”إعادة التأهيل“:

نموذج المراجعات الفكرية للجماعة الإسلامية في مصر

Trending Events - Future Report - - الصفحة الأمامية -

لماذا كتب المراجعات الفكرية الآن؟! لأن الإرهابييـن والمتطرفييـن دينيـاً يُدخِلـون الإسـام ذاتـه فـي جـدل عقيـم مـرة أخـرى، وسـط ذيـوع لأفـكار هـي أبعـد مـا تكـون عـن صحيـح الإسـام، ووسـطيته، ودعوتـه للسـام والتعـارف والتسـامح وتأسـيس عاقـات قويمـة مـع كافـة المختلفيـن دينيـاً؛ فبعـد مـرور قرابـة خمسـة عقـود علـى مـا يسـمى "ظاهـرة الإحيـاء الدينـي"، والتـي بـدأت منـذ مطلـع السـبعينيات مـن القـرن الماضـي، وتـم فـي سـبيلها نشـر أفـكار متطرفـة والقيـام بسـلوكيات وأعمـال إرهابيـة، يمكـن التأكيـد علـى أن ثمة عـدداً من القواسـم الفكرية المشـتركة بين كافـة التيـارات المتطرفـة، والتـي تعـد بمنزلـة أصـول فكريـة لهـا، باتـت تحتـاج المزيـد مـن المقاربـات الفقهيـة والشـرعية التـي تعالـج هـذه الأسـس والمنهجيـات الخاطئـة للتيـارات الإرهابيـة، وذلـك فـي سـياق المواجهـة الفكريـة للتطـرف والعنـف.

ويتمثـل أبـرز مظاهـر "الإحيـاء الدينـي" وفقـاً للتيـارات المتطرفـة فـي السـعي الحثيـث للعـودة إلـى الإسـام الأصولـي، ومحاولـة الوصـول إلــى الحكـم مـن أجـل إقامـة دولـة "إسـامية" تكـون منطلقـاً لإقامـة الدولـة الإسـامية الكبـرى (دولـة الخافـة)، وتشـريع اسـتخدام كافـة الوسـائل، بمـا فـي ذلـك العنـف، لتحقيـق هـذه الأهـداف.

وتحـت هـذا المسـمى تأسسـت قواسـم مشـتركة بيـن كافـة التيـارات "الإسـامية" المتطرفـة، فيمـا يطلـق عليـه "وحـدة الهـدف"، وذلـك علـى الرغـم مـن كثـرة مـا بينهـا مـن خافـات فقهيـة ودينيـة؛ حيـث يسـعى كل تيـار إلـى إزالـة النظـام الحاكم الموجـود في بلـده، ثم إقامـة الدولـة "الإسـامية" التـي تحكـم بــ "الشـريعة الإسـامية"، ومـن ثـم الانطـاق إلـى الهـدف الأكبـر وهـو إقامـة "الخافـة الإسـامية"، بحيـث تعـود دولـة الخافـة مـن جديـد، والتـي يحكمهـا خليفـة مسـلم يجتمـع المسـلمون قاطبـة تحـت حكمـه، ويدينـون لـه بالسـمع والطاعـة علـى الرغـم مـن اختـاف جنسـياتهم وأعراقهـم وأقطارهـم، وهـذا هـو الجانـب الذي لعـب عليه تنظيـم "داعـش"، الإرهابي بقوة، واسـتطاع مـن خالـه جـذب آلاف المقاتليـن مـن العديـد مـن دول العالـم، كمـا أنـه الهـدف الـذي تبنـاه تنظيـم القاعـدة، ومـن قبلـه الجماعـة الإسـامية وجماعـة الجهـاد فـي مصـر، وغيرهـا مـن التنظيمـات المحليـة المتطرفـة، كمـا فـي حالـة الجزائـر أيضـاً.

ولعـل غالبيـة هـذه التنظيمـات لـم تتوقـف رويـداً لتعيـد التفكيـر فـي الأسـس الشـرعية التي تسـتند إليهـا لتحقيـق أهدافهـا المزعومة، والتـي مـن أبرزهـا: (الحاكميـة، والجاهليـة والتكفيـر، ووجوبيـة الجهـاد، وحتميـة المواجهـة، ووجـوب تغييـر المنكـر بالقـوة، ووجـوب الاعتـداء علـى الأجانـب وأهـل الكتـاب - بـل والمختلفيـن مذهبيـاً - فـي الداخـل).

ولأن الأسـس الفكريـة لهـذه التيـارات لـم تختلـف كثيـراً إلا مـن حيـث التنافـس فيمـا بينهـا علـى أيهـا أشـد تطرفـاً، فيمكـن العـودة إلـى تجربـة المراجعـات الفكريـة للجماعـة الإسـامية فـي مصـر، والتـي فنـدت كافـة هـذه الأسـس الخاطئـة وأعـادت تقويـم الانحرافـات الفقهيـة والشـرعية التـي قادتهـا إلـى انتهـاج العنـف وقتـال نظـام الحكـم فـي مصـر وإباحـة قتـل الأجانـب وغيرهـا مـن أعمـال العنـف والإرهـاب.

ويبـرز الهـدف مـن اسـتعادة الحديـث فـي هـذا الملحـق عـن كتـب المراجعـات الفكريـة للجماعـة الإسـامية إلـى التذكيـر بكتابـات مهمـة، فكريـاً وشـرعياً وفقهيـاً، كادت أن تكـون طـي النسـيان علـى الرغـم ممـا تحملـه مـن معالجـة للكثيـر مـن الأفـكار المتطرفـة والهدامـة التـي بُنِـي عليهـا تنظيـم القاعـدة فيمـا، واسـتخدمها "داعـش" لاحقـاً، ليحولهـا أيضـاً إلـى عنـف وإرهـاب لـم تعرفـه أي مـن التنظيمـات المتطرفـة مـن قبلـه، وذلـك وسـط موجـة غيـر مسـبوقة مـن انتشـار التنظيمـات التكفيريـة و"الجهاديـة" فـي العديـد مـن دول منطقـة الشـرق الأوسـط وغيرهـا مـن المناطـق فـي العالـم.

وبالعـودة للجماعـة الإسـامية فـي مصـر، فلـم يكـن يـدر فـي خلـد أحـد أن تقـوم الجماعـة، وهـي فـي قمـة نشـاطها الإرهابـي فـي منتصـف تسـعينيات القـرن الماضـي، بالإعـان عـن "مبـادرة وقـف العنـف" مـن جانـب واحـد فـي 5 يوليـو 1997، ليتحـوّل هـذا الإعان إلـى عمليـة مراجعـة متكاملـة حتـى عـام 2002، شـملت مراجعـة فكـر الجماعـة وسـلوكها وبنائهـا التنظيمـي.

وقـد أثمـرت هـذه المراجعـة مجموعـة مـن الكتـب والكتيبـات التــي بلــغ عددهــا 25 مؤلفــاً )مرفــق قائمــة كاملــة بهــذه الكتــب فــي نهايــة هــذا الملحــق( قــام بإعدادهــا قــادة الجماعــة، وتمــت طباعتهــا فــي عامــي 2004 و2005؛ لتدعــم عمليــة التحــوّل الفكـري والتوجّـه السـلمي الجديـد للتنظيـم بأدلـة فقهيـة وعقانيـة، حيــث شــارك فــي تأليفهــا ومراجعتهــا وإقرارهــا معظــم قيــادات الجماعـة، ومـن أبرزهـم: (ناجـح إبراهيـم، وكـرم زهـدي، وحمـدي عبدالرحمـن عبدالعظيـم، وعلـي الشـريف، وأسـامة حافـظ، وعاصم عبدالماجــد، وفــؤاد الدواليبــي، وعصــام دربالــة).

وقـد بـدأت المراجعـات الفكريـة للجماعـة الإسـامية بإصدارها أربعـة كتـب رئيسـية، أشـرف علـى صياغتهـا كبـار قـادة الجماعـة مــن داخــل ســجونهم: هــي (مبــادرة وقــف العنــف)، و(تســليط الأضــواء علــى مــا وقــع فــي الجهــاد مــن أخطــاء)، ثــم (النصــح والتبييـن فـي تصحيـح مفاهيـم المحتسـبين)، و(حرمـة الغلـو فـي الديـن وتكفيـر المسـلمين)، وهـي المراجعـات التـي علـى أساسـها تـم الإفـراج عنهـم وعـن أغلب المسـجونين من عناصـر الجماعة، وإدمـاج العديـد منهـم فـي المجتمـع المصـري.

وأدت هـذه المراجعـات إلـى اتخـاذ الجماعـة شـعاراً جديـداً لهـا، يتمثـل فـي المصحـف الشـريف تحيطـه الآيـة الكريمـة: {وأَنْ أَقِيمُوا الدِّيـنَ وَلَا تَتَفَرَّقُـوا فِيـهِ} [الشـورى: 13،] وذلـك بـدلاً مـن الشـعار القديــم الــذي كان يتضمــن الســيف والمصحــف والآيــة الكريمــة: {وَقَاتِلُوهُـمْ حَتَّـى لاَ تَكُـونَ فِتْنَـةٌ وَيَكُـونَ الدِّيـنُ لِِّ} [البقـرة : 193].

يذكــر أنــه بمجــرد التفاعــل مــع مبــادرة وقــف العنــف مــن قِبــل الدولــة المصريــة، والســماح للقــادة بزيــارة أفــراد الجماعــة فـي السـجون وشـرح المبـادرة لهـم، أعلـن قـادة الجماعـة أن هـذه المبــادرة تمثــل ثــورة فكريــة كاملــة، حيــث طالــت كل الثوابــت الفكريــة للجماعــة، والتــي وصفتهــا بالأخطــاء الشــرعية الفادحــة التـي يجـب التخلـي عنهـا، وتبنـي مفاهيـم جديـدة صحيحـة، وهـذا مـا أصـاب أبنـاء الجماعـة الإسـامية والتيـار الجهـادي بشـكل عـام بصدمـة فكريـة عنيفـة. وكان قـادة الجماعـة يدركـون ذلـك جيـداً، لذلــك دعمــوا موقفهــم فــي مبــادرة وقــف العنــف بمجموعــة مــن المؤلفـات الفكريـة التـي تشـرح التوجـه الجديـد للجماعـة، من خال الاسـتناد إلـى مجموعـة مـن الأدلـة الشـرعية القويـة التـي هدمـت الأفــكار القديمــة وأصَّلــت للأفــكار الجديــدة.

ومـن بيـن المؤلفـات الفكريـة لمراجعـات الجماعـة الإسـامية التـي بلغـت 25 مؤلفـاً، توجـد عشـرة كتـب رئيسـية يعرضهـا هـذا الملحــق، عالجــت المحــاور الفكريــة الرئيســية، ليــس فــي فكــر الجماعـة الإسـامية فقـط، وإنمـا فـي الفكـر الجهـادي ككل، وجـاء علـى رأسـها مفهـوم "الحاكميـة" الـذي تنطلـق منـه كل التيـارات الجهاديـة وتبنـي عليهـا أساسـها الفكـري والعقائـدي وتتخـذ منـه قوسـاً تُطلـق منـه سـهام الكفـر علـى أعدائهـا ومخالفيهـا.

كمــا عالجــت المراجعــات الفكريــة مفهــوم "الجهــاد" الــذي تسـتند إليـه تيـارات العنـف المُسـلح وتتخـذه ذريعـة لسـفك الدمـاء وهتـك الحرمـات وقتـل الأبريـاء وإشـاعة الفوضـى، حيـث سـعى الدكتـور "ناجـح إبراهيـم" وزمـاؤه إلـى وضـع هـذا المفهـوم فـي إطـاره الشـرعي، وتصحيـح الآراء الخاطئـة التـي تطرقـت لـه.

وتناولـت المراجعـات أيضـاً قضايـا أخـرى ذات صلـة بمفهـوم "الجهــاد"، مثــل اســتهداف المدنييــن والســياح الأجانــب وأيضــاً العمليــات الانتحاريــة، وذلــك مــن أجــل توضيــح الجرائــم التــي ارتكبتهــا الجماعــات الإرهابيــة تحــت مســمى "الجهــاد فــي ســبيل اله"، مــع تفنيــد الفتــاوى الخاطئــة التــي اســتندت إليهــا الجماعــات الإســامية فــي هــذا الشــأن، وفــي مقدمتهــا فتــوى الإمــام "ابــن تيميــة"، والتــي تعــرف باســم "فتــوى التتــار"، حيــث تعــد مرجعــاً مهمـاً لـكلِ التنظيمـات الجهاديـة وركيـزة فكريـة مهمـة للكثيـر مـن أعمــال القتــل والإجــرام.

وفــي هــذا الســياق، هدفــت المراجعــات الفكريــة للجماعــة الاســامية إلــى النــزول للواقــع لتفنيــد الأُطروحــات الجهاديــة لتنظيــم "القاعــدة"، وانتقــاد الأخطــاء التــي ارتكبهــا هــذا التنظيــم المُتطـرف فـي حـق العالـم الإسـامي والتيـارات الإسـامية كافـة، مـن خـال دخولـه فـي صراعـات خاطئـة، وعـدم إدراكـه قضيـة المفاسـد والمصالـح التـي يُبنـى عليهـا مفهـوم "الجهـاد"، مـع التأكيد علـى أن "الجهـاد" لا يمكـن أن يكـون غايـة فـي حـد ذاتـه وإنمـا هـو سـيلة قـد يتـم اللجـوء إليهـا وفـق ضوابـط محـددة مـن أجـل تحقيـق مقاصــد الشــريعة الإســامية.

وعرجــت المراجعــات كذلــك إلــى تصحيــح عاقــة الأفــراد المنتميـن للحـركات الإسـامية بصفة عامـة، والجماعة الإسـامية خاصــةً، بالمجتمــع بكافــة أطيافــه، وانتقــال عاقاتهــم بمحيطهــم الاجتماعـي مـن حالـة النفـور إلـى التعـاون والاندمـاج، وتصحيـح المفاهيـم الخاطئـة التـي تسـببت فـي حالـة الانفصـال بينهـم وبيـن المجتمــع، ومنهــا نظــرة أبنــاء التيــارات الإســامية إلــى أنفســهم "نظــرة اســتعاء" علــى الآخريــن، لاعتقادهــم خطــأً أنهــم أكثــر إيمانــاً وتقــوى، حيــث أكــدت كتــب المراجعــات أن مهمــة الأفــراد الذيـن يتصـدون للدعـوة هـي هدايـة النـاس، وليـس الحكـم عليهـم بالكفــر أو الإيمــان.

وفـي الاتجـاه ذاتـه، ركـزت المراجعـات الفكريـة علـى واحـدة مــن أهــم النقــاط التــي تــؤدي إلــى صــدام التيــارات الدينيــة مــع مجتمعاتهــا، وهــي قضيــة "الأمــر بالمعــروف والنهــي المُنكــر"، وذلـك بهـدف تصحيـح آليـة التطبيـق المغلـوط لهـذا المفهـوم لـدى الكثيــر مــن تلــك التيــارات. كمــا شــددت المراجعــات علــى أهميــة التجديـد الدائـم والمسـتمر للخطـاب الدينـي علـى المسـتويات كافـة، بمــا فــي ذلــك المؤسســات الدينيــة الرســمية، ومواكبــة التطــورات والمتغيــرات.

وبنــاءً عليــه، يســلط هــذا العــدد مــن "تقريــر المســتقبل" الضـوء علـى عشـرة كتـب مـن "المراجعـات الفكريـة" للجماعـة الإسـامية، حيـث يعـرض أبـرز الأُطروحـات التي تضمنتهـا، وذلك بهــدف دعــم "حــرب الأفــكار" ضــد التنظيمــات المتطرفــة مثــل "داعـش" وغيرهـا، وتعزيـز رؤيـة القـارئ والفرد العـادي، وكذلك مـن يتصـدون فقهيـاً وفكريـاً للأفـكار المتطرفـة، مـن أجـل وقـف، أو الحــد مــن، انتشــار مثــل هــذه الأفــكار والأفعــال التــي أدخلــت معظـم دول المنطقـة العربيـة فـي حالـة مـن الصراعـات والفوضـى والنزاعــات الداخليــة.

علي بكر:

باحث متخصص في شؤون الحركات الإسلامية

اأولاً: الحاكمية.. نظرية �شرعية وروؤية واقعية

ظـل مفهـوم "الحاكميـة" مثـاراً للجـدل فـي العديـد مـن الأزمنـة، خاصــةً فــي ظــل الفهــم الخاطــئ لحقيقــة مــا يعنيــه المفهــوم، والتمييــز بيــن حاكميــة اله التــي لا مــراء فيهــا، وبيــن حاكميــة الحـكام مـن البشـر الخاضعيـن للصـواب والخطـأ فـي تصرفاتهـم، الأمــر الــذي دفــع بعــض الغُــاة لتكفيــر الحــكام.

لـذا يجيـب هـذا الكتـاب عـن العديـد مـن التسـاؤلات المتعلقـة بمفهــوم الحاكميــة، حيــث يوضــح ابتــداءً المقصــود بالحاكميــة، والتـي تعنـي أن تكـون المرجعيـة العليـا فـي الحكـم ل وللرسـول، بيـد أن هـذا لا يعنـي أن كل حكـم أو أمـر دنيـوي لابـد أن يكـون منصوصـاً عليـه فـي هذيـن المصدريـن، خاصـةً أن قضايـا العبـاد غيــر محــدودة، ولكــن المقصــود ألا تصطــدم تلــك الاجتهــادات بثوابـت الشـريعة الإسـامية، ومـن ثـم لا ترتبـط الحاكميـة بـأي شـكل مـن الأشـكال بالتكفيـر، سـواءً للحاكـم أو للمحكـوم.

وفيمـا يتعلـق بتكفيـر الحُـكَّام المسـلمين، فقـد اعتبـره المؤلفـون أشـد خطـراً علـى المسـلمين مـن تكفيـر الأفـراد العادييـن، وذلـك لأن آثــار تكفيــر الحاكــم لا تقتصــر علــى دائرتــه الضيقــة بــل علـى الوطـن بالكامـل، خاصـةً أن نتائجهـا تعنـي بطـان حكمـه بالضــرورة والخــروج عليــه وقتالــه، وهــو مــا قــد يــؤدي إلــى مزيــد مــن الفوضــى والدمــار والخــراب للمجتمعــات الإســامية.

ومـن ثـم، طالـب الكتـاب بضـرورة توخـي الحـذر والحيطـة التامــة قبــل اتخــاذ هــذه الخطــوة مــن ناحيــة، وتــرك هــذا الأمــر لأئمــة الديــن مــن الفقهــاء والعلمــاء والمخضرميــن مــن ناحيــة أخــرى، مُحــذراً أكثــر مــن مــرة مــن خطــورة تكفيــر الحــكام المســلمين والخــروج المُســلح عليهــم.

وقـد تنـاول الكتـاب بمزيـد مـن التدقيـق الأسـاس الفكـري الذي يعتمـده غُـاة التكفيـر فـي نظرتهـم لمفهـوم الحاكميـة واسـتخدامهم لــه، مســتدلاً علــى ذلــك بآيــات الحاكميــة فــي القــرآن وغيرهــا، كمـا تطـرق إلـى طبيعـة العاقـة بيـن حاكميـة اله وحاكميـة البشـر التــي وصفهــا بأنهــا عاقــة توافــق وليــس تعــارض، حيــث أكــد أن الآيــات القرآنيــة بقــدر مــا تؤكــد حاكميــة الله وتقرهــا إقــراراً واضحــاً، فإنهــا فــي الوقــت نفســه تحمــل بيــن ثناياهــا إقــراراً بحاكميـة البشـر فـي تسـيير أمورهـم وقوانينهـم بمـا لا يخالـف مـا أنـزل اله فـي كتابـه، بـل يشـير الكتـاب إلـى أن مـن يريـد إلغـاء حاكميـة البشـر تمامـاً إنمـا يضـر بشـريعة الإسـام نفسـها ضـرراً بالغـاً، وأنـه بهـذا الإلغـاء يتنكـر لحاكميـة اله التـي تبنـى بالأسـاس علـى البشـر، حيـث تُنفـذ بأيديهـم وفـي وجودهـم.

كذلــك خصَّــص الكتــاب بابــاً كامــاً للحديــث عــن فكــرة الخــروج علــى الحاكــم والعِظــات والعِبّــر التــي يمكــن الخــروج بهـا مـن خبـرات التاريـخ الإسـامي فـي هـذا الأمـر؛ إذ أوضـح الدكتـور "ناجـح إبراهيـم" أن تجـارب الخـروج علـى الحاكـم فـي التاريــخ الإســامي لــم تســهم فــي تعضيــد قــوة الديــن الإســامي بقــدر مــا أســهمت فــي إضعافــه.

ثانياً: ت�شليط الاأ�شواء على ما وقع في الجهاد من اأخطاء

يعـد هـذا الكتـاب إدانـة صريحـة لممارسـات الجماعـة الإسـامية، واعتبـار مـا ارتكبتـه مـن أفعـال خروجـاً علـى الشـرع والديـن، ووضعــاً للجهــاد فــي غيــر موضعــه، حيــث يوضــح الكتــاب أن الجهــاد ليــس هدفــاً فــي حــد ذاتــه ولا غايــة، وإنمــا هــو وســيلة لرفـع رايـة الديـن وإعـاء كلمـة اله، وإن لـم يحقـق الجهـاد غايتـه يصبــح ممنوعــاً لمــا فيــه مــن إراقــة للدمــاء وذهــاب لــلأرواح والأمــوال.

ويذكـر الكتـاب أن غايـة الجهـاد هدايـة الخائـق إلـى الحـق، فــإذا تعارضــت الغايــة مــع الوســيلة وجــب تقديــم الغايــة علــى الوسـيلة، خاصـةً أن الجرائـم العظمـى التـى اُرتكبـت باسـم الجهاد أســهمت بشــكل أساســي فــى نفــور المجتمــع، وســيان الدمــاء، وامتــاء الســجون، وتشــويه صــورة الإســام والمســلمين. ومــن ثــم، فمجمــل مــا وقــع كان فتنــة، ولــم يحقــق مصلحــة.

ويــرى مؤلفــو الكتــاب أنــه ليــس هنــاك حــرج علــى العلمــاء والمجتهديــن فــي أن يغيــروا مــن اجتهاداتهــم وفتواهــم، مراعــاةً لاختــاف الزمــان والمــكان والأجنــاس.

ويتنــاول الكتــاب مُغــالاة بعــض الشــباب الذيــن خرجــوا حامليـن السـاح فـي حـروب ضـد دولتهـم أو دول أخـرى، وهـو مـا نتـج عنـه الكثيـر مـن المفاسـد والأضـرار، فـي نطـاق إلقـاء النفـس فـي التهلكـة المنهـي عنـه شـرعاً وعقـاً، مـع أن الإسـام يتضمـن قواعـد تحـول دون قتـل المدنييـن الذيـن لا يشـاركون فـي القتـال، بالإضافـة إلـى عـدم جـواز التمثيـل بجثـث القتلـى وهـدم منــازل المحاربيــن أو حــرق محاصيلهــم وزروعهــم.

وفيمــا يخــص الســياحة وحُرمــة قتــل المُســتَأمنين، يــرى المؤلفــون أنــه متــى مــا انعقــد الأمــان صــار المُســتأمن فــي حصانــة مــن إلحــاق الأذى والضــرر بــه، ســواء مــن المســلم المؤمـن أو مـن غيـره مـن المسـلمين أو حتـى الذمييـن، وينطبـق ذلـك فـي عصرنـا الحاضـر علـى الدعـوات التـي يوجههـا أفـراد مـن المسـلمين إلـى أُنـاس مـن أديـان أخـرى للزيـارة وعلـى عقـود العمــل، وغيــر ذلــك مــن كل صــورة ينطبــق عليهــا التوصيــف الشــرعي للأمــان.

ومــن ثــم، فــإن الســياح الذيــن يدخلــون البلــدان الإســامية لا يجـب التعـرض لهـم بالقتـل أو اسـتهداف أموالهـم أو أعراضهـم. ويـرد مؤلفـو الكتـاب علـى المختلفيـن فـي هـذا الصـدد - والذيـن يـرون أن الأمـان المُقـدَّم للسـياح هـو أمـان الحكومـة - بـأن العِبرة بمـا يعتبـره السـائح أمانـاً.

وفــي نهايــة الكتــاب، يوجــه المؤلفــون رســالة إلــى شــباب المســلمين فحواهــا أن أحــرى المســائل وأولــى القضايــا بالتدقيــق فيهــا هــي مســائل الجهــاد التــي تتعــرض للدمــاء والأمــوال، وبالتالــي فعلينــا أن نقــوم بإرجاعهــا لأهــل العلــم والاجتهــاد، والتعامــل مــع الإســام ليــس بوصفــه نصوصــاً جامــدة، ولكنــه ديــن يُراعــي قــدرات البشــر وواقعهــم، ويجعــل المســلم قــادراً علــى التوفيــق بيــن الحكــم الشــرعي والواقــع العملــي.

ثالثاً: حتمية المواجهة وفقه النتائج

يتنــاول كتــاب "حتميــة المواجهــة وفقــه النتائــج" مراجعــة لأحــد المبــادئ المهمــة التــي نــادى بهــا الشــباب المســلم وعــاش فــي كنفهــا حتــى ظنهــا البعــض حتميــة لا جــدال فيهــا، وهــي فكــرة "حتميـة المواجهـة المسـلحة مـع أنظمـة الحكـم القائمـة فـي بـاد الإسـام" واتخـاذ ذلـك سـبياً لنُصـرة قضايـا الإسـام. وانطاقـاً مــن كــون هــذه الفكــرة محــض اجتهــاد بشــري غيــر معصــوم، حـاول مؤلفـو الكتـاب إعـادة النظـر فـي تلـك القضيـة فـي ضـوء الضوابــط الشــرعية، مــن خــال ثاثــة فصــول تــم تخصيصهــا لمناقشــة عــدد مــن الأفــكار المهمــة، والتــي شــملت مــا يلــي: أ ـ عدم قدسية الفكر البشري: حــاول الكتــاب وضــع حــدود فاصلــة بيــن عــدد مــن المفاهيــم، وذلـك سـعياً لوضـع حـد فاصـل بيـن مـا هـو مقـدس ومعصـوم، وبيـن مـا هـو خـارج نطـاق العصمـة والتقديـس، وتضمنـت هـذه المفاهيــم: - الحــد الفاصــل بيــن الإســام والفكــر الإســامي، فالإســام وحــي معصــوم لا ريــب فيــه، أمــا الفكــر الاســامي فهــو عمــل العقـل البشـري فـي فهمـه، ولـذا فـإن الحكـم الإسـامي هـو عمـل الســلطة البشــرية فــي تنفيــذه، وكاهمــا لا عصمــة لــه. - الحـد الفاصـل بيـن الشـريعة والفقـه، فنصـوص الشـريعة واجبـة القبـول، أمـا قـول الفقيـه فيمكـن قبولـه أو رده بضوابـط شـرعية يعرفهـا أهـل الاختصـاص. - الحــد الفاصــل بيــن الحتميــة والسُــنة الكونيــة، فالسُــنن الكونيــة مــن صُنــع الله، بينمــا الحتميــة مــن صُنــع البشــر، فهــم الذيــن حتموهــا ثــم ســعوا إلــى تطبيقهــا. وبالتالـي، لا يجـدي وضـع الحتميـات دائمـاً علـى أرض الواقـع، لأنـه يعنـي إهمـال كل مـا هـو مُحتمـل مـن متغيـرات الواقـع الـذي هــو متغيــر بطبعــه علــى الــدوام، ويترتــب عليــه إلغــاء العقــل والتفكيـر، والجمـود علـى الـرأي الواحـد. ب ـ عدالة القضية لا تعني حتمية المواجهة: يعمــد الكتــاب إلــى تصحيــح الفكــرة القائلــة بــأن نُصــرة القضايــا العادلــة لا تتــم إلا مــن خــال المواجهــة المســلحة بوصفهــا فكــرة غيــر صائبــة، فعدالــة القضيــة لا تعنــي حتميــة المواجهــة المسـلحة، لأن هنـاك سُـباً أخـرى – غيـر المواجهـة – قـد تكـون هــي الأنســب والأنجــح لنصــرة قضايــا الحــق والعــدل.

وحتميـة المواجهـة فـي الحقيقـة ليسـت سُـنة كونيـة ولا حُكمـاً شـرعياً، وإنمـا هـي فتـوى قـد تصيـب أو تخطـئ، فضـاً عـن أنـه لا يجـوز أن تتعـدى الواقـع والزمـان، خاصـةً أن القـول بحتميـة المواجهـة يعنـي أنـه ليـس ثمـة بديل شـرعي آخـر لسياسـة الواقع، وتحقيـق مصالـح الإسـام والمسـلمين، وهـذا غيـر صحيـح. ج ـ الأخــذ فــي الاعتبــار المــآلات والعواقــب عنــد الإقــدام علــى الأعمــال: يدخــل ذلــك فــي نطــاق "فقــه النتائــج"، حيــث يوضــح الكتــاب ضــرورة دراســة الجــدوى وحســاب النتائــج لــكل عمــلِ قبــل الشــروع فيــه، فنحــن وإن كنــا غيــر مُطالبيــن بتحقيــق النتائــج، إلا أننـا مطالبـون فـي الوقـت ذاتـه بالأخـذ بالأسـباب، ومـن أهـم

هـذه الأسـباب بـذل الجهـد فـي معرفـة المـآلات، وحتـى فـي حـال كـون النظريـة صحيحـة، فإنـه يُمتنـع عـن تطبيقهـا عندمـا يكتنفهـا عـوارض تحـول دون تحقيـق المصلحـة المرجـوة مـن ورائهـا.

رابعاً: الاإ�شلام وتهذيب الحروب

فـي ظـل مـا يُثـار حـول قضيـة اسـتهداف المدنييـن بالقتـل عبـر اســتخدام وســائل عــدة تراوحــت بيــن التفجيــرات العشــوائية، وتفجيــر الطائــرات المدنيــة، وتدميــر البنــى التحتيــة، وذلــك اســتناداً إلــى فتــاوى عــدة تبيــح مثــل هــذا الاســتهداف، يُناقــش كتــاب "الإســام وتهذيــب الحــروب" تلــك الفتــاوى، وتفنيدهــا بوصفهـا فتـاوى غيـر مُعبِّـرة عـن الموقـف الإسـامي الصحيـح مــن المدنييــن. وفيمـا يلـي عـرض لأهـم القضايـا التـي تناولهـا الكتاب بالمناقشـة والتصحيح: أ ـ التمييز بين المحاربين والمدنيين في القتال: ثمــة فتــاوى تنطــوي علــى إباحــة قتــل المدنييــن مــن جنســيات معينــة أو إباحــة قتــل النســاء والأطفــال والســياح، لــذا حــاول مؤلفــو هــذا الكتــاب الــرد علــى هــذه الفتــاوى بوصفهــا تتناقــض مـع مـا قررتـه الشـريعة الإسـامية فـي هـذا الصـدد، اسـتناداً إلـى أن التفريــق بيــن المحاربيــن والمدنييــن يعــد مــن أبــرز مامــح الرؤيـة التهذيبيـة للحـروب التـي قدمهـا الإسـام، وهـو مـا يعنـي أن الحــرب فــي الإســام ليســت ثأريــة أو انتقاميــة. ب ـ استهداف السياح والأجانب بالقتل: يــرى مؤلفــو الكتــاب أن فتــاوى اســتهداف الأجانــب والســياح بالقتـل، والتـي بـرزت فـي تسـعينيات القـرن الماضـي قـد اسـتندت إلـى مقدمـات كانـوا يظنـون أنهـا صحيحـة، فولـدت نتائـج خاطئة. وتتلخـص تلـك المقدمـات فـي أن هـؤلاء الأجانـب لا يصـح الأمان الممنــوح لهــم لأن عــدداً مــن أركان الأمــان الشــرعي أصبحــت غيـر قائمـة خاصـةً فـي ظـل تحذيرهـم مـن القـدوم للبـاد. ويُفنّـد الكتـاب اسـتدلالات القائليـن بجـواز قتـل السـياح بوصفهـا تنطـوي علـى عـددِ مـن الأخطـاء، منهـا التعميـم الخاطـئ واحتمـال وجـود مــن لا يجــوز قتلــه بينهــم، خاصــةً أن طريقــة دخولهــم تنــدرج غالبـاً فـي مفهـوم التأميـن بمعنـاه الشـرعي. ج ـ العمليات الفدائية (استشهاد أم انتحار؟): يُفنَّــد الكتــاب آراء فريقيــن مــن العلمــاء حــول الموقــف مــن العمليــات الفدائيــة، حيــث ينظــر الفريــق المؤيــد لهــا بوصفهــا عمليــات استشــهادية، بينمــا يراهــا الفريــق المعــارض مــن قبيــل العمليـات الانتحاريـة. ويؤكـد مؤلفـو الكتـاب بعـد اسـتعراض آراء الفريقيــن علــى الآتــي: - لا يجـوز القيـام بهـذه العمليـات الفدائيـة إلا إذا توافـرت القيـود والضوابـط التـي وضعتهـا الشـريعة الإسـامية. - إنـه بعـد التأكـد مـن توفـر القيـود والضوابـط المطلوبـة، يجـب النظـر إلـى المصالـح المرجـوة مـن العمليـات الفدائيـة والمفاسـد المترتبـة علـى فعلهـا، وذلـك قبـل القـول بجوازهـا، مـع مراعـاة أن حسـابات هـذه المصالـح والمفاسـد تتغيـر بتغيـر الأزمـان. د ـ خطف وتفجير الطائرات المدنية: يشــير الكتــاب إلــى ضــرورة النظــر فــي جملــة المفاســد التــي تترتــب علــى عمليــات خطــف وتفجيــر الطائــرات المدنيــة، ومقارنتهــا بالأهــداف التــي يريــد الخاطفــون تحقيقهــا، حيــث تكــون النتيجــة فــي الغالــب هــي عــدم مناســبة هــذا الأســلوب.

هـ- تدمير البنية التحتية والمؤسسات الحكومية: يـرد الكتـاب علـى الفتـاوى التي تُنـادي بجواز تدمير البنيـة التحتية والمؤسسـات الحكوميـة بعـدد مـن الحجـج والبراهيـن التـي تثبـت العكـس، ويوضـح أنـه اسـتناداً إلـى أن ملكيـة المؤسسـات والبنـى التحتيـة لا تعـود لشـخص بعينـه لكنهـا تعـود للشـعب بأسـره، فإنـه لا يجــوز القيــام بتدميــر المؤسســات الحكوميــة والبنــى التحتيــة فـي بـاد الإسـام، نظـراً لمـا قـد يترتـب عليـه مـن قتـل وإتـاف ينتــج عنــه أضــرار عديــدة بالمســلمين ووغيرهــم بــدون جريمــة ارتكبوهـا.

خام�شاً: الن�شح والتبيين في ت�شحيح مفاهيم المُحتِ�شبين

يطـرح "أسـامة إبراهيـم حافـظ" وآخـرون مجموعـة مـن الأفـكار حـول مسـألة الحِسـبة (الأمـر بالمعـروف والنهـى عـن المنكـر)، والــدور الــذي يجــب ألا تتعــداه الجماعــات الإســامية فــي ظــل وجــود المؤسســات الحكوميــة التــي تقــوم بضبــط الأمــن، وتنفيــذ القانــون، ويضــع الكتــاب ضوابــط لتطبيــق الحِســبة، وذلــك كالتالــي: أ ـ الابتعــاد عــن فكــرة الظــن الســيئ أو التخويــن بغيــر حــق أو دليـل: حيـث يمثـل ذلـك خطـورة علـى اسـتقرار المجتمـع نتيجـة انتشــار التربــص بيــن أفــراده، مــا يــؤدي فــي النهايــة إلــى قتــل أفـراد بغيـر حـق وبنـاءً علـى ظنـون خاطئـة لا صلـة لهـا بالواقـع. ب ـ ضــرورة تجنــب التجســس للمُحتسِــب: أكــد العلمــاء علــى وجوبيــة أن يكــون المُنكــر ظاهــراً للمُحتســب بغيــر تجســس. ج ـ الســتر علــى صاحــب المعصيــة وعــدم التشــهير بــه: إذ إن الســتر علــى صاحــب المعصيــة يُعــد ضابطــاً مهمــاً يحمــي المجتمــع مــن إشــاعة الفاحشــة وانتشــارها بيــن النــاس، وهــو الهــدف الأساســي مــن الحِســبة. د ـ عــدم التعــدي علــى الآخريــن: فالأصــل فــي ذلــك أنــه "لا ضــرر ولا ضــرار"؛ فالاحتِســاب الــذي يتســبب فــي إيقــاع الضـرر بالغيـر، والاحتِسـاب الـذي يتعـدى إلـى غيـر المُحتسِـب فيــه، والاحتِســاب الــذي يتعــدى قواعــد الحســبة الشــرعية، كلُ ذلــك يُعتبــر تعديــاً منهيــاً عنــه. ه ـ احتــرام المذاهــب المختلفــة: يتلخــص ذلــك فــي احتــرام المُحتسِــب لمــن يختلــف معــه فــي المذهــب، وبمــا يــؤدي إلــى الفهــم الصحيــح والحــد مــن الخافــات. و- التحلــي بالعلــم والرفــق والليــن: فيجــب تعريــف المُحتسِــب فيـه بفعلـه بلطـفِ مـن غيـر عنـفِ، لأن الحِسـبة ليسـت هدفـاً فـي ذاتهـا، وإنمـا وسـيلة لتحقيـق مصلحـة المجتمـع. ز- الالتـزام بدرجـات الحِسـبة: وهـي تبـدأ بتعريـف المُحتسِـب فيه بالمُنكــر بصــورة ليّنــة، ثــم النهــي بالوعــظ والنصــح والتخويــف بــال، ثــم التعنيــف بالقــول الغليــظ الخشــن مــع الالتــزام بــالآداب الشــرعية لذلــك، ثــم التغييــر باليــد الــذي تنــدرج تحتــه ثــاث مراحــل؛ أولاهــا قصــد المُنكــر بالعنــف دون صاحبــه، وثانيتهــا التهديــد بالضــرب، وثالثتهــا مباشــرة الضــرب. ويؤكــد الكتــاب علــى تــدرج وترتيــب هــذه الدرجــات والمراحــل. وفــي ســبيل ضبــط مســألة "الحِســبة" كوســيلة لحمايــة المجتمــع مـن المُنكـرات والانحرافـات والفتـن، والحفـاظ علـى اسـتقراره، يُوضــح مؤلفــو الكتــاب الضوابــط الشــرعية لذلــك، وهــي: أ ـ المُحتسِــب المُعيّــن هــو الــذي يتــم تنصيبــه أساســاً للتصــدي للمُنكــرات، ولا مجــال لدخــول غيــره مــن الأفــراد طالمــا أنــه موجــود وقــت الحــادث، إلا إذا طُلــب منهــم المســاعدة. ب ـ إذا غـاب المٌحتسِـب المُعيّـن وصعـب الاتصـال بـه فـي وقـت يســمح بمنــع الجريمــة، فهنــا يمكــن للفــرد التدخــل وفقــاً لقواعــد القانـون والعُـرف المُتعـارف عليهـا فـي المجتمـع حـول الجريمـة. ج ـ ينبغــي أن يُفهـم أن المقصــود باســتعمال الشــدة مــع مرتكبــي الجريمــة أو المُنكــر ليــس بضربــه قبــل أو بعــد زوال المُنكــر، ولكـن يجـب علـى المُحتسِـب هنـا تسـليمه إلـى حيـث يلقى جـزاءه. د ـ شــهر الســاح وجمــع الأعــوان، فــي حــال عــدم اســتطاعة المُحتسِــب دفــع المُنكــر. الخُاصــة فــي هــذا الصــدد، أن مؤلفــي الكتــاب يرفضــون التدخــل فــي أحــوال النــاس بداعــي "الأمــر بالمعــروف والنهــي عــن المنكــر"، ومــن هنــا كانــت إدانتهــم لــكل الأفعــال التــي قامـت بهـا الجماعـات الإسـامية، مثـل التدخـل فـي حيـاة النـاس الشــخصية والفصــل التعســفي بيــن النســاء والرجــال، والاعتــداء علـى الأفـراح والمتبرجـات، وغيرهـا. ورأوا أن ذلـك يُعـد تعديـاً

علــى الســلطان، وانتــزاع ســلطة القضــاء والأجهــزة الأمنيــة. ومـن وجهـة نظرهـم، فإنـه مـع وجـود مؤسسـات الدولـة يضيـق اختصــاص "المُحتسِــب" إلــى حــدود النصــح بالليــن، متــى كان المُنكــر ظاهــراً وقائمــاً مــن دون تجســس.

�شاد�شاً: نظرات في حقيقة الا�شتعلاء بالاإيمان

يُلقــي الدكتــور "ناجــح إبراهيــم" ومعــه عــدد آخــر مــن قــادة الجماعــات الإســامية الضــوء فــي هــذا الكتــاب علــى بعــض معانــي وأفــكار هــذه الجماعــات التــي اختلــط فهمهــا، فلــم تــؤتِ بثمارهـا المرجـوة، بـل قـادت إلـى النقيـض، مـا أحـدث ضـرراً كبيــراً فــي المجتمــع. ومــن أهــم هــذه الأفــكار مــا يلــي: أ ـ العاقة مع الآخر: يوضــح الكتــاب الفــرق بيــن مفهومــي "الاســتعاء بالإيمــان" و"الاسـتعاء بالـذات"، فـالأول هـو صفـة مـن صفـات المؤمنيـن يُمدحــون بهــا ويُثابــون عليهــا. أمــا "الاســتعاء بالــذات" فينتــج عـن الفهـم الخاطـئ للمفهـوم الأول، فقـد يفهمـه البعـض علـى أنـه طلـب المكانـة العاليـة للنفـس لمـا هـي عليـه مـن إيمـان، مـا ينتـج عنـه نظـرة المؤمـن لنفسـه علـى أنـه أعلـى مقامـاً مـن المخالـف للإيمــان بكفــر أو عصيــان. وفــي هــذا الصــدد، يتطــرق الكتــاب إلــى بعــض الإشــكاليات، وهــي: - نظــرة المؤمــن للآخــر: يشــير الكتــاب إلــى أن "الاســتعاء بالإيمـان" لا يُجيـز للإنسـان أن ينظـر إلـى نفسـه علـى أنـه أفضـل مــن غيــره، حتــى إن كان الغيــر كافــراً، لأن العِبــرة بالخواتيــم. - الحــدة والغلظــة فــي معاملــة الآخــر: إذ لا يعنــي "الاســتعاء بالإيمـان" الحِـدة والغِلظـة فـي المعاملـة مـع كل مـن هـو مخالـف لمنهــج اله. - احتــرام حقــوق الآخــر: فقــد قامــت شــريعة اله علــى العــدل، وتأسســت أخــاق الإســام علــى الإحســان للنــاس جميعــاً؛ وبالتالــي، لا يُعقــل أن يأمــر الإســام بالعــدل والإحســان للنــاس، ثــم يأمــر البعــض فــي الوقــت ذاتــه بإهــدار حقــوق الآخريــن بدعــوى "الاســتعاء بالإيمــان". ب- الإيمان وحده لا يكفي: يؤكــد الكتــاب أن فكــرة "الاســتعاء بالإيمــان" فقــط لا تكفــي لتحقيـق التقـدم والانتصـارات للإسـام والمسـلمين، فالإيمـان هـو حقــاً ســاح المؤمنيــن وبــه ينتصــرون، ولكــن لابــد مــن الأخــذ بالأســباب، وتقديــر القــدرات والإمكانــات المتاحــة، إلــى جانــب الإيمــان، كــي تحقــق الأمــة تقدمهــا وتبنــي حضارتهــا، وذلــك كالتالــي: - ضــرورة الأخــذ بالأســباب: يشــير المؤلــف إلــى أن المفهــوم الصحيــح لـ"التــوكل" لا يعنــي إهمــال الأســباب، ومــن ثــم فهــو يرفــض مــا يــردده البعــض بــأن الإيمــان يكفــي دون الأخــذ بالأســباب. فمثــاً، نجــد مــا يحــارب العالــم بأســره بينمــا هــو لا يملــك مـن أســباب القــوة لذلــك، مــا ينتـج عنــه إهــدار كثيـر مـن دماء أبناء الأمة دون تحقيق أدنى مصلحة للإسام والمسلمين. - ضـرورة معرفـة القـدرات والإمكانـات المتاحـة: يدعـو الدكتـور "ناجــح إبراهيــم" إلــى ضــرورة معرفــة الإمكانــات والقــدرات المتاحــة دون مبالغــة أو تســاهل فــي التقديــر، لأن مــن عــرف نفسـه معرفـة حقيقيـة وصحيحـة، عـرف كيـف يسـير بهـا إلـى اله ســيراً يناســب قدراتــه وإمكاناتــه. كمــا يدعــو إلــى التعقــل وعــدم الاندفـاع إلـى الحـق مـن دون وجـود الآليـات المناسـبة والقـادرة علــى حمايــة هــذا الحــق والحفــاظ عليــه. ومــن ثــم، فــا يجــب الدخــول فــي مواجهــات مــع أعــداء الإســام طالمــا أن القــدرات والإمكانـات لا تكفـي، وذلـك مـن دون الاعتمـاد فقـط علـى عامـل الإيمــان.

�شابعاً: هداية الخلائق بين الغايات والو�شائل

يناقــش هــذا الكتــاب أحــد أهــم القضايــا التــي واجهــت العمــل الإسـامي فـي فتـرات عديـدة، وهـي مسـألة الخلـط بيـن الوسـائل والغايــات ومــا ترتــب عليهــا مــن انعكاســات ســلبية أضــرت بالمجتمــع والأمــة الإســامية وبصحيــح الديــن نفســه.

ويبــدأ الكاتــب بالقــول إن الفــرق الجوهــري بيــن الوســائل والغايـات يكمـن فـي كـون الأخيـرة لا يتصـور فيهـا التحريـم أو الإلغــاء، بينمــا يجــرى ذلــك علــى الوســائل؛ فإقامــة الديــن أحــد مقاصـد الشـريعة ولا يمكـن إلغـاؤه، بينمـا الجهـاد وسـيلة لتحقيـق هــذا المقصــد، وقــد يحــرم تنفيــذه إذا لــم تتوفــر مقتضياتــه أو شــروطه.

ومـن الأفـكار المهمـة التـي سـلط عليهـا الكتـاب الضـوء أيضاً هــي الدعــوة الإســامية ودور الداعيــة فــي المجتمــع الإســامي والســمات التــي يجــب أن يتميــز بهــا، حيــث أكــد أن الدعــوة والداعيـة وجهـان لعملـة واحـدة، بحيـث لا يمكـن الفصـل بينهمـا ولا غنــى لأحدهمــا عــن الآخــر، كمــا أن الداعيــة عليــه عــبء كبيـر وضخـم، ويجـب أن يكـون قـادراً علـى حملـه، خاصـةً أن الدعــوة تأتــي فــي المقــام الثانــي بعــد النبــوة.

وأكــد الكتــاب أن المقيــاس الحقيقــي لقــوة الدعــوة يكمــن فــي درجــة إخــاص دُعاتهــا لا فــي علــو صوتهــم، كمــا يجــب علـى الدُعـاة أن يراعـوا أعـراف بادهـم وزمانهـم، مـع مواكبـة التطــورات التــي يمــر بهــا العالــم الإســامي.

وأفـرد المؤلفـون فصـاً للحديـث عـن الصلـح كآليـة إسـامية أصيلــة لإنهــاء النزاعــات والخافــات، مشــيرين إلــى أن أغلــب الشـباب المسـلم تجاهـل ذلـك الخيـار النبـوي الراشـد علـى الرغـم مـن تسـجيل التاريـخ مئـات مـن الحـالات التـي كان الصُلـح هـو الوسـيلة الحاسـمة لإنهـاء الخافـات.

كمـا أكـد الكتـاب علـى نقطـة غايـة فـي الأهميـة تتعلـق بالأمـر ذاتــه، إذ أكــد علــى أن القــول بحتميــة المواجهــة بيــن الشــباب المســلم وحكومتــه يعــد نوعــاً مــن مصــادرة العقــل والــرأي، ومصـادرة البحـث عـن صيغـة شـرعية وعمليـة ممتـازة للعاقـة بيـن الشـباب المسـلم وحكوماتـه المختلفـة فـي ظـل الظـروف التـي تعيــش فيهــا المجتمعــات الإســامية.

كمـا تـم تخصيـص فصـل كامـل بعنـوان: "التعايـش السـلمي وتاقـي الحضـارات"، أكـد فيـه المؤلفـون أن الإسـام اعتمـد مبـدأ التفاعـل وليـس القتـال، وأن الحـوار السـلمي ركـن مـن أركانـه، وأن ذلــك ليــس سياســة مرحليــة يتبعهــا وقــت ضعفــه، ولكنــه مبـدأ أصيـل وسُـنة حاضـرة فـي كل وقـت. وأوضـح أن التعايـش السـلمي مـع المخالفيـن لا يعنـي الاعتـراف بمخالفتهـم أو الرضـا بهـا، ولكنـه يعنـي الاعتـراف بحقهـم فـي الوجـود وحريتهـم فـي اختيـار عقيدتهـم مـن دون ضغـط أو إكـراه، منتقـداً بشـدة أطروحة "صــدام الحضــارات" لصمويــل هنتنجيتــون لأنهــا تدفــع نحــو الحــرب وليــس الســام، مؤكــداً أن الإســام ديــن منفتــح ويتمتــع بقــوة ذاتيــة تجعلــه لا يخشــى الانفتــاح ولا يتوجــس مــن الحــوار المُثمـر البنَّـاء مـع غيـره مـن الحضـارات.

ثامناً:فتوىالتتارل�شيخالإ�شلام«ابنتيمية»..درا�شةوتحليل

يتنـاول هـذا الكتـاب ضوابـط نقـل الفتوى في الشـريعة الإسـامية، ويُلقـي الضـوء علـى القاعـدة التـي قررهـا العلمـاء، والتـي تؤكـد "تغيــر الفتــوى بتغيــر الزمــان والمــكان والحــال والعُــرف". ويخلُــص إلــى أن إســقاط فتــوى "ابــن تيميــة" فــي التتــار علــى واقــع بــاد المســلمين حاليــاً هــو إســقاط خاطــئ. وينقسـم الكتـاب إلـى ثاثـة فصـول، تناقـش ثاثـة موضوعـات رئيسـية هـي: أ ـ نظرة شرعية في تغيير الفتاوى الفقهية: يناقــش الكتــاب عــدداً مــن القضايــا المهمــة المتعلقــة بصحــة الفتــوى، والتــي تشــمل: - الفتـوى لا تكـون صحيحـة إلا إذا امتـزج فيهـا فقـه النصـوص والأحــكام بفقــه الواقــع، وغالبــاً مــا يحــدث الخلــل عنــد انفصــال الفقهيــن. - ينبغـي أن يكـون واضحـاً فـي الأذهـان مـا هـو ثابـت لا يخضـع للتغييـر، ومـا هـو خاضـع للتغييـر والتبديـل. - تغيــر الفتــوى ليــس متــروكاً للأهــواء والرغبــات الشــخصية، ولكنـه مؤسـس فـي المقـام الأول علـى مراعـاة مصالح المسـلمين. - ليـس مـن المقبـول مـن مُجتهـدي العصـر الجمـود علـى فتـاوى صــدرت فــي عصــور ســابقة دون اعتبــار لمــدى تطابــق واقــع الفتــوى مــع الواقــع الحالــي أو مخالفتــه لــه. ب ـ نحو قراءة صحيحة لفتوى التتار: تنـاول مؤلفـو الكتـاب الضوابـط التـي يجـب مراعاتهـا عنـد نقـل أي فتـوى مـن الواقـع الـذي قِيلـت فيـه إلـى واقـع آخـر، وعرضـوا فــي هــذا الصــدد نمــوذج "فتــوى التتــار" التــي أفتــى بهــا شــيخ الإســام "ابــن تيميــة" فــي شــأن التتــار الذيــن اســتباحوا الشــام بعــد أن اعتنــق بعضهــم الإســام ونطقــوا بالشــهادتين. وعلــى الرغــم مــن ذلــك كانــت فيهــم مُنكــرات ومســاوئ جعلــت النــاس يتهيبــون لقتالهــم، فهرعــوا إلــى الشــيخ "ابــن تيميــة" يســتفتونه فـي هـذه المسـألة الشـائكة فأفتاهـم بفتـواه الشـهيرة بوجـوب قتـال

التتــار. وأعــاد الدكتــور "ناجــح إبراهيــم" وزمــاؤه قــراءة هــذه الفتــوى وأظهــروا عــدم صحــة تطبيقهــا فــي الواقــع المعاصــر؛ فمــن خــال نظــرة فاحصــة لأحــوال أغلــب حكومــات المســلمين وقــت صــدور الكتــاب وجــدوا أن الأوصـاف التــي ذكرهــا "ابـن تيميــة" عــن التتــار والتــي بنــى عليهــا فتــواه غيــر متوفــرة فــي هــذه الحكومــات. ج ـ ليس كل تشريع بشري باطاً: مهّــد مؤلفــو الكتــاب لتنــاول هــذه القضيــة بذكــر خصائــص الشـريعة الإسـامية، والتدليـل علـى مرونتهـا، وإتاحتهـا لمسـاحة تشــريعية تســمح لأهــل الاجتهــاد بإيجــاد الحلــول الشــرعية لــكل المسـتجدات العصريـة، وذلـك مـن خـال ضـرب أمثلـة متنوعـة لآيــات المرونــة الفقهيــة التــي تزخــر بهــا الشــريعة الإســامية، والتــي تعــد صالحــةً لــكل زمــان ومــكان وقــادرة علــى تلبيــة احتياجـات الإنسـان فـي ضـوء المتغيـرات المتسـارعة التـي تلـم بـه.

وأشــار الكتــاب إلــى مامــح المســاحة التشــريعية التــي تــرك الإسـام التشـريع فيهـا للعلمـاء وأُولـي الأمـر فـي ضـوء مقاصـده الكليــة ومبادئــه العامــة، وهــي: (التشــريع فيمــا لا نــص فيــه، والتشـريع بالمصالـح المُرسـلة أي المُطلقـة غيـر المقيَّـدة، واختيار الأنســب مــن الآراء الفقهيــة المختلفــة طالمــا كانــت مُعتبــرة، وتقنيــن الشــريعة وصياغتهــا علــى هيئــة قوانيــن ومــواد يســهل الحكــم بهــا والرجــوع إليهــا).

تا�شعاً: ا�شتراتيجية وتفجيرات القاعدة.. األاخطاء والاأخطار

يوضــح "كــرم محمــد زهــدي" ومعــه آخــرون فــي هــذا الكتــاب الاختــاف بيــن رؤيــة كل مــن الجماعــة الإســامية وتنظيــم "القاعــدة" تجــاه قضايــا الجهــاد، حيــث تعتمــد الأولــى - بعــد مبـادرة وقـف العنـف - علـى الحـوار وعـدم الصـدام، أمـا رؤيـة "القاعــدة" فتجعــل الجهــاد هــو الاســتجابة الوحيــدة لمواجهــة الواقــع، وترفــع منطــق اســتثارة الأعــداء بــدلاً مــن تحييدهــم، وتثيــر حروبــاً رغــم أن الأمــة الإســامية فــي أوهــن حالاتهــا، ومــن ثــم أتــت بأعمــال مخاصمــة لفقــه المصالــح والمفاســد. ويتضمـن الكتـاب تقييمـاً شـاماً لاسـتراتيجية تنظيـم "القاعـدة"، كالتالي: أ ـ قصور في الفهم وقراءة خاطئة للواقع: يـرى الكتـاب أن اسـتراتيجية "القاعـدة" بهـا أوجـه قصـور وخلـل متعـددة تتمثـل فـي الآتـي: - فهــم وقــراءة خاطئــة للواقــع: يتعلــق هــذا الخلــل بعــدم تقديــر قــدرات الأمــة الإســامية التــي لا تســتطيع أن تواجــه تحالفــاً مضــاداً لهــا علــى المســتوى العســكري أو الاقتصــادي أو علــى مسـتوى وحـدة القـرار السياسـي نفسـه، وهـو مـا لا يسـمح بوجـود فرصــة لانتصارهــا. - أهــداف مســتحيلة أو ضبابيــة: لــم تقــم اســتراتيجية "القاعــدة" علــى أهــداف مُمكنــة التنفيــذ أو أهــداف محــددة بوضــوح بعيــدة عـن التعميـم والغمـوض. فمـن الأهـداف المُعلنـة إخـراج القـوات الأمريكيـة مـن بـاد المسـلمين، وهـو مـا يُعـد مُسـتحياً فـي ظـل موازيـن القـوى بيـن تنظيـم "القاعـدة" والولايـات المتحـدة. - عـدم ترتيـب الأولويـات: لـم تتبـن الاسـتراتيجية ترتيبـاً صحيحـاً لأولويــات العمــل، مــا جعــل تنظيــم "القاعــدة" ينخــرط فــي صراعــات متعــددة داخليــاً وخارجيــاً، ومــن ثــم كانــت النتائــج مأســاوية. - الجمـود: تعتمـد اسـتراتيجية "القاعـدة" علـى طريـق واحـد هـو اســتخدام القــوة وإغفــال بقيــة الوســائل، وهــذا الجمــود لا يحقــق المرونـة الازمــة لتحقيــق الأهــداف الموضوعــة. وبالتالــي، كان لــكل هــذا الخلــل والقصــور نتائــج ســلبية، منهــا مثــاً التدخــل المســتمر فــي الــدول الإســامية بدعــوى محاربــة الإرهــاب والعولمــة الأمنيــة، وحــدوث تقــارب بيــن واشــنطن وأوروبــا الغربيــة، وتعــرض الجاليــات الإســامية فــي أوروبــا والغـرب لمضايقـات عنصريـة وتشـديد قوانيـن الهجـرة واللجـوء السياســي بهــا، والتأثيــر الســلبي علــى صــورة الإســام فــي الغرب. ب ـ خلل في فهم فريضة الجهاد: يوضـح الكتـاب حقيقـة الفهـم الخاطـئ لهـذه الفريضـة مـن خـال النقاط التالية:

- الجهــاد الحقيقــة الغائبــة: فالجهــاد يعــد وســيلة مــن وســائل بلــوغ الغايــات النبيلــة فــي الإســام، وهــو بذلــك مجــرد وســيلة ضمـن عـدة وسـائل، ويجـب اللجـوء إلـى أي وسـيلة غيـر القتـال طالمــا تحقــق المطلــوب. - الجهـاد فريضـة مـن فرائـض الإسـام: لا شـك أن الجهـاد مـن أعظــم الفرائــض، ولكــن الجهــاد قــد يكــون واجبــاً، وقــد يكــون مُحرمــاً علــى حســب توفــر شــروطه وعــدم وجــود موانــع.

وفــي تناولــه للتفجيــرات التــي قــام بهــا تنظيــم "القاعــدة"، يؤكــد الكتـاب علـى رفضـه اسـتهداف المدنييـن، وأيضـاً رفـض فتـوى قتــل الأمريكييــن التــي اتبعتهــا "القاعــدة"، لأن ثمــة أمريكييــن مســلمين، وآخريــن لا يوافقــون علــى السياســات الأمريكيــة المُتبعــة، مــا يعنــي أن اســتهداف المدنييــن الأمريكييــن لا يدخــل فـي أحـكام القتـال. وينطبـق الأمـر ذاتـه علـى اسـتهداف الأجانـب والســياح، فكلهــا أحــكام خاطئــة فــي فكــر تنظيمــات "القاعــدة" و"طالبــان" وغيرهــا. وفـي ختـام الكتـاب، يدعـو المؤلفون تنظيـم "القاعدة" إلـى مراجعة اسـتراتيجيته، وتوجيـه الطاقـة المختزنـة للجهـاد والتضحيـة لـدى أبنـاء الأمـة حيثمـا يوجـد محتـل غاشـم أو مسـتعمر آثـم.

عا�شراً: تجديد الخطاب الديني

يطـرح هـذا الكتـاب تصـوراً عميقـاً للموضـوع الجدلـي المتعلـق بتجديـد الخطـاب الدينـي، حيـث يتطـرق القسـم الأول إلـى الحديث

عـن أهميـة تجديـد الخطـاب الدينـي، مؤكـداً أن تجديـده واسـتمرار تحديثـه أصبـح ضـرورة واقعيـة ومطلبـاً مُلحـاً مـن أجـل مواكبـة تطـورات العصـر. وقــد ميَّــز الدكتــور "ناجــح إبراهيــم" بيــن الثوابــت والمتغيــرات المتعلقـة بقضيـة تجديـد الخطـاب الدينـي، كمـا أكـد علـى بعـض المعانــي المهمــة التــي تجــدر الإشــارة إليهــا، كالتالــي: - إن تجديـد الخطـاب الدينـي لا يعنـي تغييـر معالـم الديـن وثوابته، لكنــه دعــوة لأصحــاب العقــول مــن الدُعــاة لمراجعــة مــدى فهمهــم للشــرع، ورؤيتهــم لترتيــب الأولويــات، وأن المقصــود هــو التجديــد فــي الوســائل والاجتهــادات الفرعيــة القائمــة علــى مراعـاة المصلحـة والعُـرف، وليـس التجديـد المُوجـه إلـى أُسـس الديــن وأعمدتــه الرئيســية. - ينبغــي أن تكــون روافــد تجديــد الخطــاب الدينــي الإســامي مبنيـة علـى أُسـس مأخـوذة مـن الإسـام، مـع الأخـذ فـي الاعتبـار تغيــر الزمــان ومــا يتبعــه مــن تغيــر حاجــات النــاس وأولوياتهــم طبقـاً لظـروف عصرهـم. والمقصـود بالروافـد هنـا أولاً القـرآن والسـنة، وثانيـاً مراعـاة تجـدد حاجـات النـاس، بمـا يحقـق أكبـر قـدر مـن المصلحـة لهـم، ويدفـع أكبـر قـدر مـن المفاسـد عنهـم، أمــا الرافــد الثالــث فيتعلــق بالتعامــل مــع مــا لــم يــرد بــه نــص، وهـو مـا يُميّـز الشـريعة مـن ناحيـة مرونتهـا التـي تجعلهـا صالحة لــكل زمــان، ومرنــة للتغيــرات والتطــورات التــي تطــرأ علــى الأمــة الإســامية. - إن إزالــة الجمــود الــذي يُخيــم علــى حركــة الاجتهــاد ويعطــل حيويـة الفقـه الإسـامي هـو أمـر ضـروري مـن شـأنه أن يخـدم صالــح الإســام وأمتــه ويســاهم فــي تقــدم الأمــة وتجديــد دينهــا. كذلــك فــإن مهمــة تجديــد الخطــاب الدينــي هــي مهمــة علمــاء الأمــة ومجتهديهــا وأصحــاب الفكــر والــرأي المعروفيــن بحبهــم للإســام وغيرتهــم عليــه وحرصهــم علــى مصالــح أمتهــم. أمــا القســم الثانــي مــن الكتــاب، فيركــز علــى مضمــون التجديــد فــي الخطــاب الدينــي الإســامي، وقــد حــاول المؤلفــون تقديــم طـرح متـوازن فـي هـذا الشـأن؛ حيـث عرضـوا تصـوراً لخطـاب دينــي مُنضبــط يتناســب مــع روح العصــر ومعطياتــه، ويحافــظ فــي الوقــت نفســه علــى ثوابــت الديــن وهُويــة الأمــة الإســامية. وقـد توصلـوا إلـى بعـض التوصيـات والمعانـي المهمـة فـي هـذا الصــدد لعــل أبرزهــا: - ضـرورة أن يعمـل الخطـاب الدينـي علـى ربـط مفهـوم العبـادة بالمجتمـع، لمـا فـي ذلـك مـن أثـر فعَّـال فـي نهـوض الأمـة ودفـع مسـيرة تقدمهـا. - ســعي الخطــاب الدينــي إلــى فــض الاشــتباك المُفتعــل بيــن ثنائيـات الديـن والدولـة، والأصالـة والمعاصـرة، وتحديـد موقـف واضـح مـن بعـض القضايـا الشـائكة مثـل الديمقراطيـة وتحريـر المـرأة، والتـي ركـز عليهمـا الكتـاب بشـكل أكثـر عمقـاً، مُوضحـاً مواطـن الاتفـاق والاختـاف بيـن الإسـام والديمقراطيـة، حـدود

دور المــرأة فــي الإســام واختافــه عــن المجتمعــات الأخــرى غيــر المســلمة. - يجـب ألا يقـوم الخطـاب الدينـي علـى نفـي الآخـر أو اسـتبعاده، ولا يقــف موقــف العــداء المُطلــق مــن الآخريــن، ولكنــه يؤمــن بالتواصـل والحـوار مـع الآخـر انطاقـاً مـن "عالميـة" الإسـام. كمــا يرفــض الكتــاب التصــورات الخاصــة بفصــل الديــن عــن الدولــة تمامــاً؛ مؤكــداً أن الإســام منهــج حيــاة شــامل ولا يمكــن فصلــه عــن الدولــة وسياســاتها.

خاتمة

مـن خـال عـرض وتحليـل أبـرز الأفـكار المطروحـة فـي كتـب المراجعــات الفكريــة للجماعــة الإســامية وقادتهــا فــي مصــر خـال السـنوات الماضيـة، بـدا ملحوظـاً أن مُجملهـا يُمثـل تفنيـداً واضحــاً ورفضــاً قاطعــاً لمعتقــدات مُشــابهة تعتنقهــا تنظيمــات متطرفــة وجهاديــة فــي المنطقــة العربيــة والغــرب حاليــاً، بــل وتسـتغلها فـي غسـل عقـول الشـباب وجذبهـم للقتـال فـي صفوفها، اسـتناداً إلـى فتـاوى هـي أبعـد مـا تكـون عـن الإسـام وشـريعته. ويُمكــن تلخيــص أبــرز النقــاط المُتضمنــة فــي أهــم هــذه الكتــب فــي الآتــي: 1- رفــض الخــروج علــى الحُــكَّام المســلمين أو تكفيرهــم، حيــث حــذر قــادة الجماعــة الإســامية مــن تداعيــات ذلــك علــى الوطــن كلــه، وحــدوث الفوضــى والخــراب للــدول الإســامية، وضربـوا فـي هـذا الصـدد أمثلـة بتجـارب الخـروج علـى الحاكـم فـي التاريـخ الإسـامي، والتـي لـم تسـهم فـي تعضيـد قـوة الديـن الإســامي بقــدر مــا أســهمت فــي إضعافــه.

2- عــدم فتــح البــاب علــى مصراعيــه أمــام خيــار "الجهــاد" أو القيـام بــ "العمليـات الفدائيـة"، بمعنـى وضـع ضوابـط وقيـود واضحــة علــى اســتخدام هــذه الأداة لتحقيــق مقاصــد الشــريعة الإســامية، مــع التأكيــد علــى أن غايــة الجهــاد هــي هدايــة الخائـق إلـى الحـق، فـإذا تعارضـت الغايـة مـع الوسـيلة وجـب تقديـم الغايـة علـى الوسـيلة؛ حيـث رأى أصحـاب المراجعـات أن ثمـة جرائـم اُرتكبـت باسـم الجهـاد، مـا أدى إلـى سـيان الدمـاء، وتشــويه صــورة الإســام والمســلمين، وأكــدوا علــى ضــرورة النظــر إلــى المصالــح المرجــوة مــن العمليــات الفدائيــة وكذلــك المفاســد المترتبــة علــى فعلهــا، وذلــك قبــل القــول بجوازهــا.

3- الــرد علــى مــن يعتقــد أن نُصــرة القضايــا العادلــة لا تتــم إلا مــن خــال المواجهــة المســلحة، حيــث تبنــى قــادة الجماعــة الإســامية مبــدأ "عــدم حتميــة المواجهــة المســلحة"، لأن هنــاك سُــباً أخــرى قــد تكــون هــي الأنســب والأنجــح لنُصــرة قضايــا الحــق والعــدل.

4- تفنيــد الفتــاوى التــي أصدرهــا البعــض فــي أوقــات ســابقة والتــي أباحــت قتــل المدنييــن مــن جنســيات أخــرى واســتهداف السـياح، حيـث أقـر أصحـاب المراجعـات الفكريـة مـن الجماعـة الإســامية بــأن مثــل هــذه الفتــاوى تتناقــض مــع الشــريعة الإسـامية، علـى أسـاس رؤيـة الإسـام التهذيبيـة للحـروب التـي تفـرق بيـن المحاربيـن والمدنييـن. كمـا أكـد هـؤلاء علـى تحريـم اســتهداف وقتــل الســياح الذيــن يدخلــون البلــدان الإســامية.

5- الاعتــراض علــى أفــكار وأفعــال التنظيمــات الجهاديــة والمتطرفــة مثــل "القاعــدة"، والتــي تجعــل الجهــاد الوســيلة الوحيـدة لتحقيـق مُبتغاهـا، بعكـس الجماعـة الإسـامية التـي دعـا قادتهــا إلــى الحــوار، فالقاعــدة رفعــت شــعار اســتثارة الأعــداء بـدلاً مـن تحييدهـم، وأثـارت حروبـاً علـى الرغـم مـن أن الأمـة الإسـامية فـي أوهـن حالاتهـا، ومـن ثـم أتـت بأعمـال مخاصمـة لفقــه المصالــح والمفاســد.

6- وضــع ضوابــط لتطبيــق "الأمــر بالمعــروف والنهــي عــن المنكـر"، حيـث أدانـت مراجعـات الجماعـة الإسـامية مـا قامـت بـه الجماعـة مـن قبـل، مثـل التدخـل فـي حيـاة النـاس الشـخصية، والاعتــداء علــى الأفــراح والمتبرجــات، وغيرهــا، واعتبــر قــادة هـذه الجماعـة أن ذلـك يُعـد تعديـاً علـى سـلطة القضـاء والأجهـزة الأمنيـة.

7- التأكيــد علــى ضــرورة تجديــد وتطويــر الخطــاب الدينــي، وجعلـه مُواكبـاً لمسـتجدات العصـر وظروفـه، وبمـا يحافـظ فـي الوقــت نفســه علــى ثوابــت الديــن وهُويــة الأمــة الإســامية.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.