الخوف:

أبعاد توظيف إدراك التهديدات في السياسة الخارجية

Trending Events - Future Concepts - - مفاهيم المستقبل المحرر - شادي عبدالوهاب

احتل الخوف مكانة متقدمة في حقل العلاقات الدولية منذ بداياته التأسيسية. وارتبط بصورة أساسية بالمدرسة الواقعة، فقد أشار ثيوسيديدس، المؤرخ الإغريقي، في كتابه "الحروب البولونية" إلى "أن ما جعل الحرب البولونية في القرن الخامس قبل الميلاد أمراً حتمياً هو تنامي قوة أثنيا، والخوف الذي أحدثه ذلك لدى سبارتا"، كما أشار نيقولا مكيافيلي إلى عامل "الخوف"، سواء في إطار السياسة الداخلية أو السياسة الخارجية للدول) .)

1 ويمكن الإشارة في البداية إلى أن أغلب مدارس العلاقات الدولية، خاصة المدرسة الواقعية، بشقيها الدفاعي والهجومي، فضلاً عن "مدرسة كوبنهاجن"، قد وظفت "الخوف"، وأشارت إليه صراحة أو ضمناً، من دون أن تقدم تعريفاً واضحاً له، وإن كان هناك اتفاق على أن مفهوم الخوف ينصرف لديها إلى الخوف على وجود الدولة، ومصالحها الأساسية في مواجهة التهديدات الخارجية. وسوف تسعى هذه المقالة إلى توضيح الاستخدامات المختلفة للعنف من قبل مدارس العلاقات الدولية المختلفة، فضلاً عن بيان الكيفية التي يمكن بها مواجهة التداعيات السلبية للخوف.

اأولاً: الاأدوار التي يلعبه� الخوف في العلاق�ت الدولية

استخدمت مدارس العلاقات الدولية الخوف بصورة ضمنية أو صريحة في كتاباتها، ويمكن الإشارة إلى أبرز الأدوار التي يلعبها الخوف في وجهة نظرها في التالي: 1- بناء التحالفات: لعب الخوف دوراً رئيسياً في نظرية والتز عن "الواقعية الدفاعية"، وإن لم يقدم تعريفاً واضحاً له، فقد رأى أن الخوف يلعب دوراً في تشكيل التحالفات، فحالة الخوف والعداء بين الدولتين "أ" و"ب"، هي التي تدفع كل منهما إلى السعي للحصول على دعم الدولة "ج") (. فعندما تواجه الدولة تهديداً كبيراً من دولة

2 أخرى، فإنه لا يكون أمامها سوى خيارين، وهما، إما الموازنة أو مسايرة bandwagon() مصدر التهديد، أي الدخول في علاقات تعاونية معه، أو حتى الدخول في علاقات تحالفية معه.

وقد وجد والتز من واقع دراسته العلاقات الدولية أن الأسلوب الذي تتبعه الدول غالباً هو موازنة مصدر التهديد، وأن المسايرة أو التحالف مع مصدر التهديد هو سلوك يقتصر على الدول الضعيفة والمعزولة في النظام الدولي) .)

3 ونتيجة لذلك، ظهر منطق "عدو عدوي صديقي"، وعلى سبيل المثال، فإن الدافع الرئيسي للتحالف بين الدول الغربية والاتحاد السوفييتي أثناء الحرب العالمية الثانية هو وجود عدو مشترك يفرض تهديداً وجودياً عليهما وهو ألمانيا النازية، ومع انتهاء هذا التهديد، بالقضاء على ألمانيا، فقد انتفى السبب الوحيد للتعاون بين الطرفين، وأصبحت العلاقة بينهما عدائية على نحو ما وضح في الحرب الباردة وتشكيل حلف شمال الأطلسي )الناتو(.

وتشكل الحلف خوفاً من القوة العسكرية للاتحاد السوفييتي ونواياه، ولردعه عن استخدام قوته العسكرية لشن حروب عدوان ضد الدول الأعضاء في الحلف. وفي المقابل، فإن روسيا تشعر بالخوف من انضمام دول أوروبا الشرقية إلى حلف شمال الأطلسي، نظراً لأن ذلك سيعني أن الولايات المتحدة أصبحت أكثر قرباً من الحدود الروسية) .)

4 وبالإضافة إلى دور الخوف في إقامة التحالفات، فإنه لعب دوراً إيجابياً في الحفاظ على السلام بين القوى الكبرى، فوفقاً له، فإن الدول تشعر بعدم الأمن، وهو ما يدفعها إلى امتلاك الأسلحة النووية من أجل أن تصبح أكثر أمناً، وقد كانت كل من الولايات المتحدة وروسيا تخافان من القوة النووية التي يمتلكها الطرف الآخر، وأن

هذا الخوف يمكن الاستناد إليه لتفسير أسباب حل "أزمة الصواريخ الكوبية" بصورة سلمية. وبالتبعية، فإنه يرى أن الخوف من اندلاع حرب نووية بين كل من الهند وباكستان في غير محله، نظراً لأن الأسلحة النووية تحد من أي حسابات انتهازية من قبل الطرفين) .)

5 2- امتلاك القوة والنفوذ: أوضح ميرشايمر في كتابه "مأساة سياسات القوى العظمى" ‪The Tragedy of Great Power(‬ Politics) إلى دور الخوف في دفع الدول لامتلاك القوة والنفوذ، فقد أشار إلى أن دوامة العنف سوف تتكرر في المستقبل خلال الألفية القادمة، كما هي الحال في العقود السابقة، وهو ما أرجعه إلى أن القوى العظمى التي تشكل النظام الدولي تخشى بعضها البعض، وهو ما يدفعها نتيجة لذلك إلى السعي لامتلاك القوة) .)

6 فالهدف النهائي هو امتلاك قدر من النفوذ يؤهلها لامتلاك وضع المهيمن على الآخرين، نظراً لأن ذلك هو أفضل طريقة لضمان بقاء الدولة. فاكتساب القوة يرادف الشعور بالأمن، وكلما زادت القوة، كلما زاد الشعور بالأمن، والدول التي تسعى لامتلاك النفوذ في مواجهة بعضها البعض سوف يكون محتماً عليها الصراع. ووفقاً لميرشايمر، فإن الصراع والحرب سوف يظلان يشكلان إحدى السمات الدائمة للنظام الدولي) .)

7 ويعطي ميرشايمر أمثلة على خوف القوى العظمى من بعضها البعض، ومن ذلك تخوف كل من المملكة المتحدة وفرنسا من إعادة توحيد ألمانيا في نهاية الحرب الباردة، وذلك على الرغم من أن الدول الثلاث كانت حليفة مقربة من بعضها البعض على مدار أكثر من 45 سنة) .)

8 ويرى ميرشايمر أن هناك ثلاثة أسباب تدفع الدول إلى الخوف من بعضها البعض، أولها: الطابع الفوضوي للنظام الدولي، ويقصد به غياب أي سلطة مركزية فوق الدول، والتي يكمن أن تحمي الدول في مواجهة بعضها البعض، وتنزل العقاب على الدولة المعتدية، وثانيها: أن جميع الدول تمتلك قدرات عسكرية هجومية، وهو ما يمدها بالوسائل اللازمة للإضرار بالدول المعادية أو حتى تدميرها، وثالثها: أن الدول لا يمكن أن تتأكد من نوايا الدول الأخرى، أو حتى تثق في أنها لن تستخدم قدراتها العسكرية الهجومية ضد بعضها البعض) .)

9 ويضيف ميرشايمر أن القوى العظمى عندما تقوم بمسح البيئة المحيطة بها لتحديد أي من القوى تمثل تهديداً وجودياً عليها، فإنها تركز بصورة أساسية على القدرات الهجومية لأعدائها المحتملين، وليس نواياهم، وذلك لسببين، أن النوايا تكون غير معلومة بالضرورة، كما أن الدول التي تخشى على وجودها تقوم بوضع أكثر الافتراضات سوءاً حول نوايا أعدائها. ومن جهة ثانية، يرى ميرشايمر أن القوى العظمى تخشى كذلك من القوى الكامنة لخصومها، أي تلك الدول التي تمتلك حجماً سكانياً كبيراً، واقتصادات متسارعة النمو، نظراً لأن هذا يؤهلها لامتلاك جيوش ضخمة، حتى ولو لم تترجم قوتها الاقتصادية إلى قوة عسكرية) .)

10 3- تعزيز وحدة الدولة: توظف بعض الدول "الخوف" من الأعداء الخارجيين لتعزيز وحدة المجتمع في مواجهتهم) (، بل إن هوية

11 بعض الدول قد بنيت على أساس التهديدات التي تواجهها من القوى الخارجية، سواء تمثلت في القوى الاستعمارية، أو الجماعات الإثنية المنافسة، أو غيرها من القوى التي تحاول منع الدولة من تحقيق أهدافها. وعلى سبيل المثال، فإن الدول الناشئة على أنقاض الإمبراطوريات، مثل تركيا، أو في أعقاب الاستقلال من الاحتلال الأجنبي، مثل إندونيسيا، بنت هويتها، وسعت إلى توطيدها من خلال الإشارة إلى التهديدات التي تواجهها من الدول المعادية لها في جوارها الإقليمي) .)

12 4- حشد الدعم في مواجهة التهديدات: يرى باري بوزان أن الخوف هو المشكلة الأساسية الذي يواجه الدولة وهي تدافع عن أمنها، وأن الأمن والخوف مرتبطان بصورة لصيقة ببعضهما البعض، بحيث إنه يصعب الفصل بينهما) (. وعند صياغة بوزان مع أوليفر "نظرية

13 الأمننة"، فإنهما لم يستخدما صراحة مفهوم الأمن، ومع ذلك، فإن المدرسة تتناول الحديث عن الأمن باعتباره يمثل تهديداً وجودياً، أي كوضع استثنائي يتطلب اتخاذ إجراءات غير تقليدية، فالأمن وفقاً لهذه المدرسة، ليس حالة موضوعية، بل هو نتاج تفاعلات مجتمعية وتصريحات القادة السياسيين، والتي تجعل التعامل مع القضية يتجاوز المنطق السياسي العادي) (، ومن ثم اللجوء إلى

14 تبني إجراءات عاجلة تنتهك القواعد الاجتماعية والقانونية المعمول بها في المجتمع) .)

15 وفي ضوء ما سبق، تفترض مدرسة الأمننة وجود علاقة وثيقة بين التهديد الوجودي والخوف، أي الخوف من الإبادة أو الخسارة أو التهميش، فهو خطر ماس بوجود الدولة وقيمها الأساسية) .)

16 وعلى الرغم من الإسهام القيّم الذي قدمته مدرسة الأمننة، فإن أحد أوجه القصور التي عانتها هو عجزها عن تحديد متى يكون التهديد موضوعياً، ومتى يكون مبالغاً فيه لتحقيق أجندات سياسية معينة.

5- تبرير الهيمنة الدولية: طوّر كل من بوزان وأوليويفر مفهوم "الأمننة على المستوى الدولي" Macro-securitization(،) ويقصد به محاولة القوى الكبرى صياغة تهديد أمني يواجهها على أنه تهديد يواجه أمن النظام الدولي ككل، ومن ثم ينبغي اتخاذ إجراءات جماعية في مواجهته، وذلك لتبرير هيمنتها على النظام الدولي. وقد طبقا هذا المفهوم على الولايات المتحدة كقوة كبرى تعمد إلى أمننة الحرب الدولية على الإرهاب، وفرض ذلك على المجتمع الدولي، وذلك لتبرير هيمنتها على النظام الدولي، وقيادة المعسكر الغربي، وفي بعض الأحيان، قد تسايرها الدول الأخرى، التي تكون لها مصلحة في توظيف تهديد الإرهاب لتحقيق مصالحها الذاتية، ومن ذلك استغلال الحرب على الإرهاب من قبل روسيا والصين وإسرائيل، لتحقيق أجنداتها الخاصة، وليس الأجندة الأمريكية.

وعلى الجانب الآخر، فإن أمننة الحرب على الإرهاب قد تجد معارضة كبيرة من جانب عدد من الدول التي ترى أن الحرب الدولية على الإرهاب ما هي إلا وسيلة أمريكية لتحقيق أهدافها وتمرير سياساتها في الشرق الأوسط، ولا تكترث للتهديد الذي يمثله الإرهاب على الحضارة الغربية) .)

17

ث�ني�ً: �صبل الحد من تداعي�ت الخوف

هناك طريقتان أساسيتان في كيفية مواجهة العنف، وفقاً لمدارس العلاقات الدولية، وهو ما يمكن تفصيلهما على النحو التالي: 1- افتراض الأسوأ: وهو ما يتمثل في المدرسة الواقعية الهجومية ‪Offensive Realism(‬ ) بصورة أساسية، والتي ترى أنه يجب على الدول أن تفترض أسوأ السيناريوهات حول نوايا الدول الأخرى، وذلك نظراً لأن الدول، هي بطبيعتها عدوانية، إما لأن النظام الدولي يتصف بالفوضوية، أي غياب سلطة عليا فوق الدول، تفرض قيوداً على الدول المعتدية، أو نظراً لأن الأفراد بطبيعتهم يمتلكون نزعة مفرطة لامتلاك القوة والهيمنة.

وتتوقف قدرة الدولة على التهديد على القدرات التي تمتلكها )العسكرية(، وإن كانت هناك عوامل تحد من هذا العدوان، مثل نظام القطبية السائد في النظام الإقليمي أو الدولي، بالإضافة إلى العوامل الجغرافية، مثل وجود محيطات تحيط بالدولة، فضلاً عن الاعتبارات الخاصة بالسياسة الداخلية) (، ووفقاً لهذه المدرسة، فإن

18 إمكانية التعاون بين الدول معدومة، باستثناء التعاون بين دولتين في مواجهة عدو مشترك. 2- بحث فرص التعاون: يؤمن أنصار المدرسة الواقعية الدفاعية ‪Defensive Realism(‬ ،) وكذلك المدرسة المؤسسية والبنائية، بإمكانية التعاون بين الدول في ظل النظام الفوضوي. وترى المدرسة الواقعية الدفاعية أنه يمكن أن تنشأ علاقات تعاون بين دولتين نواياهما حسنة، وهو ما يؤهلهما لتجنب "المعضلة الأمنية" أو الدخول في حروب غير ضرورية.

وفي حال واجهت الدولة نوايا غير معلومة لها، فإنها قد تبدي نواياها السلمية، وتسعى لاستكشاف فرص بناء علاقات تعاونية تدريجية. وبطبيعة الحال، فإن أنصار المدرسة الواقعية يرفضون "افتراض الأسوأ" في نوايا الدول، لعدة اعتبارات تأتي في مقدمتها التداعيات السلبية لهذا التوجه، إذ إن افتراض الأسوأ سوف يكبد الدولة إنفاقاً عسكرياً باهظاً، كما أنه سيدفع الدول الأخرى إلى تبني أسلوب مشابه، وهو ما تترتب عليه زيادة حدة "المعضلة الأمنية"، أي أنه على الرغم من محاولة الدولتين تعزيز أمنهما الذاتي، من خلال اكتساب مزيد من القوة العسكرية، فإن مخاوف الدولتين، نتيجة لزيادة الإنفاق العسكري، تزداد، وهو ما يترتب عليه في النهاية زيادة الشعور بالخوف وتقويض الأمن) .)

19 وتذهب المدرسة المؤسسية لتؤكد إمكانية التعاون من خلال إقامة مؤسسات لبناء الثقة وتسهيل وتعزيز فرص التعاون، بينما يذهب أنصار المدرسة البنائية Constructivism() إلى تأكيد إمكانية تغيير العلاقات العدائية بين الدول، وإقامتها على أسس قيمية تعاونية) .)

20

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.