Decentralization

تطبيقات اللامركزية اFدارية المنطقة العربية

Trending Events - Future Concepts - - خب[ متخصص الشؤون العربية -

برز خلال السنوات الأخيرة الحديث عن "اللامركزية الإدارية" في المنطقة العربية، وذلك كوسيلة للحفاظ على وحدة الدول العربية في مواجهة دعوات التقسيم والفيدرالية التي انتشرت بقوة، وبصفة خاصة في دولتي سوريا وليبيا، كمدخل لحل الصراعات الداخلية التي تشهدها كلتا الدولتين، حيث أعلن أكراد شمال سوريا النظام الفيدرالي في 17 مارس 2016، وتطالب عدد من قبائل الشرق الليبي في منطقة برقة بإقامة نظام فيدرالي اتحادي بين أقاليم ليبيا الثلاثة: برقة وطرابلس وفزان.

وفي إطار ما سبق تبرز أهمية التعرف على مفهوم "اللامركزية الإدارية"، وأنماطها ومقومات قيامها كشكل من أشكال الإدارة المحلية، يعطي للسكان المحليين دوراً أكبر في إدارة شؤونهم الداخلية مع الحفاظ على الوحدة السياسية والدستورية للدولة، وهو ما يتناقض تماماً مع "اللامركزية السياسية" التي تقوم على الازدواج السياسي والدستوري، كما سيتم تناول بعض النماذج الواقعية للامركزية الإدارية، خاصة تلك الدول التي لجأت إلى اللامركزية الإدارية للتصدي لدعوات إقامة نظام فيدرالي، وهو ما يظهر في الحالة الليبية على وجه الخصوص.

اأولاً: تعريف اللامركزية الاإدارية

تتعدد التعريفات التي تناولت مفهوم "اللامركزية الإدارية"، لعل من أبرزها تعريف مجموعة البنك الدولي، والذي عرف "اللامركزية الإدارية" بأنها "إعادة توزيع السلطة والمسؤولية والموارد المالية بين المستويات المختلفة للحكومة لتوفير الخدمات العامة، فهي نقل المسؤولية عن التخطيط والتمويل والإدارة لوظائف عامة محددة من الحكومة المركزية وهيئاتها إلى الوحدات الميدانية للهيئات الحكومية، والوحدات أو المستويات الحكومية الأدنى، والسلطات أو الهيئات العامة التي تتمتع بحكم شبه ذاتي، والسلطات الإقليمية أو الوظيفية"( .(

1 ويعرفها الباحث البريطاني "مودي جرام" Modei( Grame) بأنها "مجلس منتخب تتركز فيه الوحدة المحلية، ويكون عرضة للمسؤولية السياسية أمام الناخبين )سكان الوحدة المحلية(، ويكون مكملاً لأجهزة الدولة"( ). كما تُعرف بأنها "أسلوب يتم

2 بمقتضاه تقسيم إقليم الدولة إلى وحدات ذات طابع محلي تتمتع بشخصية اعتبارية وتمثلها مجالس منتخبة لإدارة مصالحها تحت إشراف ورقابة الحكومة المركزية"( .(

3 وتُعرف اللامركزية الإدارية أيضاً بأنها "توزيع السلطات الإدارية بين الحكومة المركزية من جهة، والهيئات الإدارية المحلية المنتخبة التي تتولى إدارة شؤونها المحلية بالتنسيق مع السلطات المركزية وتحت رقابتها، وذلك استناداً إلى فكرة توزيع الوظائف الإدارية بين الحكومة المركزية في العاصمة وبين هيئات محلية أو مصلحية منتخبة بحيث تخضع هذه الهيئات في ممارستها وظيفتها الإدارية لإشراف ورقابة الحكومة المركزية، ويكون توزيع السلطات أو الوظائف الإدارية إما على أساس إقليمي )وجود مجموعة من السكان تربطهم روابط خاصة في منطقة معينة أو إقليم محدد من الدولة( أو موضوعي )كازدياد وتشعب وظائف الدولة الاقتصادية أو الاجتماعية أو الخدمية بشكل أدى إلى استحالة تركيز النشاط الحكومي في المركز أو العاصمة("( .(

4 ومن التعريفات السابقة يمكن استخلاص عدد من العناصر الأساسية للامركزية الإدارية والتي يتمثل أبرزها في: • وجود هيئات ومؤسسات محلية ذات شخصية اعتبارية تتمتع بقدر من الاستقلالية الإدارية والمالية عن الحكومة المركزية،

وهذه الهيئات قد تكون منتخبة من قبل السكان المحليين أو معينة من قبل السلطات المركزية أو مزيج بين الانتخاب والتعيين. • إقامة نظام لتوزيع السلطات والصلاحيات والمهام بين المؤسسات والهيئات الحكومية المركزية والمؤسسات والهيئات المحلية. • خضوع المؤسسات المحلية في ممارساتها مهامها لرقابة وإشراف الحكومة المركزية، بما يحفظ في النهاية وحدة الدولة الإدارية الدستورية والسياسية ومركزيتها، وهو ما يميز "اللامركزية الإدارية" عن "اللامركزية السياسية التي تقوم على ازدواج السلطة الدستورية والسياسية بداخل الدولة الواحدة مع تحديد صلاحيات كل منهما.

ثانياً: اأنماط واأ�سكال اللامركزية الاإدارية

توجد ثلاثة أشكال رئيسية من اللامركزية الإدارية وهي عدم التركيز الإداري والتفويض ونقل السلطة، يمكن تناولها على النحو التالي: 1- عدم التركيز الإداري :)Deconcentration( ويعتبر من أضعف أشكال اللامركزية الإدارية، وينتشر هذا الشكل في الدول المركزية الموحدة، ويقصد به إعادة توزيع سلطة صنع القرار والمسؤوليات المالية والإدارية بين المستويات المختلفة للحكومة المركزية، كنقل بعض المسؤوليات من مسؤولي الحكومة المركزية في العاصمة إلى العاملين في المحافظات أو المقاطعات بما يخلق إدارة ميدانية أو محلية خاضعة لإشراف وتوجيه وزارات الحكومة المركزية( .(

5 2- التفويض :)Delegation( وهو شكل أوسع من أشكال اللامركزية الإدارية، والذي من خلاله تقوم الحكومة المركزية بنقل المسؤولية عن صنع القرار وإدارة الوظائف العامة إلى مؤسسات شبه مستقلة لا تتحكم فيها الحكومة المركزية بشكل كامل، ولكنها في النهاية تكون مسؤولة أمام الحكومة المركزية، ومن أبرز أشكال التفويض قيام الحكومة المركزية بإنشاء مؤسسات أو هيئات عامة ومؤسسات تنمية محلية ووحدات خاصة تفوضها في تقديم وظائف وخدمات عامة معينة، وعادة ما تتمتع هذه المؤسسات بقدر كبير من الحرية في صنع القرار. 3- نقل السلطة :)Devolution( ويعتبر أوسع وأشمل أشكال اللامركزية الإدارية، فهو ينطوي على نقل جزء كبير من السلطة، بما في ذلك صياغة القوانين وإدارة الموارد وزيادة الإيرادات، بالقانون إلى هيئات محلية منتخبة. وتتسم عملية نقل السلطة كشكل من أشكال اللامركزية الإدارية بخمس خصائص أساسية وهي: • نقل السلطة إلى وحدات مستقلة تمارس مهامها بشكل مستقل ومنفصل من دون تحكم أو سيطرة مباشرة من قبل الحكومة المركزية. • تمتع هذه الوحدات بشكل من الاستقلالية والصلاحيات التي تمكنها من تأمين مواردها الخاصة اللازمة لأداء وظائفها ومهامها. • سيطرة هذه الوحدات على مساحة جغرافية محددة ومعترف بها. • وجود مؤسسات حكم محلي قادرة على القيام بما ينقل إليها من سلطات. • وجود تنسيق بين الحكومة المركزية والحكومة المحلية( .(

6

ثالثاً: نماذج من المنطقة العربية

في المنطقة العربية، هناك العديد من الحالات التي أخذت بنموذج اللامركزية الإدارية، وسوف تتم الإشارة هنا إلى حالة الجزائر، بالإضافة إلى الإشارة إلى الأطروحات لتطبيق هذا النظام في كل من سوريا وليبيا، وذلك على النحو التالي: 1- النموذج الجزائري للامركزية الإدارية: يعد قانون الجماعات الإقليمية الصادر في عام 2012 هو المحدد لطبيعة نظام اللامركزية الإدارية في الجزائر، والذي يقسم مناطق الجزائر إلى ولايات )محافظات( وبلديات، حيث توجد نحو 48 ولاية و1541 بلدية، والتي يتم إنشاؤها وإلغاؤها وتغيير أسمائها وتحديد وتعديل حدودها بموجب مرسوم رئاسي. ويمكن تناول طبيعة وطريقة تشكيل الولايات والبلديات في الجزائر وصلاحياتها ووظائفها وعلاقتهما بالحكومة المركزية، وفقاً لقانون الجماعات الإقليمية، على النحو التالي: أ- الولاية: وهي وحدة إقليمية محلية تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، وتساهم مع الدولة في إدارة وتهيئة الإقليم والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتحسين معيشة المواطنين. وتتكون الولاية من هيئتين، هما: • المجلس الشعبي الولائي: وهو مجلس منتخب عن طريق الاقتراع السري العام، وينتخب رئيسه من بين أعضائه بالأغلبية المطلقة، وتتمثل مهامه في المساهمة في تنفيذ السياسات العامة للدولة، وتقديم المساعدة للبلديات في تنفيذ مهامها، وإعداد خطة لتنمية الولاية اقتصادياً واجتماعياً، ومناقشة الشؤون الداخلية للإقليم وتقديم المقترحات والملاحظات للوزير المختص. • الوالي: وهو ممثل الدولة ومفوض الحكومة على مستوى الولاية، وتتمثل مهمته في تنفيذ توصيات المجلس الشعبي الولائي من خلال إصدار القرارات اللازمة لذلك، كما يقوم بتنفيذ القوانين وحفظ الأمن في الولاية، ويقوم بإعداد مشروع ميزانية الولاية ويعرضه على المجلس الشعبي الولائي للمصادقة عليه( .(

7 ب- البلدية: وهي المستوى المحلي الأدنى من الولاية، وتتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، وتشتمل البلدية على الهيئتين التاليتين: • المجلس الشعبي البلدي: ويعتبر بمنزلة هيئة مداولة، ويتم انتخاب أعضائه بالاقتراع السري العام، وتتمثل اختصاصاته في مناقشة الأمور المتعلقة بالاقتصاد والمالية والصحة والزراعة والشؤون الاجتماعية، ويشكل المجلس لجاناً دائمة لمتابعة هذه الملفات والخروج بتوصيات بشأنها، والتي تصبح قابلة للتنفيذ بعد

جاء إقرار اللامركزية اFدارية مشروع الدستور الليبي لقطع الطريق على الدعوات المتصاعدة Fقامة نظام فيدراi ليبيا، والتي يقودها الفيدراليون وعدد من القبائل إقليم برقة بشرق ليبيا و"التكتل الاتحادي الوطني الفيدراi"، حيث ينادون بالعودة إX دستور عام 1951 الذي كان يتبنى النظام الفيدراi الاتحادي بين أقاليم ليبيا الثلاثة.

21 يوماً من تاريخ إيداعها بالولاية. • رئيس المجلس الشعبي البلدي: يعد بمنزلة رئيس الهيئة التنفيذية للبلدية والممثل القانوني للبلدية، ويصبح المرشح المتصدر للقائمة الانتخابية التي حصلت على أغلبية أصوات الناخبين رئيساً للمجلس، وفي حالة تساوي الأصوات يُؤخذ الأصغر سناً. وتتمثل مهامه في رئاسة جلسات المجلس وتنفيذ توصياته ورعاية مصالح البلدية وتطويرها، وإنفاذ قوانين الدولة في البلدية، وحفظ الأمن والنظام العام فيها.

وتمارس الحكومة المركزية نوعاً من السيطرة على البلديات من خلال الولاة ممثلي الحكومة في الولايات، حيث يستلزم لتنفيذ قرارات رئيس المجلس الشعبي المحلي إعلام الوالي بها، ويستلزم موافقة الوالي على توصيات المجلس الشعبي البلدي المتعلقة بالميزانيات والحسابات وقبول الهبات الأجنبية واتفاقيات التوأمة والتنازل عن الأملاك العقارية البلدية حتى يتسنى تنفيذها. كما يدعو الوالي الأعضاء المنتخبين خلال 15 يوماً من إعلان نتائج الانتخابات لعقد أولى جلسات المجلس الشعبي البلدي وإعلان اسم رئيس المجلس ويرأس الوالي جلسة تنصيب رئيس المجلس الشعبي. ويحق للوالي التدخل لإدارة البلدية عندما لا تقوم السلطات البلدية بأداء وظائفها( .(

8 2- أطروحات اللامركزية الإدارية في سوريا وليبيا: جاءت الدعوة إلى تطبيق اللامركزية الإدارية في سوريا في البيان الختامي لمؤتمر الرياض بين أطراف المعارضة السورية في ديسمبر 2015 والذي نص على التمسك بوحدة الأراضي السورية على أساس مبدأ "اللامركزية الإدارية"( )، وذلك لمواجهة الدعوات

9 التي تطلقها الأحزاب الكردية السورية لإقامة نظام فيدرالي في سوريا، حيث أعلنت هذه الأحزاب في 17 مارس 2016 إقامة النظام الفيدرالي "روج آفا" )غرب كردستان( في مناطق سيطرة الأكراد في شمال سوريا وتشكيل "المجلس التأسيسي للنظام الفيدرالي"( ). وفي 22 سبتمبر 2017 انطلقت أول انتخابات

10 لتشكيل مؤسسات النظام الفيدرالي في شمال سوريا )لجان محلية – مجالس محلية – مجلس الشعوب الديمقراطية – مؤتمر الشعوب الديمقراطية(، والتي من المقرر أن تنتهي في يناير 2018 .(

11) وتجدر الإشارة إلى أن بعض القوى الدولية، مثل الولايات المتحدة وروسيا دعمت مقترح الفيدرالية لسوريا، غير أن نظام الأسد رفضه، ولايزال من المبكر القول إذا كان سيتم القبول بالفيدرالية أم لا، في ظل عدم التوصل لتسوية سلمية للأزمة، بالإضافة إلى التطورات التي يشهدها الأكراد في العراق.

أما في ليبيا، فقد اعتمد مشروع الدستور الليبي في مادته رقم 143 مبدأ "اللامركزية الإدارية الموسعة" في إدارة شؤون الدولة الليبية. وتناول الباب السادس من مشروع الدستور طبيعة الحكم المحلي في ليبيا في المواد من 143 إلى 153، والذي قسم ليبيا إلى محافظات وبلديات، ونص على تمتع وحدات الحكم المحلي بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري. وحصر الدستور تدخل السلطة التنفيذية في الشؤون المحلية فيما يضمن استمرارية أداء الخدمات وفق الدستور والقانون، وحدد موارد الحكومة المحلية بما يخصص لها من الحكومة المركزية وموارد ذاتية من رسوم وضرائب ذات طابع محلي وعوائد استثماراتها وما تتلقاه من هبات وما تحصل عليه من قروض( .(

12 وقد جاء إقرار اللامركزية الإدارية في مشروع الدستور الليبي لقطع الطريق على الدعوات المتصاعدة لإقامة نظام فيدرالي في ليبيا، والتي يقودها الفيدراليون وعدد من القبائل في إقليم برقة بشرق ليبيا و"التكتل الاتحادي الوطني الفيدرالي"، حيث ينادون بالعودة إلى دستور عام 1951 الذي كان يتبنى النظام الفيدرالي الاتحادي بين أقاليم ليبيا الثلاثة )إقليم طرابلس في الغرب وبرقة في الشرق وفزان في الجنوب(( .(

13 وقد أعلن التكتل الفيدرالي وعدد من قبائل إقليم برقة رفضهم مسودة مشروع الدستور بسبب عدم اعتمادها للنظام الفيدرالي الاتحادي. وتجدر الإشارة هنا إلى أنه في مارس 2012 أعلن عدد من القبائل والتكتلات المحلية في شرق ليبيا منطقة برقة إقليماً فيدرالياً اتحادياً، وذلك بصورة أحادية الجانب، غير أنهم لم ينجحوا في إقامة أي إقليم فيدرالي، أو إجراء أي انتخابات.

وتوضح التجربتان السابقتان كيف أن اللامركزية الإدارية يتم طرحها للحفاظ على وحدة الدولة، في مواجهة الفيدرالية، والتي لا تكتسب شعبية كبيرة في المنطقة العربية، نظراً لأن الدولتين العربيتين اللتين شهدتا تطبيق الفيدرالية، بتدخل دولي، على نحو ما هو واضح في التجربتين السودانية والعراقية، قد ترتب عليها، إما انقسام الدولة، كما في الحالة الأولى، أو محاولات فاشلة للانفصال، على نحو ما هو واضح في محاولة أكراد العراق إجراء استفتاء على الانفصال في سبتمبر 2017.

خب[ متخصص الشؤون العربية عبداللطيف حجازي

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.