المسار الثاني:

دور اللقاءات غير الرسمية في تسوية الصراعات بين الدول

Trending Events - Future Concepts - - مفاهيم المستقبل -

استخدم مصطلح دبلوماسية المسار الثاني ‪Track Two(‬ diplomacy) لأول مرة في عام 1981 من قبل الدبلوماسي الأمريكي السابق "جوزيف مونتفيل" للإشارة إلى تلك الحوارات غير الرسمية التي يتم إجراؤها من أجل علاج الصراعات المستعصية) .)

1 ولا يوجد اتفاق حول تعريف مفهوم "دبلوماسية المسار الثاني"، وهو ما يرجع إلى الاختلاف حول مجموعة من العوامل أبرزها عدم تطابق الرؤى حول شكل الأنشطة التي يمكن أن تندرج تحت مسمى دبلوماسية المسار الثاني، والاختلافات حول تحديد الفاعلين الرئيسيين فيه، ناهيك عن اختلاف آخر حول رؤية موقع ذلك النمط من الدبلوماسية من عملية التفاوض الرسمي التي تتم بين أطراف النزاع. ففي حين يشار إلى المسار الثاني باعتباره عملية تسبق عملية التفاوض الرسمي، فإنه في بعض الحالات الأخرى يكون موازياً للمفاوضات الرسمية التي يجريها ممثلو الدولة) .)

2 ومن التعريفات الشائعة ما قدمه "جوزيف مونتفيل" على أنها: "تفاعل غير حكومي وغير رسمي، بين أعضاء الجماعات أو الدول المتصارعة، من أجل تطوير استراتيجيات مبتكرة لعلاج الصراع، والتأثير على الرأي العام في اتجاه قبول التسوية، بصورة تسهم في النهاية في التوصل لتسوية سلمية للصراع") .)

3 وينبغي الإشارة هنا إلى الاختلاف بين دبلوماسية المسار الأول والثاني، فالأولى تشير إلى الدبلوماسية الرسمية بين الدول، أما الثانية فتقوم على التفاعل غير الرسمي بين الممثلين غير الرسميين المحسوبين على الأطراف المتنازعة، وبالتالي فإنه لا يجب النظر إلى المسار الثاني باعتبارها نقيضاً أو بديلاً للمسار الأول، بل هو مكمل وداعم له) .)

4 وعادة ما يكون المشاركون والرعاة للمسار الثاني هم أشخاص غير حكوميين) (؛ مثل المنظمات غير الحكومية الإقليمية والدولية،

5 وكذلك الناشطين من مختلف الخلفيات المهنية، والذين قد يكونون رجال دولة سابقين، أو متخصصين نفسيين، أو محامين، أو ناشطي سلام، أو صحفيين، أو علماء في مجال العلوم الاجتماعية، أو أكاديميين، أو قادة مدنيين، أو قادة مجموعات نسائية أو إغاثية) .)

6

اأولً: تقييم فاعلية الم�سار الثاني

تملك دبلوماسية المسار الثاني نقاط قوة مثلما تملك نقاط ضعف. فعلى صعيد نقاط القوة التي ناقشها بشكل منفصل كل من مونتفيل (1991(، أوري )1999(، ساندرز )1991(، ريان )1995،) وليديراش )1997(، فإن أبرز ما يميز دبلوماسية المسار الثاني مجموعة من النقاط يمكن إجمالها في الآتي: 1- التحرر من القيود الرسمية: إذ إن هذا النوع من المفاوضات يتم بعيداً عن حسابات السلطة السياسية المعقدة، والتي قد تعيق التوصل إلى تسوية، إذ إن المنخرطين في هذا المسار أكثر تحرراً من الخوف التقليدي الموجود لدى المسؤولين الرسميين الناتج عن الحسابات الانتخابية، وفقدان الدعم الشعبي. 2- إشراك قادة المجتمع المدني: إذ يُمَكن هذا المسار المجموعات المهمشة أو المستبعدة من لعب دور في تحقيق السلام في مجتمعاتها، خاصة أن كثيراً ما يكون هؤلاء المشاركون هم قيادات شعبية أو وسطى على اتصال مباشر مع الصراع) .)

7 وفي مقابل نقاط القوة هذه، فإن نقاط الضعف يمكن إجمالها فيما يلي: 1- محدودية التأثير: وهو ما يرجع إلى افتقاد المشاركين في المسار الثاني القدرة على التأثير في السياسات الرسمية بسبب افتقارهم للسلطة السياسية.

2- طول الفترة الزمنية: إذ يستغرق هذا النوع من الدبلوماسية وقتاً طويلاً لتحقيق أي نتائج ملموسة، وقد لا ينجح في تغيير تصورات أطراف النزاع، خاصة في مرحلة الحرب. 3- تراجع الدعم أحياناً: إذ إن المشاركين في هذا المسار نادراً ما يحصلون على الموارد اللازمة والكافية للاستمرار، بالإضافة إلى مشكلة غياب التنسيق بين مختلف منظمات المجتمع المدني المشاركة في دبلوماسية المسار الثاني) .)

8

ثانياً: اأهداف دبلوما�سية الم�سار الثاني

لا تخرج أهداف دبلوماسية المسار الثاني عن هدفين أساسيين يمكن إيجازهما في التالي: 1- المسار الناعم ‪:)Soft Track(‬ ويتعلق بالمقاربة النفسية– الاجتماعية للنزاع، ويكون الهدف منه تغيير رؤية الخصوم المتبادلة وتصوراتهم حول النزاع ككل، وأن يسود لديهم اعتقاد بأنهم سيربحون من وراء نجاح المحادثات السلمية. ونظراً لأن الذين يتم تغيير معتقداتهم حول الصراع، إما أنهم على اتصال بمسؤولين رسميين مرتبطين بمفاوضات السلام الرسمية، أو ممن ينتمون إلى المجتمع المدني، وبالتالي يستطيعون التأثير على مدركات الأفراد العاديين حول الصراع على المدى البعيد) .)

9 وما يجعل هذا المسار ناعماً، هو أن الدبلوماسية هنا لا تستهدف إنتاج وثيقة تستخدم في عملية التفاوض الرسمية، لكنها تستهدف تأسيس جسور بين أطراف النزاع عبر بناء علاقات ثقة وفهم مشترك قد تفتح اتصالات حول عملية السلام في مرحلة تالية. 2- المسار الصلب ‪Hard Track(‬ :) يُعَد تعبيراً عن مسار يحمل أجندة أكثر تركيزاً؛ مثل إنتاج وثيقة مكتوبة قد تسهل التوصل إلى اتفاق سياسي بين أطراف الصراع حتى وإن كانت غير ملزمة لها، خاصة حينما يقدم المشاركون على النقاش حول قضايا حساسة لا يمكن التعامل معها بشكل رسمي، خاصة إذا كانت الأطراف المتصارعة لا تعترف ببعضها البعض، وبالتالي لا تستطع الدخول في مفاوضات رسمية علنية) .)

10

ثالثاً: ابرز التجارب الدولية

شهدت دبلوماسية المسار الثاني تطبيقاً في عدد من الحالات الصراعية، وأسهمت مخرجاتها في وضع الأسس التي استندت إليها التسويات النهائية، كما في حالتي إيرلندا الشمالية وجنوب أفريقيا، في حين أنها لم تلق نجاحاً واضحاً في بعض الحالات الأخرى، مثل الصراع العربي – الإسرائيلي. 1- إيرلندا الشمالية: لعبت دبلوماسية المسار الثاني دوراً في التوصل إلى "اتفاق الجمعة العظيمة" ‪Good Friday Agreement(‬ ،) والذي تم توقيعه في عام 1998، وساهم في التمهيد لإنهاء النزاع بين البروتستانت )الداعين للوحدة مع بريطانيا( والكاثوليك )القوميين الراغبون في الانفصال( في إيرلندا الشمالية.

وفي إطار دبلوماسية المسار الثاني، أطلقت مئات المبادرات التي سعت لخلق قنوات اتصال غير رسمية بين أطراف الصراع. وقد نجحت هذه المبادرات في جذب آلاف المشاركين من البروتستانت والكاثوليك لورش العمل التي نظمت من قبل منظمات غير حكومية لمناقشة سبل تحقيق العيش المشترك، وذلك على الرغم من أن الانقسام المجتمعي كان حاداً لدرجة أن الحوار بين الطرفين كان يعد جرماً مجتمعياً.

وتعد المبادرة الشهيرة لجامعة أولستر Ulster() من أبرز المشاريع الأكاديمية التي اجتذبت أطراف الصراع المختلفة، بالإضافة للأحزاب السياسية ومجتمعات الأعمال. كما كانت هناك مبادرة عرفت تاريخياً ب "مبادرة 92"، وهي عبارة عن برنامج غير رسمي تم إطلاقه بغرض استطلاع رأي السكان المحللين عن سبل حل النزاع.

وقد تلقى هذا المشروع– الذي شُجب من قبل أغلب الساسة وقتها– ما يقرب من ال 500 مقترح، وقد سعى لاحقاً لإدماج المقترحات في نقاشات أوسع لتطوير وتبادل الأفكار ووجهات النظر حول سبل تسوية الصراع، وصدرت المخرجات في النهاية في كتاب شهير عرف ب "تقرير أوبسال" ‪Opsahl Report(‬ ) كان له دور مهم لاحق في الوصول إلى اتفاق بين الأطراف المتنازعة.

ومن جهة أخرى، لعب رجال الدين من الكنيسة الكاثوليكية دوراً في تيسير ورش عمل غير معلنة عبر سنوات عدة بين حزب "الشين فين"، الجناح السياسي للجيش الجمهوري الإيرلندي، والبروتستانت) .)

11 2- جنوب أفريقيا: تبدو تجربة جنوب أفريقيا مساحة أخرى لتطبيق دبلوماسية المسار الثاني، والتي مهدت الطريق للمفاوضات الرسمية التي عقدت بين النخب البيضاء والأغلبية السوداء، والتي كان يتزعمها حزب المؤتمر الوطني الأفريقي بزعامة نيلسون مانديلا، حيث نظمت عشرات الاجتماعات في الفترة من 1985 وحتى 1990 تخللها ثلاثة لقاءات أساسية عقدت في زامبيا 1985 وداكار 1987، ولندن في العام نفسه، وكان لها أثر فعّال على القرارات الرسمية.

وقد استهدفت تلك اللقاءات إيجاد مدخل لحل النزاع عبر تحسين العلاقات بين المجموعات المتصارعة من خلال اللقاءات المباشرة، والتمهيد لمفاوضات رسمية عبر استكشاف فرص التسوية بشكل غير رسمي. وكالعادة، فقد قوبلت تلك اللقاءات بانتقادات عنيفة من قبل الأصوات الأكثر تشدداً لدى الأطراف المتنازعة.

وقد تمثل أول هذه اللقاءات في مبادرة زامبيا عام 1985، حين قابل مجموعة من رجال الأعمال والصحفيين قادة حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، وتم التركيز على مناقشة مخاوف رجال الأعمال من فكرة التأميم لدى حزب المؤتمر الوطني ذي التوجهات اليسارية، ووضع البيض حال سيطرة السود على الحكم. وكانت أبرز نتائج تلك اللقاءات إصدار حزب المؤتمر الوطني "وثيقة الحقوق" في منتصف 1988، والتي كانت بمنزلة إطار دستوري سعى من خلالها للرد على المخاوف التي أُثيرت في اجتماعات زامبيا.

وأعقبتها مبادرة داكار في عام 1987، والتي ضمت 61 من النخب الأفريكانز– بينهم برلمانيون– مع 17 مسؤولاً من حزب المؤتمر الوطني، وقد استهدفت تلك اللقاءات كذلك مناقشة الضمانات التي يمكن أن تقدم للبيض حال انتهاء الابارتهايد، واختُتمت بإصدار بيان من الأطراف المتحاورة دعا الجميع إلى ضرورة اللجوء

للتفاوض الرسمي لإنهاء النزاع.

وبين عامي 1987 و1990 التقى مجدداً ممثلون من حزب المؤتمر الوطني الأفريقي مجموعات نخبوية من الأفريكانيرز، والتي كانت على صلة قوية بالحكومة في جنوب أفريقيا ومنظمة "رابطة الأخوة" ‪League of Brotherhood(‬ ،) والتي كانت تتمتع بنفوذ كبير على البيض، وقد بحثت 6 اجتماعات في لندن الضمانات التي يمكن أن يٌقدمها حزب المؤتمر الوطني حال انتهاء نظام الأبارتهايد، وإمكانية تخلي الحزب عن سلاحه، كما تطرقت إلى قضايا أخرى متعلقة بالأمن والعملية السياسية ومحتوى المفاوضات المستقبلية.

وبشكل عام، تبدو حالة جنوب أفريقيا واحدة من أكثر الحالات تأثراً بدبلوماسية المسار الثاني، لما ساهم فيه هذا المسار غير الرسمي من خلق قبول تدريجي داخل المجتمع وبين النخب حول التفاوض الرسمي، وكسر حالة الجمود في المجتمع بعد أن كان الحديث عن التفاوض بمنزلة أحد التابوهات، بالإضافة للتطمينات التي قدمت للأطراف المختلفة حول عملية التفاوض) .)

12 3- الصراع العربي– الإسرائيلي: يعد الخلاف حول قضية مدينة القدس وقضايا المياه من أبرز المحاور التاريخية للصراع الفلسطيني– الإسرائيلي على المستوى الرسمي. وقد مثلت القضيتان مساحة واسعة لدبلوماسية المسار الثاني، وتحديداً خلال فترة التسعينيات والسنوات القليلة التي تلتها.

فعلى صعيد قضية المياه، أُطلقت مبادرات بتيسير من مؤسسات مجتمع مدني عدة، من بينها مبادرة مركز إسرائيل – فلسطين للبحث والمعلومات، ومبادرة ترومان – المجموعة الاستشارية الفلسطينية، وقد سعت تلك المبادرات إلى تنظيم لقاءات عدة بين خبراء فلسطينيين وإسرائيليين للمشاركة في وضع تصورات وطرح حلول تلبي مصالح الطرفين تضمن تسوية النزاع حول قضية المياه. وقد ضمَت تلك اللقاءات التي أخذت شكل موائد مستديرة خبراء، وتقنيين، وأكاديميين، وشخصيات ذات تأثير في السياسات المتعلقة بالمياه على الجانبين.

وبالمثل، وعلى صعيد قضية القدس، كانت هناك مبادرتان بارزتان، إحداهما أطلقتها مؤسسة التعاون الاقتصادي ومجتمع الدراسات العربية، وأخرى يسرها مركز السلام والتعاون الدولي ومعهد أورشليم للدراسات الإسرائيلية، وقد أخذت تلك المبادرات شكل ورش عمل وموائد مستديرة، ضمت خبراء وسياسيين من الجانبين، وسعت بشكل رئيسي للاشتباك مع قضية القدس من منظور إداري وتقني وسياسي وقانوني لتحديد وضع نهائي للمدينة بعد توقيع اتفاقية أوسلو، أو عبر التركيز على قضية السيادة عليها وإدارتها وتنظيم حدودها.

وقد ساهمت مخرجات تلك المبادرات في بدء التحضيرات لمفاوضات "كامب ديفيد" في عام 2000، وبدا أثر تلك المبادرات أكثر تجلياً في مفاوضات "طابا" 2001، والتي استفادت مما أنتجته المبادرات غير الرسمية من معلومات وخرائط وبيانات مفصلة تم استخدامها من قبل صانعي القرار والمفاوضين الرسميين، غير أن تلك المبادرات لم تنجح في التوصل لتسوية نهائية للقضايا الخلافية بين الجانبين) .)

13 وفي الختام، يمكن القول إن دبلوماسية المسار الثاني ساهمت بشكل واضح في كسر الحاجز النفسي بين طرفي الصراع، وتمهيد القبول المجتمعي للتسوية السلمية للصراع، ومع ذلك، فإنه من أجل ضمان فاعليتها لابد من وجود دعم من جانب المؤسسات الرسمية للدولة، وإلا فإنها ستبقى مجرد مقترحات لا تجد طريقها للتنفيذ.

عمرو صلاح باحث متخصص في العلاقات الدولية، ماجستير العلاقات الدولية، جامعة إكستر. المملكة المتحدة.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.