المساعدات الإنسانية:

تطور المفهوم بين إغاثة المدنيين وتدعيم التنمية

Trending Events - Future Report - - تقرير المستقبل باحثة اقتصادية بوزارة التعاون الدول - إيمان فخري باحثة اقتصادية بوزارة التعاون الدولي بمصر

تزداد أهمية تقديم المساعدات الإنسانية تزامناً مع تصاعد الصراعات والكوارث الطبيعية، فقد شهد العالم زيادة في نسبة الكوارث الطبيعية في الدول النامية والمتقدمة على حد سواء، وخلفت وراءها آثاراً مدمرة، ومن بين هذه الكوارث الزلزال الذي دمر جزيرة هايتي عام 2010 والتسونامي الذي ضرب اليابان وعدد من الدول الآسيوية في 2011، وإعصار هايان الذي ضرب الفلبين عام 2013، وتزامناً مع ذلك، زادت وتيرة الصراعات المسلحة والحروب، وما ترتب عليها من نزوح سكاني، فعدد النازحين واللاجئين بسبب هذه الصراعات والكوارث ارتفع من 16.5 مليون عام 1989 إلى 28.8 مليون بنهاية عام 2012 ).

وفي هذا الإطار، سيتم إلقاء الضوء على مفهوم المساعدات الإنسانية والاختلافات بينه وبين مفهوم مساعدات التنمية، ثم بيان تطور هيكل المساعدات الإنسانية، كما ستتم الإشارة للعلاقة بين المشروطية والمساعدات الإنسانية، في حين يلقي الجزء الأخير الضوء على أهم التحديات التي تواجه المساعدات الإنسانية وبعض التوصياتلمواجهتها.

اأولً: مفهوم الم�ساعدات الإن�سانية

تجدر الإشارة في البداية إلى أن المساعدات الأجنبية، كأحد أهم أدوات السياسة الخارجية للدولة، هي ظاهرة حديثة نسبياً، إذ تعود بدايتها إلى الفترة التي أعقبت الحرب العالية الثانية، في حين ترجع بداية برامج الإغاثة الإنسانية إلى القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين، ولهذا يمكن القول إن المساعدات الإنسانية كانت سابقة على مساعدات التنمية الرسمية( ).

وعادة ما يتم الخلط بين مفهومي المساعدات الإنسانية ومساعدات التنمية الرسمية، فالمساعدات الإنسانية هي ذلك النوع من المساعدات الخارجية الذي يهدف لحماية المدنيين من الموت، وتقليل معاناة الضحايا خلال أو بعد أي أزمة إنسانية، وتحكمها مبادئ الحيادية وعدم التحيز.

وتهدف المساعدات الإنسانية لتوفير الاحتياجات الرئيسية للضحايا من غذاء ومياه، ورعاية صحية، وبذل الجهود نحو استعادة الضحايا نمط حياتهم السابق من خلال عدة مراحل تبدأ بالإغاثة من الكوارث على المدى القصير، وصولاً إلى التعاون على المدى الطويل، وهذه المراحل تشتمل على إعادة تأهيل الضحايا، وإعادة الإعمار، وهي مرحلة أطول من إعادة التأهيل، وتعني اتخاذ ما يلزم لإعادة الأوضاع كما كانت عليه سابقاً، والتدابير الوقائية للحماية من الكوارث لتقليل حدتها حال حدوثها) ).

أما مساعدات التنمية الرسمية، فتعنى التدفقات المالية من الدول والمؤسسات الدولية إلى الدول النامية، وتأخذ هذه التدفقات ثلاثة أشكال رئيسية هي: المنح والقروض الميسرة) والتعاون الفني من خلال إيفاد خبراء أو تنظيم برامج تدريبية لنقل الخبرة، والهدف الرئيسي لهذه المساعدات هو مساعدة الدول المتلقية على النهوض بعملية التنمية الاقتصادية والرفاهة الاجتماعية) ).

ثانياً:خريطةالم�ساعداتالإن�سانية

شهد عام 2013 تصاعد حدة الأزمات والاحتياجات الإنسانية، وواكب ذلك زيادة في مستوى الاستجابة الإنسانية الدولية، التي وصلت إلى 22 مليار دولار، وذلك بزيادة 27% عما تم تقديمه في عام 2012، والتي قدر فيه إجمالي المساعدات الإنسانية بحوالي 17.3 مليار دولار.

وتمثلت أكبر الدول والمؤسسات الأكثر منحاً للمساعدات الإنسانية في عام 2013 في الولايات المتحدة الأمريكية بواقع 4.7 مليار دولار،

والمملكة المتحدة بإجمالي 1.8 مليار دولار، تليها تركيا بحوالي 1.6 مليار دولار، ثم اليابان بحوالي 1.1 مليار دولار، فألمانيا 949 مليون دولار، وأخيراً السويد بحوالي 785 مليون دولار.

أما بالنسبة لأكبر خمس دول تلقياً للمساعدات الإنسانية، وفقاً للبيانات المتوفرة في عام 2012 فجاءت كالتالي؛ سوريا، إذ حصلت على 1.5 مليار دولار أمريكي، تليها جنوب السودان 865 مليون دولار، ثم الضفة الغربية وقطاع غزة 654 مليون دولار أمريكي، فالصومال 627 مليون دولار، وأخيراً باكستان 529 مليون دولار( ).

ثالثاً:الم�ساعداتالإن�سانيةوالم�سروطية

يتمثل أحد أهم مبادئ المساعدات الإنسانية في الحيادية وعدم التحيز، غير أن الواقع العملي لا يقر ذلك بشكل كامل، إذ يشير إلى وجود نوع من المشروطية، سواء كانت سياسية أو دينية، وذلك على النحو التالي: 1- البعد السياسي: لا يمكن الفصل بين البيئة السياسية والمساعدات الإنسانية، إذ إن هذه المساعدات تتأثر بتوجهات الدول المانحة، فعلى سبيل المثال، فرضت الولايات المتحدة على الشركة التي كلفتها المعونة الأمريكية (USAID) بإعادة تأهيل قطاع التعليم وزيادة عدد الطلاب الأفغان بأن يكون الأساس الذي تعمل عليه هذه المدارس هو إرساء دعائم الديمقراطية الغربية) ). 2- البعد الديني: برز دور الدين في المساعدات الإنسانية بشكل واضح من خلال الدول المانحة ذاتها، فعلى سبيل المثال، تم خلال عام 2000، توجيه 25% من المعونة الأمريكية إلى المنظمات ذات الطابع الديني والتي تعمل في مجال المساعدات الإنسانية) وتقدر ميزانية المنظمات المسيحية العاملة في مجال الإغاثة الإنسانية بمليار دولار سنوياً؛ أي ما يقارب موازنة المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة) ). هو أن الكنيسة الكاثوليكية تدير أكثر من ثلث المدارس في أفريقيا( ). يضاف إلى ما سبق تمتع المنظمات الدينية بميزة إضافية، وهي أنها تعمل في المجتمعات التي تتبنى توجهاتها ومعتقداتها الدينية نفسها، مما يجعلها تتمتع بقدرة أكبر على فهم السياقات الاجتماعية للمتضررين، ولكن التحدي الأكبر الذي يواجهها هو تحيزها للمنتمين إليها، فعلى سبيل المثال، نجد أن 70% من مصادر تمويل منظمة الإغاثة الإسلامية تأتي من "زكاة" المسلمين حول العالم، مما يعني أنه على الأرجح سوف يتم استخدام هذه الأموال لمساعدة المسلمين دون غيرهم، وهو ما ينطبق أيضاً على المنظمات ذات الطابع المسيحي، كما أن مثل هذه المنظمات تواجه صعوبات عند تقديمها مساعدات في مجتمعات تتبنى عقيدة مخالفة لها، مما قد يصعب مهمتها الأساسية في تقديم الإغاثة للضحايا( ).

رابعاً: تحديات الم�ساعدات الإن�سانية

يزداد عدد الفاعلين العاملين في مجال المساعدات الإنسانية بشكل مطرد، نتيجة ازدياد عدد الدول المانحة ومنظمات الإغاثة الحكومية وغير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني المهتمة بالمساعدات الإنسانية، فضلاً عن قيام مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (UNOCHA) بالربط والتنسيق بين هؤلاء الفاعلين لتحقيق اقصى استفادة من الموارد المتاحة، مما كان له دور كبير في زيادة فاعلية توصيل المساعدات الإنسانية) ).

ولكن ما تقدم لا ينفي أن المساعدات الإنسانية تواجه العديد من التحديات، يمكن إيجاز أهمها في أربعة تحديات أساسية هي: 1- التحدي الأول: زيادة معدل الصراعات المسلحة والكوارث الطبيعية: وتتفاقم هذه المشكلة عندما تشهد مناطق النزاعات المسلحة كوارث طبيعية من فترة لأخرى، وخير دليل على ذلك هو منطقة القرن الأفريقي، إذ تعاني دول هذه المنطقة، خاصة )جيبوتي، الصومال، كينيا، إثيوبيا( من الجفاف والمجاعات بصورة متكررة، وذلك في الوقت الذي تشهد فيه زيادة في الصراعات المسلحة في هذه الدول) ). 2- التحدي الثاني: استهداف موظفي الإغاثة العاملين في مناطق النزاعات: وهو ما يحد من قدرة المنظمات الإغاثية على تقديم الدعم والمساندة لأولئك الذين يحتاجونها، وتأتي على رأس هذه الدول أفغانستان والعراق والصومال وسوريا واليمن) وعلى سبيل المثال، شهد العام 2008، تعرض حوالي 280 عاملاً في مجال الإغاثة الإنسانية للقتل أو الإصابة، جراء هجمات تعرضوا لها في مناطق النزاعات) ). 3- التحدي الثالث: استمرارية بعض الصراعات لفترة طويلة: وهو الأمر الذي يرهق المنظمات العاملة في هذا المجال، ومن هذه الأزمات أزمات نزوح اللاجئين من دارفور، بالإضافة إلى اللاجئين الفلسطينيين والسوريين، والتي تستمر لفترات طويلة تصل إلى سنوات) ). 4- التحدي الرابع: نقص التمويل المطلوب لإتمام أعمال الإغاثة: فعلى الرغم من أن العديد من الدول المانحة والمنظمات الإنسانية

تعمل على تقديم المساعدات المطلوبة، فإن هذه المبالغ عادة لا تكون كافية لتلبية احتياجات المتضررين كافة، وعلى سبيل المثال شهد عام 2014 زيادة في المبلغ المقدم من الدول المانحة ليصل إلى 9.4 مليار دولار، ولكن هذا المبلغ أيضاً لم يلب سوى 48% من الاحتياجات المطلوبة، ويرجع هذا إلى ازدياد الصراعات المسلحة وضحاياها في سوريا والعراق وأفريقيا الوسطى والكونغو الديمقراطية وغيرها) ). ونظراً للتحديات التي تواجهها المنظمات التي تعمل في مجال المساعدات الإنسانية، فقد قدم بعض الباحثين والمهتمين عدداً من التوصيات للتغلب على هذه التحديات، يمكن إيجازها فيما يلي: 1- المسارعة في تقديم الإغاثة عند اندلاع الأزمات، خاصة الصراعات المسلحة، وذلك من خلال قيام هذه المنظمات بتطوير قدرات الانتشار السريع، وتوسيع شبكة من المحاورين والمفاوضين مع أطراف النزاع، حتى تتمكن من تقديم العون اللازم للضحايا. 2- ربط الإغاثة الإنسانية وتأهيل الضحايا بتحقيق التنمية المستدامة "خاصة في الأزمات طويلة المدى"، ويمكن تحقيق ذلك من خلال تطبيق برامج المال مقابل العمل والذى يهدف إلى تطوير مهارات المتضررين وتأمين عمل ودخل ثابت لهم، حتى لا يعتمدوا فقط على معونات المنظمات الإنسانية) مما سيخفف من العبء المالي الواقع على كاهل الدول المانحة والمنظمات على المدى الطويل. 3- تطوير المزيد من الإجراءات الخاصة بشفافية والمحاسبية للمساعدات الإنسانية لضمان فاعلية استخدامها وعدم إهدار مواردها، وعلى الرغم من بذل جهود في هذا المجال عامي 2005 و2011، فإنه لم يتم التوصل بعد لمعايير محددة فيما يخص كفاءة وفعالية المساعداتالإنسانية( ). 4- مشاركة الجيوش النظامية في تقديم الخدمات الإغاثية، خاصة أنها تمتلك من اللوجستيات والقدرات التنظيمية ما قد يفوق في بعض الأحيان منظمات الإغاثة، فنظراً للهجمات التي يتعرض لها العاملون في منظمات الإغاثة الإنسانية، فهي تحتاج بشكل أو بآخر لحماية عسكرية أو الاستعانة بشركات حراسة لـتأمين مقراتها وموظفيها( )، فضلاً عن الحاجة، في بعض الحالات، إلى القوات العسكرية للمشاركة في توصيل المساعدات، وأحدث مثال على ذلك هو قيام الولايات المتحدة بإرسال ثلاثة آلاف جندي إلى غرب أفريقيا لتقديم المساعدات لمواجهة انتشار فيروس الإيبولا، وإن كان يجب الأخذ في الاعتبار أن هناك فريقاً من الباحثين يرفض ذلك من منطلق أن وجود قوات عسكرية تدعم المنظمات الإنسانية سوف يتحول بشكل أو بآخر إلى دعم أحد طرفي الصراع مما سيشعل فتيل أزمات جديدة( ). 6- إقامة تحالف واسع بين الفاعلين الأساسيين العاملين في مجال المساعدات الإنسانية، من دول مانحة ومنظمات إقليمية وجيوش نظامية، والفاعلين من دون الدول، وهو ما يطلق عليه "الفاعلون غير التقليديين العاملين في المجال الإنساني( )" .

ويرجع توجيه هذه المساعدات للمنظمات ذات الطابع الديني إلى كون الشبكات الدينية أكثر تنظيماً وفعالية، نظراً لارتباطها بشكل أكبر بالتجمعات المناظرة لها في البلدان النامية، ولعل أوضح دليل على ذلك

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.