛ ما يُوسع من هامش حرية الحركة المتاحة أمامها للمناورة، وبالتالي، فهي تتحدى كذلك مقولات نظرية الدولة الصغرى، التي تزعم أنّ هذه الدول لديها مساحة محدودة للمناورة في النسق الدولي) .)

11

وعلاوة على ذلك، تُعزز استراتيجية التحوّط الاستراتيجي انتشار القوة في النظام الدولي، فهي توضح أنّ السياسة الدولية ليست دائماً مباراة صفرية بين الفاعلين، وإنما يمكن تقوية التعاون وإقناع الآخرين بفكرة المصالح المشتركة، كما تُدلل هذه الاستراتيجية على أنّ العلاقات الدولية تدور حول القوة الذكية أكثر من القوة الصلبة، وهو وضعٌ يلائم الدول الصغيرة أكثر من غيرها) .)

12

وتُوصف السياسة الخارجية القائمة على التحوّط الاستراتيجي بأنّها "دقيقة أو معقدة"، وتحمل مخاطر عديدة. ومن أهم هذه المخاطر أنه في وقت الأزمات قد تُصبح الدولة الصغرى مجبرةً على إعلان نواياها صراحةً، وتحديد مع أي أطراف الأزمة تقف، وهو ما قد يحرج الدولة ويؤثر على مصالحها. كما أنّ الاستمرار في هذه الاستراتيجية قد يكون مكلفاً، ويتطلب موارد يمكن أن تُستخدم في الاتجاهين المتعارضين، كالتعاون مع إيران في بعض الملفات، وفي الوقت نفسه موازنة قوتها.

وعلى الرغم أن هذه الاستراتيجية تحقق على المدى القريب الأهداف المبتغاة منها، فإن حالة عدم اليقين المصاحبة لسلوكيات الحلفاء قد تؤثر على الأمن القومي للدول الصغرى على المدى البعيد. ولتقليل هذه المخاطر، تلجأ الدولة صاحبة هذه السياسة باستمرار إلى تقوية قدراتها الدفاعية، من خلال زيادة التسلح. ولذلك يكون الإنفاق الدفاعي له الأولوية على بنود الإنفاق الحكومي المختلفة.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.