المساعدات التنموية:

مردود إيجابي على الدول المتلقية

Trending Events - Future Report - - باحث اقتصادي متخصص في التنمية الاقتصادية الدولية - محمد أحمد عبدالمعطي باحث اقتصادي متخصص في التنمية الاقتصادية الدولية

تلعب المساعدات الإنمائية دوراً كبيراً في مساندة عملية التنمية في الدول النامية، والأقل نمواً. وعلى الرغم من أن المساعدات المشروطة، التي تنفقها الدول المتلقية للمساعدات وفقاً لشروط الدول المانحة، وارتباط تقديم المعونات بشكل كبير بالمصالح السياسية وطبيعة العلاقات بين الدول، تحد نسبياً من توجيهها لخدمة أغراض التنمية، فإن هذه المعونات لعبت دوراً في تحقيق بعض الأهداف الإنمائية، خاصة خفض الفقر الشديد بحوالي النصف، وتوفير مياه الشرب لحوالي 2.3 مليار شخص، وتراجع معدلات الجوع العالمية إلى حوالي 14%، بالإضافة لخفض وفيات الأطفال إلى النصف تقريباً.

اأولً: خريطة الم�ساعدات التنموية

شهد العام 2013 ارتفاع صافي المساعدات التنموية الرسمية المقدّمة إلى البلدان النامية بنسبة 6.1% بالقيمة الحقيقية، وذلك بالمقارنة بعام 2012، إذ بلغ صافي المساعدات المقدّمة من مجموعة بلدان لجنة المساعدة الإنمائية (Development Assistance Committee) التابعة لمنظمة التعاون والتنمية (OECD) حوالي 134.8 مليار دولار، وهو ما يمثل حوالي 0.3% من الناتج القومي الإجمالي لمجموع البلدان المتقدمة.

ويرجع هذا التحسّن بصورة كبيرة إلى زيادة المساعدات متعدّدة الأطراف والمساعدات الإنسانية بحوالي 7% و25% على التوالي، وقد بلغت التدفّقات الفعلية للمساعدات من دول لجنة المساعدة الإنمائية حوالي 0.3% من الدخل القومي الإجمالي لها، وهي النسبة التي تظل أقل من النسبة التي تستهدف الأمم المتحدة تحقيقها، والمتمثّلة في صرف 0.7% من الدّخل القومي الإجمالي للمانحين كمساعدات للدول النامية.

ومن بين الدول الـ 28 الأعضاء في لجنة المساعدة الإنمائية، سجّلت 17 دولة زيادة في مخصصاتها للمساعدة الإنمائية الرسمية، في حين أن 11 بلداً سجلت تراجعاً في هذه المساعدة، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وألمانيا واليابان وفرنسا أكبر البلدان المانحة من حيث حجم المساعدات، في حين استمرت الدنمارك ولكسمبورج والنرويج والسويد في تجاوز الهدف الذي حدّدته الأمم المتحدة للمساعدات الإنمائية الرسمية والمتمثلّ بنسبة 0.7% من الدخل الوطني الإجمالي، في حين أن المملكة المتحدة بلغت هذا الهدف لأول مرة.

وارتفعت المساعدات الثنائية، باستثناء منح تخفيف عبء الدين والمساعدة الإنسانية، بنسبة 2.3%، كما ارتفعت مساهمات الدول المقدمة إلى المنظمات المتعددة الأطراف بنسبة 6.9.%

ومن جهة أخرى، ارتفعت المعونات التي تقدّمها بلدان أخرى غير أعضاء في لجنة المساعدة الإنمائية، فقد بلغ صافي المساعدات الإنمائية الرسمية التي قدّمتها الإمارات العربية المتحدة حوالي 1.25% من الناتج القومي الإجمالي، وهو المعدّل الأعلى بين جميع البلدان في عام 2013، كما ارتفع صافي المساعدات الإنمائية التركية بنسبة 30% في هذا العام، مقارنة بعام 2012.

وبالإضافة إلى الزيادة في حجم المساعدة التنموية الرسمية، كان هناك أيضا تحسّن في شروط المعونة، وعلى وجه التحديد في درجة استقلال الحكومات المتلقية في اختيار الكيانات لتنفيذ برامج المعونة في بلدانها، ففي أقلّ البلدان نمواً بلغ هذا الشكل من المعونات “غير المشروط“، التي تقدم للدول النامية والفقيرة دون قيود لتحديد أوجه إنفاقها من قبل الدول المانحة، من المعونة نسبة 83% من مجموع المعونة الثنائية التي صرفها أعضاء لجنة المساعدة الإنمائية في عام

ثانياً: الدول الأكثر منحاً للم�ساعدات

يختلف تصنيف الدول الأكثر منحاً للمساعدات بحسب المعيار المستخدم لقياسها، فمثلاً إذا كان المعيار هو النسبة المئوية للمساعدات قياساً للدخل القومي، سنجد أن الإمارات العربية المتحدة قد حصلت على المرتبة الأولى عالمياً في تقديم المنح والمساعدات بما نسبته 1.25% من دخلها القومي، وهي النسبة الأكبر على مستوى العالم خلال عام 2013، ويوضح الجدول رقم (1) أكبر عشر دول مانحة عالمياً وفقاً للنسبة المئوية من دخلها القومي.

أما إذا أخذنا في الاعتبار ترتيب الدول وفقاً لقيمة المساعدات، نجد أن الولايات المتحدة ستأتي في المركز الأول بما قيمته 31.55 مليار دولار تليها المملكة المتحدة بـ 17.88 مليار دولار، أما الإمارات العربية المتحدة فاحتلت المركز التاسع بـمساعدات قدرها 5.1 مليار دولار أمريكي.

وتختلف دوافع تقديم المساعدات ما بين دولة وأخرى، ولكنها تستند في مجملها إلى عدد من العوامل، وهي التأكيد على الالتزام الدولي بتقديم المساعدات، والرغبة الجادة في المساهمة في تنمية الدول النامية، بالإضافة إلى الطابع الإنساني للمساعدات، وهو ما تتميز به دولة الإمارات العربية المتحدة ومجموعة الدول الإسكندنافية.

ثالثاً: الدول الأكثر تلقياً للم�ساعدات

لاتزال المساعدات الدولية تقتصر على عدد محدد من الدول، حيث حصلت أعلى 20 دولة متلقية على نسبة 53% من مجموع المساعدات الإنمائية الرسمية في عام 2013، وعلى الرغم من حدوث زيادة بنسبة 12.3% في المعونة المقدّمة للبلدان الأقل نمواً في عام 2013 بالمقارنة بالسنة التي سبقتها، فإن البيانات تشير إلى تراجع إجمالي قيمة المعونة الثنائية لأفريقيا جنوب الصحراء بنسبة 4 .%

ووفقاً لبيانات لجنة المساعدات الإنمائية الصادرة في عام 2013، فإن الدول العشر الأكثر تلقياً للمعونات على مستوى العالم هي: أفغانستان، ميانمار، فيتنام، الهند، إندونيسيا، كينيا، تنزانيا، كوت ديفوار، إثيوبيا، باكستان، حيث تلقت هذه البلدان مجتمعة ما يزيد على 25 مليار دولار أمريكي كمساعدات رسمية وإنسانية، ويوضح الجدول رقم (2) أكبر خمس دول تلقياً للمساعدات الإنسانية.

ويلاحظ أن معظم هذه الدول تعاني نزاعات وصراعات داخلية مستمرة تؤثر على حياة الغالبية العظمى من أفراد الشعب وعلى التطور الاقتصادي للدولة، وقدرتها على تحقيق النمو والتنمية، وفي المقابل لم تظهر بالقائمة أي من الدول التي شهدت تفشياً للأوبئة، مثل دول غرب أفريقيا، وهو ما يعني عملياً ارتباط تقديم المعونات الإنسانية بشكل كبير بالمصالح السياسية وطبيعة العلاقات بين الدول بعيداً عن الدوافع الإنسانية.

رابعاً: قيا�س فاعلية الم�ساعدات

قطعت دول العالم شوطاً طويلاً في إعداد معايير لتحقيق كفاءة المعونات لضمان الاستغلال الأمثل من قبل الدول المتلقية للمساعدات، وضماناً لعدم إساءة هذه الدول استخدام المعونات، ومنها إعلان باريس حول فاعلية المساعدات، حيث تم صياغة خمسة محاور لزيادة فاعلية المساعدات وهي: الملكية، الانحياز، التجانس، النتائج، والمحاسبة المتبادلة) ).

كما وضع إعلان باريس كذلك مجموعة معايير لتقييم جودة مساعدات التنمية الرسمية (Quality) of :ODA QuODA وهي مجموعة من المعايير التي تم تطويرها لقياس أداء المانحين موزعة على 31 مؤشر مناظر للالتزامات التي قدمها المانحون، وقد تم تصنيف هذه المؤشرات إلى أربع مجموعات تشير إلى جودة المساعدات كالتالي؛ تعظيم الكفاءة، تقوية ودعم المؤسسات، تخفيف أعباء الدول الشريكة، والشفافية والتعلم) ).

وإجمالاً أصبحت معظم الدول المانحة أكثر شفافية ودعماً للمؤسسات) وتعهّدت "الشّراكة العالمية للتعاون الإنمائي الفعال" بالعمل مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالمساعدة في تعزيز سيطرة الحكومات المتلقّية على برامج التعاون الإنمائي، وتحسين آليات المساءلة المتبادلة للحكومات المتلقّية والمانحة.

خام�ساً: تقييم اأثر الم�ساعدات التنموية

إن دراسة تأثير زيادة معونات الدول المتقدمة على تحقيق الأهداف الإنمائية في عام 2013،

توضح أن أكثر من نصفها موجه لتخفيف عبء الديون على البلدان الفقيرة، أما النصف الآخر المتبقي، فيتم تقديمه إما كمساعدات عسكرية أو مساعدات لمواجهة الكوارث الطبيعية، وهو الأمر الذي يعني أن غالبية المعونات المقدمة لا تنعكس على تنمية الدول.

ووفقاً لقسم الشؤون الاقتصادية والاجتماعية بالأمم المتحدة، لا تحصل البلدان الـ 50 الأقل نمواً، إلا على ثلث المعونات التي تتدفق من البلدان المتقدمة، مما يعني أن المعونة لا تنتقل من الأغنياء للفقراء حسب حاجتهم للتنمية، بل من الأغنياء إلى أقرب حلفائهم، مما يعيق خطط التنمية في البلدان الأكثر فقراً في العالم( ).

وعلى الرغم هذه الرؤية القاتمة، فإنه وفقاً لتقرير الأهداف الإنمائية للألفية 2014 الصادر عن الأمم المتحدة فقد تمّ تحقيق عدة غايات من الأهداف الإنمائية للألفية نتيجة المساعدات الإنسانية التي تم توجيهها للمساعدة في تنفيذ وتحقيق هذه الأهداف الإنمائية حيث: 1- نجح العالم في تخفيض الفقر الشديد إلى نصف ما كان عليه في عام 1990 وبذلك انخفض عدد السكان الذين يعيشون في فقر مدقع بنسبة 22% في 2010. 2- تم توفير مياه الشرب لحوالي 2.3 مليار شخص، فبحلول عام 2010 تم تحقيق الغاية المتمثلّة في خفض عدد السكان الذين لا يصلون إلى مصدر محسّن لمياه الشرب إلى النصف، وذلك قبل الموعد المحدّد لذلك بخمس سنوات. 3- تراجعت معدلات الجوع العالمي بصورة كبيرة خلال الفترة بين )2011 – 2013)، حيث انخفضت نسبة السكان الذين يعانون من نقص التغذية في المناطق النامية إلى 14.% 4- تمّ خفض وفيات الأطفال إلى النصف تقريباً، حيث انخفض معدّل وفيات الأطفال دون الخامسة من العمر في العالم ككل بنحو 6(% 50). ومما سبق يبرز عدد من التوصيات اللازمة لتفعيل دور المساعدات الإنمائية الرسمية في تحقيق أهداف الألفية الإنمائية ومنها: 1- دعوة الدول الصناعية إلى زيادة حجم المساعدات التنموية الرسمية إلى الدول ذات الدخل المنخفض، وتلك التي تعاني من النزاعات في السنوات لمقبلة، بعيداً عن الاعتبارات السياسية والتركيز على الاعتبارات الإنمائية فقط. 2- توجيه المساعدات للدول التي تسعى إلى مكافحة الفقر، وفي حالة افتقادها للبنية المؤسسية السياسية والاقتصادية المؤهلة للتعامل مع المساعدات، يتم تخصيص جزء من المساعدات لرفع كفاءتها. 3- تنسيق المساعدات التنموية بين الدول المانحة والدول المتلقية لتأمين انتظامها بما يتيح للدول المتلقية الاستفادة منها في تخطيط وتنفيذ برامجها الإنمائية. 4- تخفيض القروض المشروطة التي تقيد الدول المتلقية للمساعدات، مما يتيح لها فرصة استخدام هذه المساعدات لخدمة أولوياتها الوطنية. 5- ضرورة تطوير الدول المتلقية لبياناتها ونظمها الإحصائية الوطنية لتحديد العقبات التي تحول دون التقدم نحو أهداف الألفية وتحسين أداء مؤسساتها الإدارية والمالية المسؤولة عن توظيف وإدارة المساعدات.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.