الإعصار:

دول الشرق الأوسط تواجه تهديدات "البقاء"

Trending Events - Future Report - - الصفحة الأمامية -

(الأسوأ قد وصل فعاً....). فلم تعاني العديد من دول منطقة الشرق الأوسط ضعفاً وهشاشة وفشاً تجعلها أمام تحديات وجودية تتعلق بكيان الدولة ذاته، كتلك التي تعصف بها في الأعوام الثاثة الأخيرة. فللمرة الأولى منذ الاستقال في خمسينيات القرن الماضي، تفتقد مجموعة كبيرة من الدول الكبيرة والمهمة بالمنطقة القدرة على ضمان الأمن الداخلي أو الترابط المجتمعي، أو حتى الحفاظ الداخلي على مقومات بقاء الدولة دون تقسيم واقعي بعد أن انفرط عقد مساحات واسعة من الدولة، لتسيطر عليها وتتوغل فيها، إما مجموعات إرهابية أو إثنية أو قبلية أو ميليشياوية.

لقـد حمـل ملحـق "تقريـر المسـتقبل" الـذي صـدر مـع العـدد الأول مـن دوريـة "اتجاهـات الأحـداث" عنواناً عبـر عن توجهات عامــة لمــا يعصــف بالمنطقــة مــن تطــورات خــال النصــف الثانـي مـن عـام 2013 والنصـف الأول مـن عـام 2014، هـو (الزلــزال.. إلــى أيــن تتجــه منطقــة الشــرق الأوســط؟). وكان الهـدف هـو إلقـاء الضـوء علـى مجمـل التفاعـات الإقليميـة التـي يشـهدها الإقليـم برمتـه منـذ تفجـر "الثـورات" العربيـة قبـل ثاثـة أعــوام، ليخلــص إلــى أن ثمــة اندفاعــاً إقليميــاً غيــر مســيطر عليــه، حيــث تفتقــد المنطقــة إلــى حــد كبيــر الركائــز الأساســية التــي تكفــل اســتعادة الاســتقرار.

وكان مــن أبــرز التوجهــات التــي خلــص إليهــا التقريــر أن ثمـة حالـة مـن تصـدع الدولـة القوميـة فـي بعـض الـدول العربيـة؛ الأمــر الــذي يرتبــط بحالــة الضعــف الهيكلــي التــي تضــرب الدولــة العربيــة، حيــث اختــال العاقــة بيــن الدولــة والمجتمــع، وعجــز الدولــة عــن القيــام بوظائفهــا الأساســية، وتعثــر إعــادة بنــاء الــدول فــي معظــم دول الثــورات العربيــة، وتصاعــد حــدة الانكشـاف الخارجـي، وتفجـر صراعـات الهويـة داخـل عـدد كبير منهـا، وبـروز دور مركـزي للفاعليـن المسـلحين مـن غيـر الدول، والتـي تمكـن بعضهـا مـن السـيطرة علـى أراض ومناطـق واسـعة فــي كل مــن العــراق وســوريا واليمــن وليبيــا.

هـذا الملحـق الجديـد يكمـل اللوحـة "التراجيديـة" للتوجهـات العامـة السـائدة فـي منطقـة الشـرق الأوسـط، ولكـن مـن داخـل دولــه المختلفــة، بنــاءً علــى تتبــع بعــض التقاريــر والمؤشــرات الدوليــة التــي تصــدر عــن مؤسســات عالميــة للفكــر والأبحــاث، تتنــاول أوضــاع دول العالــم، وتقــوم بتصنيفهــا وفــق متغيــرات شــاملة، إذ أضحــت هــذه التقاريــر الدوريــة المرتبطــة بأوضــاع دول العالـم بمنزلـة حقـل معرفـي مهـم، ليـس فقـط لمـا تتضمنـه مـن مقاييـس ومعاييـر كميـة وكيفيـة تبحـث أوضـاع الدول، سـواءً مــن حيــث الأوضــاع السياســية أو المجتمعيــة أو الاقتصاديــة أو البيئيــة وغيرهــا، ولكــن أيضــاً لأنهــا أضحــت مصــدراً أساســياً لصانعــي القــرار الاســتراتيجي والمســتثمرين ورواد الســياحة وأربـاب الأعمـال الكبـرى لمعرفـة مـا يـدور فـي بلـد مـا وتوقـع مـا قـد يحـدث فيـه علـى المـدى القصيـر.

ومـن خـال اسـتعراض موجـز لثاثـة مـن التقاريـر الدوليـة الصــادرة حديثــاً، وهــي: (مؤشــر الــدول الهشــة، ومؤشــر السـام العالمـي، ومؤشـر الصـراع والعنـف السياسـي "أطلـس المخاطــر السياســية")، يتضــح أن ثمــة توافقــاً لا يقبــل الجــدل بيــن مخرجــات هــذه التقاريــر كافــة، وبيــن مــا يرصــده مركــز المســتقبل للأبحــاث والدراســات المتقدمــة مــن توجهــات تتعلــق بتصـدع الدولـة فـي المنطقـة العربيـة، فإجمـالاً أصبحـت منطقـة الشــرق الأوســط هــي الأكثــر اضطرابــاً والأقــل ســلماً والأشــد خطـراً بيـن مناطـق العالـم الأخـرى كافـة، وفقـاً لمـا سـوف يأتـي

فــي موضوعــات هــذا الملحــق.

أمـا أكثـر مـا يلفـت الانتبـاه، فهـو أن أي مقارنـة بسـيطة بيـن أوضـاع دول منطقـة الشـرق الأوسـط وبقيـة الأوضـاع فـي سـائر مناطـق العالـم، تشـير إلـى أن المنطقـة باتـت أكثـر خطـراً وأقـل سـلماً وأقـل اسـتقراراً، عـن مناطـق كانـت تحتـل هـذه المرتبـة المخيفــة مثــل أفريقيــا جنــوب الصحــراء وجنــوب آســيا علــى وجـه خـاص.

فــي هــذا الســياق يتنــاول الموضــوع الأول لهــذا الملحــق وضــع دول الشــرق الأوســط علــى "مؤشــر الســام العالمــي"، والـذي يصـدر عـن معهـد الاقتصـاد والسـام العالمـي فـي دولـة اســتراليا، حيــث يوضــح أن بعــض دول المنطقــة تدخــل ضمــن فئــة الــدول "الأقــل ســلمية" علــى مســتوى العالــم، ويأتــي علــى رأســها كل مــن ســوريا والعــراق والســودان وإســرائيل وإيــران وليبيـا واليمـن ومصـر ولبنـان. ويخلـص إلـى أن منطقـة الشـرق الأوسـط وشـمال أفريقيـا هـي أكثـر المناطـق خطـراً فـي العالـم.

أمــا الموضــوع الثانــي، فيتعــرض للمخاطــر السياســية والاقتصاديـة، الفعليـة والمتوقعـة، لـدول الشـرق الأوسـط، وذلـك مـن خـال قـراءة لـكل مـن "أطلـس المخاطـر السياسـية" ومؤشـر الصــراع والعنــف السياســي، واللذيــن يصــدران عــن مؤسســة Maplecroft المتخصصــة فــي تحليــل المخاطــر العالميــة، حيــث احتلــت ثمانــي دول مــن منطقــة الشــرق الأوســط رأس قائمــة الــدول "الأكثــر خطــراً فــي العالــم"، ســواء فيمــا يتعلــق بالمخاطـر الأمنيـة والسياسـية علـى المـدى القصيـر، أو مـا يتعلـق بالمتغيــرات الهيكليــة والتحديــات المجتمعيــة التــي ترصدهــا المؤسســة علــى المــدى الطويــل.

ويتنــاول الموضــوع الثالــث أوضــاع دول الشــرق الأوســط علــى "مؤشــر الــدول الهشــة"، والــذي يصــدر عــن "صنــدوق الســام"، وبالتعــاون مــع مجلــة "فوريــن بوليســي" الأمريكيــة، إذ يخلــص المؤشــر إلــى أن معظــم دول الشــرق الأوســط تدخــل ضمـن فئـة الـدول الهشـة أو الأقـل اسـتقراراً والأكثـر اضطرابـاً، خصوصـاً دول "الثـورات" العربيـة التـي لم تتمكن مـن بناء الدولة أو القيـام بالوظائـف الأساسـية أو توفيـر الأمـن والسـيطرة علـى أراضيهـا، ولـم تتمكـن كذلـك مـن تلبيـة الاحتياجـات الاجتماعيـة والإنمائيـة لمواطنيهـا، فـي ظـل العنـف المسـتمر وانعـدام القانـون وانتشــار الميليشــيات المســلحة والتنظيمــات الإرهابيــة.

ومــع أنــه يمكــن الجــدل فعليــاً حــول بعــض المؤشــرات والمعاييـر التــي تعتمدهــا بعـض هــذه التقاريــر كأدوات للتحليـل الكمــي والكيفــي، منهــا مــا يتعلــق باختــاف الســياق الثقافــي والسياسـي، حيـث لا ينتظـر فـي أي حـال وضـع معاييـر واضحـة ثابتـة تنطبـق أو تصـدق علـى دول العالـم كافـة، منهـا مـا يتعلـق بعامــل الحياديــة المعــروف أنــه لا يمكــن أن ينطبــق فــي العلــوم الإنســانية والاجتماعيــة كلهــا، ومنهــا مــا يتعلــق بقــدر ضئيــل مــن الخطــأ البشــري الإحصائــي المعتــرف بــه فــي مثــل هــذه الدراســات التجريبيــة والمســحية، ومنهــا مــا قــد يرتبــط باعتمــاد معــدي هــذه التقاريــر علــى مصــادر غيــر موثوقــة للمعلومــات أحيانــاً؛ فــإن هــذه الأمــور كافــة لا تمنــع التأكيــد علــى بعــض الماحظــات، مــن أبرزهــا: ـ

1 ـ إن ثمــة فائــدة أكاديميــة وعلميــة ومنهجيــة بالنســبة للباحثيــن والدارســين العــرب لاطــاع علــى وتفنيــد ومعرفــة ونقـد هـذه المؤشـرات، كمدخـل ربمـا لفهـم كيـف يفكـر الآخـرون مــن جانــب، ومحاولــة وضــع معاييــر خاصــة بنــا كمنطقــة لهــا سـماتها وخصوصيتهـا مـن جانـب آخـر، ويجـب أن تكـون هنـاك تقاريــر مماثلــة تصــدر عــن مؤسســات ومراكــز فكــر عربيــة.

2 ـ أن مثـل هـذه التقاريـر تمثـل ضـرورة مهمـة، فهـي تقـدم رؤيــة موثقــة وذات معاييــر ومقاييــس مــن خــارج المنطقــة، وتصــدر أغلبهــا عــن مؤسســات فكــر لهــا ثقلهــا العلمــي والأكاديمــي، وثمــة أكثــر مــن 500 تقريــر عالمــي يصنــف أوضـاع الـدول وفـق مجـالات محـددة، لا يمكـن ولا يجـب ألا يتـم التعــرض لهــا أو دراســتها أو معرفــة مــا بداخلهــا، لأنهــا باتــت تمثــل مصــدراً لصانعــي القــرار الاســتراتيجي حــول العالــم فــي اتخــاذ سياســات محــددة تجــاه بعــض الــدول.

3 ـ إن مثــل هــذه التقاريــر مهمــا وُجِــه إليهــا مــن انتقــادات، فإنهــا تخــص بعــض المؤشــرات العامــة التــي ربمــا لا تنطبــق بالنمــط ذاتــه والأســلوب الكمــي والكيفــي علــى دول العالــم كافــة، ولــذا لابــد مــن التطــرق إليهــا جديــاً لأنهــا تعبــر فــي كل الأحــوال عــن واقــع لا يمكــن التجــاوز عنــه، لاســيما إن كانــت أغلــب مخرجاتهــا تتمتــع بقــدر عــال مــن الصحــة بمــا يتناســب مــع الوقائــع والأحــداث علــى الأرض، وبمــا يشــير إليــه أهــل المنطقــة مــن تخوفــات الحاضــر والمســتقبل، ومــن متطلبــات الحفــاظ علـى الوجـود والكيـان والبقـاء فـي دول أصبحـت أكثـر هشاشــة ومجتمعــات أصبحــت أكثــر عنفــاً ومنطقــة أقــل ســلماً وأمنــاً واســتقراراً.

وليـس الهـدف هنـا زيـادة جرعـة التشـاؤم، فالتشـاؤم ربمـا بلغ مـداه، وإنمـا مـا يرغـب أن يقدمـه هـذا الملحـق هـو "أننـا وصلنـا بالفعـل إلـى أسـوأ مـا يمكـن الوصـول إليـه"، وأنـه حـان وقـت إقــرار هــذا الأمــر الواقــع الجديــد، ليــس علــى مســتوى الإقليــم، ولكـن علـى مسـتوى الـدول ذاتهـا، فالإقليـم شـهد حروبـاً متعـددة منــذ عــام 1948 وحتــى اليــوم، واســتطاع فــي كل الأحــوال التكيـف والحيـاة، بـل وتمكنـت بعـض دولـه مـن تحقيـق تقـدم مـا، والأخــرى حافظــت علــى الرغــم مــن كل شــيء علــى وجودهــا وبقائهــا، لكننــا اليــوم نقــف أمــام أمــر واضــح هــو (إمــا نكــون دولاً أو لا نكــون)، فنحــن علــى بعــد أمتــار قليلــة مــن فوضــى شــاملة، ومــا يمكــن فعلــه اليــوم قــد لا يمكــن فعلــه غــداً، ولــذا فــإن الــدول الراغبــة فــي دعــم الاســتقرار الداخلــي والإقليمــي عليهــا التحــرك بــكل مــا أوتيــت مــن قــوة، وإن هــذه الــدول لــم يعـد أمامهـا خيـار سـوى الفعـل والحركـة للأمـام وسـط إعصـار عنيــف يضــرب بعــض دول الإقليــم ويــدور بهــا عكــس عقــارب الســاعة والزمــن.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.