الأكثر اضطراباً:

دول الشرق الأوسط على مؤشر الدول الهشة

Trending Events - Future Report - - الإعصار: دول الشرق الأوسط تواجه تهديدات ”البقاء“ ب - أحمد عاطف

يكشــف تقريــر "مؤشــر الدولــة الهشــة Fragile States Index" الصــادر فــي شــهر يوليــو 2014 عــن أن غالبيــة دول الشــرق الأوســط تدخــل ضمــن فئــة الــدول الهشــة وغيــر المســتقرة، وذلــك فــي اتجــاه يتصاعــد تدريجيــاً منــذ انــدلاع "الثــورات" العربيــة فــي عــام 2011، حيــث تعانــي هــذه الــدول مــن اضطرابــات سياســية وأمنيــة ومجتمعيــة، فضــاً عــن ثبــات الأوضــاع المتدهــورة لــدول مركزيــة بالإقليــم، خاصــة العــراق واليمــن وســوريا والســودان وجنــوب الســودان.

ويعــد هــذا هــو التقريــر الســنوي العاشــر الــذي يصــدره "صنـدوق السـام Fund for Peace ،" وهـو منظمـة أمريكيـة تعنــى بمنــع النزاعــات، بالتعــاون مــع مجلــة "فوريــن بوليســي Foreign Policy الأمريكيــة، حــول "مؤشــر الــدول الهشــة"، حيــث يقــدم التقريــر نتائــج أبحاثــه ودراســاته عــن مجمــل عــام 2013.

اأولاً: منهجية الم�ؤ�سر ومعاييره

يعتمــد التقريــر فــي منهجيتــه علــى 12 متغيــراً تركــز فــي مجملهــا علــى وضــع المواطــن داخــل الدولــة، وهــل تصلــه فــي نهايـة المطـاف حقوقـه الاجتماعيـة والاقتصاديـة والسياسـية. ويتـم إعطــاء كل متغيــر قيمــة رقميــة تتــراوح مــا بيــن 1 إلــى 10، علـى أسـاس أن ارتفـاع قيمـة المتغيـر الرقميـة تعكـس سـوء حالـة المتغيــر محــل القيــاس، والعكــس صحيــح؛ ومــن ثــم فــإن أكثــر الـدول هشاشـة تحصـل علـى قيـم تقتـرب مـن (120 درجـة، هـي حاصـل مجمـوع الــ 12 متغيـراً).

ويحمــل تقريــر هــذا العــام اســم "مؤشــر الــدول الهشــة" بعــد أن كان معنونـاً طيلـة السـنوات الماضيـة بـ"مؤشـر الـدول الفاشـلة Failed." States وتُفسـر "كريسـتا هنـدري" المديـرة التنفيذيـة لصنــدوق الســام هــذا التغييــر بــأن مصطلــح "الــدول الفاشــلة" ربمــا لــم يعــد مرتبطــاً فعليــاً بمعــدل مــا يحصــل عليــه المواطــن مــن حقــوق فــي نهايــة الأمــر، ولــذا فقــد تــم اســتبداله بـ"الدولــة الهشـة" أو "الرخـوة" وهـي تلـك التـي يسـتمر فيهـا المواطـن فـي المعانــاة، ولا يحصــل علــى كامــل حقوقــه، ويســتمر فقــره.

وبصفـة عامـة يُطلَـق مصطلـح "الدولـة الهشّـة" علـى الـدول العاجــزة عــن إدارة وحكــم كل أراضيهــا علــى نحــو فعّــال، ممــا يــؤدي إلــى وقــوع خطــر علــى شــعوب هــذه الــدول وعلــى دوام مصالحهــا فــي ظــل التحديــات الإنمائيــة التــي تواجههــا، كمــا أن "الدولـة الهشـة" تعانـي مـن عـدم اسـتقرار الأوضـاع السياسـية، وعنــف مســتمر، وانعــدام القانــون، واختــال فــي مؤسســاتها بشــكل يمنعهــا مــن القيــام بالوظائــف المنوطــة بهــا.

ثانياً: ال��سع الراهن للا�ستقرار في ال�سرق الاأو�سط

يمكــن تقســيم دول المنطقــة – وفقــاً لمــا ورد فــي التقريــر – إلــى ثمانيــة تصنيفــات رئيســية تبــدأ بالــدول الأكثــر ســوءاً مــن حيــث درجــة الهشاشــة، والتــي أطلــق عليهــا المؤشــر "البلــدان ذات المخاطـر المرتفعـة جـداً"، وتنتهـي بالـدول "المسـتقرة" كمـا هـو واضـح فـي الجـدول التالـي، وإن كانـت هنـاك فئـات أخـرى تضمنهــا المؤشــر، لكنهــا لا تنطبــق علــى دول الشــرق الأوســط كافــة، وهــي "الــدول المســتقرة جــداً"، و"الــدول ذات الاســتقرار المســتدام"، و"الــدول ذات الاســتقرار المســتدام جــداً".

ومـن خـال قـراءة وضـع دول الشـرق الأوسـط فـي مؤشـر

"الــدول الهشــة" عــام 2014، يبــدو ملحوظــاً أن تصنيفهــا يعبــر عـن الحالـة المضطربـة وغيـر المسـتقرة التـي يعانـي منهـا هـذا الإقليـم، والتـي يمكـن إيجازهـا فـي النقـاط التاليـة: ـ

1 ـ دول أكثـر هشاشـة: تحتـل دولـة "جنوب السـودان" المرتبة الأولـى بالنسـبة للـدول الأكثـر خطـورة وهشاشـة عالميـاً وإقليميـاً (112.9 درجـة)، فهـي لـم تعـرف اسـتقراراً منـذ الانفصـال عـن السـودان فـي عـام 2011، بسـبب انـدلاع النزاعـات القبليـة بهـا.

واحتلــت دولــة الســودان المرتبــة الثانيــة علــى مســتوى المنطقــة، فقــد ســجلت (110.1 درجــة). وهكــذا يمكــن القــول إن انهيــار اســتقرار الســودان وجنوبــه، وانــدلاع الحــرب الأهليـة فيهمـا، وعـدم وجـود مؤسســات يمكنهــا التصــدي لهــذا العنــف، جعــل الدولتيــن فـي ذيـل قائمـة الـدول الهشـة.

وحـذر "صنـدوق السـام" فــي تقريــره مــن أن العــراق لايــزال فــي دائــرة الخطــر والفشــل فــي ظــل مــا يعيشــه مــن أحــداث أمنيــة خطيــرة، كمــا تحفــظ التقريــر علــى تدهــور أوضــاع حقــوق الإنســان، وغيــاب حكــم القانــون، والنــزوح الســكاني، وهجــرة العقــول البشــرية مــن بــاد الرافديــن، فضــاً عــن انتقــاد النخــب السياســية العراقيـة، والتدخـل الخارجـي فــي شــؤون العــراق.

2 ـ تدنــي الأوضــاع فــي دول الربيــع العربــي: أظهــر التقريــر أن الــدول العربيــة التــي شــهدت انــدلاع ثــورات واحتجاجــات، لاتــزال تواجــه تحديــات وجوديــة أكبــر مــن مجــرد تحقيــق الديمقراطيــة المنشــودة، فتحديــات الإرهــاب أصبحــت تهــدد حيــاة المواطــن وأمنــه واسـتقراره، بحيـث تـوارى حلـم تحقيـق الديمقراطيـة وراء الأمـل الأهـم بـأن يبقـى المواطـن فـي تلـك الـدول علـى حياتـه فـي وجـه ميليشــيات مســلحة تبنــت التطــرف الدينــي.

كمــا تعانــي دول الثــورات العربيــة مــن احتمــالات التقســيم والتفتــت، وضغــوط ســكانها علــى مــوارد الدولــة، والنزاعــات بيـن مواطنيهـا، وهجـرة عقولهـا البشـرية خـارج البـاد، وارتفـاع نسـبة الفقـر، وتدهـور أوضاعهـا الاقتصاديـة، وتفـاوت مسـتويات المعيشــة بيــن مواطنيهــا، وتدنــي مســتوى الخدمــات العامــة المقدمـة لهـم، بالإضافـة إلـى عـدم تمتـع بعـض نظمهـا الحاكمـة بالشــرعية – مــن وجهــة نظــر التقريــر.

ومــن ثــم فقــد قــدم المؤشــر نظــرة قاتمــة بشــأن هــذه الــدول التــي مازالــت تعانــي مــن التظاهــرات وأعمــال العنــف، فجــاءت علـى الترتيـب مـن حيـث الأكثـر هشاشـة: اليمـن وسـوريا ضمـن فئــة (الــدول ذات المخاطــر العاليــة)، ثــم مصــر ضمــن الــدول ذات المخاطــر، (يغطــي هــذا المؤشــر عــام 2013 وهـو بذلـك يعكـس أوضـاع مصــر فــي فتــرة اتســمت بالعنــف مــن قبــل جماعــة الإخـوان، وانتشـار التطرف فــي ســيناء، وبدايــة مرحلــة انتقاليــة جديــدة بعــد ثــورة 30 يونيــو، وكلهــا مظاهــر بــدأت فــي الانــزواء نســبياً خــال النصــف الثانــي مــن العــام الجــاري 2014).

وجــاءت ليبيــا بعــد مصــر كإحــدى (الــدول ذات التنبيــه المرتفــع جــداً)، إذ تعتبــر طرابلــس أكثــر العواصــم الشــرق أوســطية التــي تراجــع تصنيفهــا عــام 2014 إلــى المرتبــة 41 مقارنــةً بــ 54 فــي مؤشــر عـام 2013، وهـو مـا ينـذر بتــردي الأوضــاع الأمنيــة والسياســية بهــا (وبالفعــل فقـد شـهد عـام 2014 قتـالاً داميـاً فـي ليبيـا، ومزيـداً من الانقسـام السياسـي، وتـردي الأوضـاع الأمنيـة والاقتتـال الداخلـي، وهـو مـا يدخـل ليبيـا ـــ وفـق معاييـر المؤشـر ـــ دائـرة الــدول ذات المخاطــر المرتفعــة)، فيمــا صنــف المؤشــر تونــس كأفضــل دول الثــورات العربيــة حــالاً، وذلــك علــى الرغــم مــن تراجعهـا هـي الأخـرى فـي مؤشـر هـذا العـام بسـبب مـا وصفـه التقريــر بــ "غيــاب معاييــر حقــوق الإنســان ودولــة القانــون"، وتفاقــم الوضــع الأمنــي.

وثمـة تسـاؤلات فـي هـذا الصـدد حـول عـدم احتـال سـوريا رأس قائمــة "الــدول الهشــة" فــي مؤشــر هــذا العــام، خاصــةً مــع تدهــور الأوضــاع الأمنيــة والسياســية فــي الدولــة، وأحــوال الاجئيــن المثيــرة للشــفقة، الأمــر الــذي يثيــر تحفظــات حــول منهجيــة إعــداد المؤشــر ومــدى دقتــه، ومــن أبرزهــا أنــه يعطــي

أهميـة متسـاوية (مـن 1 إلـى 10) لـكل واحـد مـن 12 عنصـراً التـي تدخـل فـي تركيبـه، دون أن يتـم اللجـوء إلـى اسـتخدام أوزان ترجيحيـة لهـذه المتغيـرات المختلفـة تتناسـب مـع أهميتهـا النسـبية طبقـاً لاختافـات الاقتصاديـة والاجتماعيـة والسياسـية والأمنيـة لـكل دولـة مـن الـدول.

ويـرد معـدو التقريـر علـى مثـل هـذه الماحظـات بالقـول: "إن ثمـة فرقـاً بيـن دولـة قويـة لا ترعـى شـعبها أو تضـر بمصالحـه، وبيـن دولـة لا تسـتطيع حمايـة شـعبها، وحتـى لـو أرادت هـي فـا تسـتطيع، وهـذه هـي حـال سـوريا".

3 ـ اســتقرار دول مجلــس التعــاون الخليجــي: ســجلت دول الخليــج العربيــة مراكــز إيجابيــة علــى مؤشــر الــدول الهشــة، حيــث جــاءت كل مــن الإمــارات العربيــة المتحــدة وقطــر فقــط فـي فئـة الـدول المسـتقرة بالمنطقـة، وهـذا مـرده وفقـاً لمـا جـاء فـي التقريـر تسـجيل الدولتيـن درجـات جيـدة فيمـا يتعلـق بمعاييـر الاسـتقرار، ومنهـا )تقديـم خدمـات عامة جيـدة، واسـتتباب الوضع الأمنـي، وكفـاءة أداء الأجهـزة الأمنيـة، وارتفـاع معـدلات النمـو الاقتصـادي، وعـدم وجـود تفاوتـات كبيـرة في مسـتويات المعيشـة بيـن الطبقـات، وعـدم وجـود تدخـل خارجـي فـي شـؤون الدولـة، وكفـاءة القيـادة السياسـية فـي الدولـة.

كمــا صُنفــت كل مــن ســلطنة عُمَــان والكويــت ضمــن فئــة "الــدول المســتقرة قليــاً"، ثــم جــاءت دولــة البحريــن فــي فئــة ثالثـة ضمـن "الـدول ذات التنبيـه"، فيمـا جـاءت المملكـة العربيـة الســعودية فــي فئــة رابعــة أقــل اســتقراراً وهــي "دول ذات تنبيــه عـال" مـن حيـث إمكانيـة تعرضهـا للهشاشـة، حيـث رأى المؤشـر أن هـذه الـدول سـجلت درجـات متفاوتـة فـي المتغيـرات السياسـية والأمنيــة والاقتصاديــة والاجتماعيــة، وتراجــع وضــع الســعودية بالمؤشـر 6 مراتـب فـي التصنيـف مقارنـة بمؤشـر عـام 2013.

4 . جـوار إقليمـي يتجـه إلـى حـد مـا نحـو الاسـتقرار: جـاءت تركيــا وإســرائيل ضمــن فئــة واحــدة وهــي "الــدول ذات التنبيــه العالــي"، وكان مــن المفاجــآت التــي حملهــا تقريــر هــذا العــام اســتقرار تركيــا علــى الرغــم ممــا عانتــه طــوال العــام الماضــي مــن قضايــا فســاد واحتجاجــات شــعبية عارمــة، إلا أنهــا علــى الرغـم مـن كل هـذا نجحـت، وفقـاً لمعـدي التقريـر، فـي أن تحـرز تقدمـاً بمعـدل (7 مراتـب) فـي مؤشـر عـام 2014 مقارنـةً بالعـام الماضـي، وذلـك بسـبب تحسـن درجاتهـا فـي المقاييـس الخاصـة بمحـاور الضغـوط الديموغرافيـة علـى مـوارد الدولـة، ومسـتوى الخدمــات العامــة المقدمــة لمواطنيهــا، والحفــاظ علــى العقــول البشــرية وعــدم هجرتهــا للخــارج، وكذلــك محدوديــة التدخــل الدولــي فــي شــؤونها الداخليــة.

وحققــت إيــران كذلــك تقدمــاً واضحــاً فــي مؤشــر هــذا العــام بمعــدل (7 مراتــب) أيضــاً؛ حيــث نجحــت علــى الرغــم مــن الضغــوط الاقتصاديــة فــي أن تنجــو مــن الصراعــات الداخليــة، كمـا كانـت مبـادرة طهـران بالدعـوة إلـى مفاوضـات نوويـة مـع الغــرب مــن أفضــل النقــاط التــي تطــرق إليهــا التقريــر.

ثالثاً: محددات عدم الا�ستقرار في دول الاإقليم

تكشــف قــراءة نتائــج تحليــل المؤشــرات الــ 12 التــي تقيــس حالــة الاســتقرار فــي مؤشــر الــدول الهشــة أن ثمــة ترتيبــاً لهــذه المؤشــرات والمحــددات مــن حيــث الأكثــر تأثيــراً علــى الوضــع المضطـرب فـي دول الشـرق الأوسـط، حيـث تتصدرهـا "نوعيـة النخبـة السياسـية الحاكمـة" وتنامـي الانشـقاقات بينهـا، ويليـه فـي الترتيـب الحرمـان مـن التطبيـق العـادل لحكـم القانـون، وانتشـار انتهـاكات حقـوق الإنسـان فـي ظـل اسـتمرار قوانيـن الطـوارئ، والاعتقــال السياســي، والعنــف المدنــي، وتقييــد حريــة الصحافــة فـي بعـض دول الإقليـم.

ويحــذر المؤشــر مــن فقــدان شــرعية الدولــة فــي كثيــر مــن مناطــق الإقليــم، وهــو مــا يعكــس غيــاب الشــفافية، والمحاســبة السياسـية، وضعـف الثقـة فـي المؤسسـات وفـي العملية السياسـية، وانتشــار التظاهــرات ودعــوات العصيــان المدنــي.

وتأتـي بعـد ذلـك التداعيـات الخطيـرة للميـول العدوانيـة بيـن السـكان داخـل عـدد مـن الدول الشـرق أوسـطية، وحـالات التناحر بيـن الأقليـة والأغلبيـة، ثـم تدنـي أداء الأجهـزة الأمنيـة وظهـور ميليشـيات مسـلحة وقـوى أمنيـة تـوازي الأمـن النظامـي للدولـة، وهـو مـا يبـدو واضحـاً الآن فـي نشـاط تنظيـم "داعـش"، وكذلـك صــراع التنظيمــات المســلحة فــي ليبيــا، ونفــوذ "القاعــدة" فــي اليمــن ودول المغــرب العربــي، وتهديــدات الجماعــات الجهاديــة والمتطرفـة فـي سـيناء.

وإجمــالاً تســيطر نظــرة تشــاؤمية علــى واضعــي مؤشــر "الــدول الهشــة" تجــاه معظــم دول العالــم (وفقــاً للمؤشــر يعيــش 83% مـن سـكان العالـم فـي دول هشـة)، لكـن تأتـي غالبيـة دول الشــرق الأوســط فــي مقدمــة الــدول التــي تتجــه نحــو مزيــد مــن عـدم الاسـتقرار، خصوصـاً فـي دول "الثـورات" العربيـة، التـي لا تــزال حكوماتهــا غيــر قــادرة علــى أداء وظائفهــا الأساســية.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.