العاصمة الإنسانية:

لماذا تصدرت الإمارات الترتيب العالمي للمساعدات الدولية؟

Trending Events - Future Report - - لماذا تصدرت الإمارات الترتيب العالمي للمساعدات الد -

شهد مطلع الألفية الثالثة تحولاً جوهرياً في النظرة إلى عملية التنمية، فلم يعد ينظر إليها بعد إعلان الأمم المتحدة للألفية، في سبتمبر 2000، بوصفها عملية تتجسد في زيادة معدلات النمو في الناتج المحلي الإجمالي، بل أضحى لها منظور أشمل يتمثل في زيادة القدرات البشرية والتكنولوجية، والعمل على تخفيض معدلات الفقر، والمحافظة على البيئة. وفي ظل هذا التطور في النظر إلى الفلسفة التنموية، كان لابد للدول المتقدمة والنامية كافة، المانحة للعون الإنمائي إعادة صياغة الدور الإنمائي للمساعدات، وبما يساعد في تحقيق التنمية المستدامة.

كما خضعت معايير تقديم المساعدات الاقتصادية وتقييمها خلال العقدين الماضيين إلى تطور كبير، إذ أصبح ينظر إليها على كونها "ضريبة مفروضة بحكم القوانين الدولية والإجماع الدولي"، وأصبحت الشروط المرافقة للتمويل الدولي علنية وواضحة لجميع البلدان النامية المتلقية للمساعدات، تأكيداً للشفافية.

وتختلف دوافع المساعدات بين الدول المانحة والدول المتلقية، فغالباً ما تطلب الدول المتلقية هذه المساعدات لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، أو لأغراض إنسانية كمحاربة الفقر ومواجهة الكوارث الطبيعية والحروب ومعالجة الأمراض. أما الدول المانحة، فهي غالباً ما تقدم المساعدات لاعتبارات سياسية واقتصادية تحقق من خلالها مصالحها الذاتية، وخير شاهد على ذلك تجربة المساعدات التي قدمتها الولايات المتحدة لبعض الدول النامية، مثل زائير وزامبيا، اللتين تتمتعان بموارد معدنية غنية، فضلاً عن التنازلات السياسية التي تقدم من الدول المتلقية بما يتفق ومصالح الدول المانحة للمساعدات.

ويمكن القول إنه مع تدفق المساعدات والمعونات وتعدد المانحين والمساهمين فيها، تغير منطق التنمية الاقتصادية كمبرر للمساعدات الإنمائية أيضاً، فقد كان الهدف الاقتصادي الأساس في الخمسينيات من القرن الماضي هو النمو السريع في الإنتاج والدخل عن طريق زيادة المدخرات المحلية وتشجيع الاستثمارات الأجنبية، وبقدوم الستينيات، توسعت المعونات المقدمة في مجال التعليم والصحة والخدمات الإنسانية الأخرى. وبدأت برامج المساعدات والمعونات خلال الستينيات والسبعينيات تضم أهدافاً أخرى غير النمو الاقتصادي، مثل إعادة توزيع الدخل، والحد من الفقر، وتوفير الحاجات الأساسية، والتنمية الريفية.

وخلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين أضيفت إلى أهداف المساعدات التقليدية أهداف أخرى، تتمثل في المحافظة على البيئة وتحقيق التنمية المستدامة، وتمكين المرأة، ومحاربة الفساد، والحكم الصالح، وتحقيق ما يسمى بالتنمية الإنسانية، وغيرها من الأهداف التي تعزز من المناخ الديمقراطي في قيادة عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وفي مطلع القرن الواحد والعشرين تحوّل المسار إلى ضرورة أن تتجه المساعدات الإنمائية على تحقيق أهداف التنمية للألفية والمتمثلة في استئصال الفقر والجوع الشديدين، وتحقيق التعليم الابتدائي الشامل، وتعزيز المساواة بين الجنسين، وتخفيض نسبة وفيات الأطفال، وتحسين صحة الأم، ومكافحة فيروس (الإيدز والملاريا وغيرهما)، وضمان الاستدامة البيئية، وتطوير شراكة عالمية للتنمية.

وعلى الرغم من تنامي المساعدات الدولية خلال الأعوام الخمسين الماضية لتمويل برامج التنمية، فلم تستطع هذه المساعدات تحسين مستوى معيشة كثيرين، خاصة في قارة أفريقيا، بل تردّت أوضاعهم إلى أسوأ مما كانت عليه بكثير. فالاعتماد المفرط على المساعدات أوقع الدول النامية في فخ الاعتماد عليها، كما أن تفشي الفساد في بعض الدول، قلل من استفادة الدول النامية منها، مما يجعل تلك الدول دائماً في "حاجة" إلى مزيد من المساعدات.

ومن ثمَّ أصبح العالم في حاجة لخريطة طريق جديدة لتمويل برامج التنمية في الدول الأشد فقراً في العالم، لضمان تحقيق نمو اقتصادي، وتراجع حقيقي في الفقر، ولذلك شهدت المساعدات تحولاً كبيراً منذ مطلع الألفية جعل الجزء الأكبر من المساعدات يتجه للمساعدات الإنمائية، لتحقيق نمو ملموس في الدول الفقيرة لضمان تقديم مساعدة فعالة للمتضررين.

ومع تنامي الكوارث والنزاعات، أصبح موضوع المساعدات

الإنسانية يستأثر باهتمام مختلف مكونات التنظيم الدولي من دول ومنظمات حكومية وغير حكومية، ووجدت الدول نفسها مضطرة إلى التعاون في إطار منظمات إنسانية، محلية ودولية، من أجل تقديم المساعدة الإنسانية في الوقت المناسب.

وشهد عام 2013 ارتفاعاً غير مسبوق في حجم الأزمات والاحتياجات الإنسانية، وواكبت ذلك أيضاً زيادة في مستوى الاستجابة الإنسانية الدولية، التي ارتفعت لتصل إلى مستوى قياسي بلغ 22 مليار دولار، وفي هذا الإطار تناولت الباحثة إيمان فخري تطور مفهوم وهيكل المساعدات الإنسانية وأهم التغيرات التي طرأت عليه، إلى جانب إلقاء الضوء على مشروطية المساعدات الإنسانية، من خلال التعرف على الأبعاد السياسية والدينية والعسكرية لهذه المساعدات، وتصاعد أهمية المساعدات الإنسانية والتحديات التي تواجهها.

ومع تحسن المساعدات الأجنبية في عام 2013 بعد عامين من التراجع، ارتفع صافي المساعدة الإنمائية الرسمية المقدّمة إلى البلدان النامية بنسبة 6.1% مقارنة بعام 2012 نتيجة تحسن المعونات متعددة الأطراف التي زادت بنسبة 7%، وكذلك المعونة الإنسانية بنسبة 25%، وارتفعت المساهمات الأساسية المقدّمة إلى المنظمات المتعددة الأطراف بنسبة 6.9%، وفي هذا السياق، يستعرض الباحث محمد أحمد عبدالمعطي في هذا الملحق تأثير المساعدات الإنسانية على عملية التنمية، حيث تناول فيه الدول الأكثر منحاً وتلقياً للمساعدات الدولية في العالم، وقياس فاعلية المساعدات الخارجية وتقييم أثرها.

ولم تعد التوقعات بتزايد المساعدات الخارجية وتنامي دورها في تحقيق تنمية البلدان النامية تقتصر على أرقام ونسب فقط، بل أصبحت تمتد لتشمل تقييماً لكيفية تحقيق مفاهيم التنمية المستدامة وتطوير البنى التحتية لتلك الدول لضمان تحسين التنمية البشرية في العالم، الذي يشهد يومياً تنامي أعداد الفقراء واللاجئين مع تصاعد حدة التوترات والأزمات السياسية والصراعات الإرهابية في العالم أجمع، مما يحتم على المجتمع الدولي تجاوز الأساليب التقليدية في التفكير والبحث عن وسائل مبتكرة للتعامل مع الأزمات التي تواجهه. فبدلاً من التبرعات العينية للأشخاص المعرضين لمخاطر، يجب أن يتم التفكير في توظيف المساعدات في تنشيط الاقتصادات المحلية، ودون إغفال الحاجة للتبرعات العينية، ولو لبعض الوقت، لإغاثة المنكوبين وضحايا النزاعات المسلحة.

على جانب آخر، تصاعد صافي مساهمات المساعدة الإنمائية الرسمية من دول لجنة المساعدة الإنمائية التابعة لـ ،OECD ولعدد من الدول الأخرى غير الأعضاء في اللجنة، مثل الإمارات العربية المتحدة، التي قدمت 1.33% من دخلها الوطني الإجمالي كمساعدات، وهو المعدّل الأعلى بين جميع البلدان في عام 2013، الذي شهد فشل العديد من الدول المتقدمة في الوفاء بهدف تخصيص 0.7% من دخلها القومي للمساعدات الإنمائية، مما جعل من دولة الإمارات اليوم العاصمة الإنسانية الأولى عالمياً.

وعلى الصعيد ذاته يتناول الموضوع الثالث في هذا الملحق خريطة المساعدات الخارجية الإماراتية، من خلال إلقاء الضوء على أكثر الدول المانحة والمتلقية للمساعدات الإماراتية في 2013، والجهود التي حققتها الدولة في تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية.

وفي الختام سوف يعتمد العمل الإنساني، إلى حد بعيد، على السلطات الوطنية، والمنظمات الإقليمية، ومنظمات المجتمع المدني الدولية، والمنظمات الدينية في البلدان التي تستمر فيها النزاعات أو تضربها الكوارث. لذلك، ينبغي أن يكتسب التنسيق بين هذه الأطراف اهتماماً كبيراً مستقبلاً ضماناً لزيادة الفاعلية.

كما تتباين قدرات الدول المتضررة من الأزمات الجارية حالياً تبايناً كبيراً. فبعض الدول تتسم بالفاعلية في الاستعداد للطوارئ والاستجابة لها، في وعي منها لمسؤولياتها تجاه مواطنيها، وإرادة في الوفاء بتلك المسؤوليات، وفي المقابل فإن هناك بعض الحكومات التي تفتقر إلى القدرة اللازمة، أو تنحاز في استخدام ما لديها من قدرات لصالح فئة دون أخرى، كذلك يشهد المجتمع المدني تفاوتاً كبيراً في قدرتها على التعامل مع الكوارث والأزمات. وعادةً ما يجتمع في الدول الأكثر تأثراً بالأزمات غياب دور الدولة الفاعل، وهو ما يستوجب ضرورة قيام الدول بالمساهمة في دعم منظمات المجتمع المدني ورفع قدراتها تخفيضاً لمعاناة ضحايا الكوارث الطبيعية والنزاعات المسلحة.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.