:Counter- Terrorism Laws

الاتجاهات السائدة في قوانين مكافحة الإرهاب في العالم

Trending Events - Future Report - - الاتجاهات السائدة في قوانين مكافحة الإرهاب في العا -

تصاعـد اهتمـام دول العالـم بصياغـة تشـريعات جديـدة لمكافحـة الإرهـاب مـع تزايـد حـدة العمليـات الإرهابيـة خـال عـام 2015 فـي محيـط مناطـق الصراعـات الأكثر احتدامـاً في منطقة الشـرق الأوســط، مثــل ســوريا والعــراق واليمــن وليبيــا أو دول الجــوار مثــل لبنــان وتونــس والمملكــة العربيــة الســعودية والكويــت، أو فـي دول بعيـدة عـن هـذه النطاقـات مثـل فرنسـا، وهـو مـا دفـع أغلــب دول العالــم للتوســع فــي تبنــي تدابيــر احترازيــة متعــددة لمكافحــة الإرهــاب وتعزيــز آليــات الرقابــة والمتابعــة للمشــتبه بهــم والتشــدد فــي فــرض عقوبــات علــى الجرائــم الإرهابيــة بغـض النظـر عـن الانتقـادات الحقوقيـة التـي تعرضـت لهـا هـذه الإجــراءات الجديــدة.

ويمكــن اعتبــار أحــداث الحــادي عشــر مــن ســبتمبر عــام 2001 نقطــة تحــول فاصلــة فــي مكافحــة الإرهــاب مــع تزايــد التشــريعات والتدابيــر الوطنيــة والدوليــة لمواجهــة تهديــدات الإرهــاب للأمــن والســلم الدولييــن، وقــد كان لقــرار مجلــس الأمــن الدولــي رقــم 1373 الصــادر فــي 28 ســبتمبر 2001 الأثــر الكبيــر فــي تعزيــز الاقتنــاع بضــرورة تبنــي تشــريعات وطنيـة لمكافحـة هــذه الظاهـرة المعقــدة)1،( حيــث طالـب القـرار المذكـور جميـع الـدول، الأعضـاء منهـا فـي الأمـم المتحـدة وغيـر الأعضــاء، بســرعة المبــادرة إلــى تجريــم الأعمــال الإرهابيــة كافــة بوصفهــا جرائــم خطيــرة)2).

وتطبيقــاً لهــذا القــرار، أصــدرت العديــد مــن دول العالــم تشــريعات جديــدة لمكافحــة الإرهــاب مســتقلة عــن التشــريعات الجنائيــة، ومــن هــذه الــدول، الاتحــاد الروســي، وأســتراليا، والولايــات المتحــدة الأمريكيــة، واليابــان، وجمهوريــة مصــر العربيــة، والإمــارات العربيــة المتحــدة، والعــراق، والأردن، وكنــدا، وفرنســا، كمــا اتجهــت دول أخــرى إلــى إدخــال بعــض التعديــات الجوهريــة، موضوعيــاً وإجرائيــاً، علــى قوانينهــا الجنائيــة ضمــن الجرائــم المتعلقــة بالنظــام العــام أو جرائــم أمــن الدولــة– باعتبارهــا القوانيــن العامــة للتجريــم والعقــاب- وذلــك بهــدف ســد الثغــرات بيــن أحكامهــا وأحــكام الاتفاقيــات الدوليــة ذات الصلـة، حتـى تسـتوعب تجريـم مختلـف الأعمـال الإرهابيـة، ومـن نمـاذج هـذه الـدول: البرازيـل، وكـوت ديفـوار ونيكاراجـوا، وفنزويــا، ولبنــان(3).

ومــع تصاعــد العمليــات الإرهابيــة التــي قــام بهــا تنظيــم "داعـش" الإرهابـي، ونجاحـه فـي السـيطرة علـى مناطـق واسـعة وحكمهــا فــي ســوريا والعــراق وتنفيــذ العديــد مــن العمليــات الإرهابيــة فــي الغــرب، بــدأت العديــد مــن الــدول فــي إجــراء مراجعـة ثانيـة لتشـريعاتها القانونيـة المعنيـة بمكافحـة الإرهـاب، وإصــدار تشــريعات جديــدة لتعزيــز الإجــراءات الأمنيــة.

ومــن ثــم يركــز التقريــر علــى تتبــع التغيــر فــي التشــريعات الوطنيــة الخاصــة بمكافحــة الإرهــاب باســتخدام منهــج التحليــل القانونــي المقــارن لعــدد مــن التشــريعات، وســوف يتــم التركيــز هنــا علــى القوانيــن الأمريكيــة والبريطانيــة والأســترالية والروســية والمصريــة والإماراتيــة، وذلــك مــن خــال التركيــز علــى المحــاور التاليــة: أولاً، اســتعراض أبــرز الاتجاهــات فــي تعريــف الإرهــاب. وثانيــاً، بيــان أســاس الولايــة القضائيــة فــي ماحقــة مرتكبــي الجرائــم الإرهابيــة للــدول محــل الدراســة. وثالثــاً، اســتعراض التدابيــر الوطنيــة الاحترازيــة التــي اتبعتهــا الــدول المختلفــة فــي مكافحــة الجريمــة الإرهابيــة. ورابعــاً، تحليــل النصــوص العقابيــة الــواردة فــي التشــريعات محــل الدراســة. وأخيــراً، إلقــاء مزيــد مــن الضــوء علــى مــدى اتفــاق هـذه التشـريعات مـع القواعـد والمعاييـر الدوليـة لاحتـرام حقـوق الإنسـان وحرياتـه الأساسـية التـي مـا فتئـت تؤكـد عليهـا المواثيـق والاتفاقيــات الدوليــة ذات الصلــة.

اأولً: تعريف الإرهاب في الت�شريعات الوطنية

أثـار التعريـف بمفهـوم الإرهـاب جـدلاً واسـعاً فـي فقـه القانونيـن الوطنــي والدولــي علــى الســواء، وهــو الجــدل الــذي امتــد إلــى العديـد مـن المنظمـات الدوليـة العالميـة والإقليميـة التـي تصـدت لمحـاولات تحديـد هـذا المفهـوم وتمييـزه عـن غيـره مـن المفاهيـم التـي تختلـط بـه، ممـا حـدا بالبعـض إلـى العـزوف عـن تعريـف

الإرهــاب قانونــاً، والاكتفــاء بتحديــد أهــم صــوره أو مــا ينــدرج تحتــه مــن أفعــال، خاصــة أنــه لا توجــد – حتــى الآن - معاهــدة شــاملة بشــأن الإرهــاب أو تعريــف دولــي جامــع وملــزم لــه، وذلــك علــى الرغــم مــن وجــود نحــو 19 صــكاً عالميــاً متصــاً بالإرهــاب)4،( وهــي صكــوك تقضــي جميعهــا بتجريــم مظاهــر محـددة مـن السـلوك الإرهابـي فـي إطـار الجهـود الدوليـة الراميـة لمنعــه وقمعــه.

فـي المقابـل أكـد عـدد كبيـر مـن المتخصصيـن أن صعوبـات التوصــل إلــى تعريــف عــام ومقبــول للإرهــاب يجــب ألا تحــول دون البحـث فـي محاولـة تعريفـه بالنظـر إلـى أهمية هـذا التعريف للتمييــز بيــن الإرهــاب وغيــره مــن جرائــم العنــف الأخــرى أو بينـه وبيـن بعـض الصـور المشـروعة لاسـتخدام القـوة المسـلحة، فضــاً عــن ضــرورة هــذا التمييــز لوضــع التشــريعات وتبنــي الاســتراتيجيات المناســبة للتعامــل مــع هــذه الجريمــة بمــا تشــتمل عليــه مــن خطــورة بالغــة علــى أمــن واســتقرار المجتمعــات البشـرية كافـة(5).

وبصفــة عامــة، يمكــن القــول أن التشــريعات المقارنــة قــد اتبعــت فــي تحديــد الجريمـة الإرهابيـة أحـد اتجاهيـن رئيسـيين: 1- النــص علــى تعريــف محــدد للإرهــاب: تتضمــن التشــريعات الوطنيــة فــي هــذه الحالــة تعريفــاً محــدداً للإرهــاب وبعــض الأفعـال والجرائـم المرتبطـة بـه، والتـي عـادة مـا تكـون محـددة ســلفاً بنصــوص التشــريعات الجنائيــة مــع إلحــاق هــذه الجرائــم بأحــكام خاصــة تميزهــا كجرائــم إرهابيــة عــن غيرهــا مــن الجرائــم التقليديــة الأخــرى.

وقــد أخــذ الاتحــاد الأوروبــي بهــذا النهــج، حيــث عــرف الإرهــاب، فــي قــراره الصــادر فــي يونيــو 2002، بأنــه: "كل فعــل أو تهديــد بارتــكاب أفعــال بقصــد إحــداث ترويــع جســيم للســكان أو حمــل دولــة أو منظمــة دوليــة علــى القيــام بعمــل أيــاً كان، أو الامتنـاع عنـه، أو زعزعـة اسـتقرار الهيـاكل الأساسـية السياسـية أو الدسـتورية أو الاقتصاديـة أو الاجتماعيـة علـى نحـو جســيم فــي بلــد مــا أو فــي منظمــة دوليــة".

وقــد أشــار القــرار إلــى عــدد مــن الأمثلــة علــى الجرائــم الإرهابيــة، مثــل تهديــد حيــاة الأفــراد، أو تدميــر المنشــآت الحكوميـة أو العامـة والطائـرات والسـفن أو غيرهـا مـن وسـائل النقـل الجماعيـة أو نقـل البضائـع، وكذلـك اختطـاف الطائـرات أو الســفن، أو غيرهــا مــن وســائل النقــل العــام(6).

وعلـى الرغـم مـن أن التعريـف السـابق لا يـدرج التحريـض علــى الإرهــاب ضمــن الجرائــم الإرهابيــة، فــإن اتفاقيــة مجلــس أوروبــا لمنــع الإرهــاب لعــام 2005 قــد جرمــت التحريــض العلنــي علــى ارتــكاب الجرائــم الإرهابيــة، حيــث نصــت فــي مادتهــا /5 1علــى مــا يلــي: "لأغــراض هــذه الاتفاقيــة، يعنــي التحريــض العلنــي علــى ارتــكاب الجرائــم الإرهابيــة، توزيــع أو إتاحـة رسـالة للجمهـور بشـكل متعمـد وغيـر قانونـي، سـواء بطريقــة مباشــرة، أو غيــر مباشــرة تتســبب فــي نشــوء خطــر بارتــكاب جريمــة أو أكثــر مــن هــذه الجرائــم".

ولــم يختلــف قانــون "مكافحــة الإرهــاب" الروســي (Counteraction of Terrorism )، والصــادر فــي عــام 2006، عـن التعريـف الأوروبـي للإرهـاب، فقـد وضـع القانـون الروســي تعريفــاً للإرهــاب علــى أنــه: "أيديولوجيــة العنــف وممارســة التأثيــر علــى أجهــزة الدولــة، أو مؤسســات الحكــم المحلـي المختلفـة، أو المنظمـات الدوليـة، وذلـك لإجبارهـا علـى اتخـاذ قـرار مـا، كمـا أنهـا ترتبـط بترويـع السـكان، وغيرهـا مـن أشــكال العنــف غيــر المشــروعة"، وأشــار القانـون إلـى عـدد مـن الأنشـطة التـي تدخـل ضمــن تعريــف الإرهــاب، وهــي: • التخطيــط والإعــداد وتمويــل وتنفيــذ الأفعــال الإرهابيــة.

• التحريض على الفعل الإرهابي.

• تجنيد وتسليح وتدريب واستخدام الإرهابيين. • تأسـيس وحـدة عسـكرية غيـر شـرعية، أو منظمـة إرهابيـة، أو مجموعـة منظمـة لتنفيـذ الأفعــال الإرهابيــة، فضــاً عــن المشــاركة فـي هيـاكل هـذه المؤسسـات. • الإمــداد بالمعلومــات أو غيرهــا مــن أشــكال الدعــم لإعــداد أو تنفيــذ عمــل إرهابــي.

• نشر الأفكار الإرهابية لتشجيع ارتكاب الأفعال الإرهابية)7).

وممــا ســبق، يتضــح أن القانــون الروســي اتفــق مــع قــرار الاتحـاد الأوروبـي فيمـا يتعلـق بالتأثيـر علـى الحكومـة وإكراههـا القيـام بفعـل معيـن أو الامتنـاع عنـه، وكذلـك فـي اعتبـار الترويـج ونشـر الأفـكار الإرهابيـة يدخـل ضمـن تعريـف الإرهـاب(8).

لجـأت بعـض الـدول إلى الاكتفـاء بتجـريم بعـض الأفعـال التـي تعتبرهـا إرهابيـة، دون وضـــع تعريـــف محـــدد للإرهـــاب، وترتكـز التشـريعات التـي أخـذت بهـذا النهـــج علـــى أن ثمـــة صعوبـــات جمـــة تعـــرض التعريـــف الدقيـــق للإرهـــاب، ممـا يعنـي أن الصياغـة غـر الدقيقـة أو الواســـعة للمفهـــوم قـــد تنطـــوي علـــى مخاطـــر المســـاس بالحقـــوق والحريـات، وتهديـد الحـق في كفالتهـا والتمتـــع بهـــا.

ويعــرف القانــون الأســترالي الإرهــاب علــى أنــه: "كل فعــل أو تهديـد بفعـل، يهـدف لتحقيـق هدفيـن اثنيـن همـا: الدفـاع عـن قضيــة سياســية أو دينيــة أو أيديولوجيــة، وترويــع العامــة، أو قطــاع منهـم، علــى أن يتســبب هــذا الفعــل أو التهديــد فــي واحــد مــن الأضــرار التاليــة، والتــي تتــراوح بيــن القتــل، أو الأذى الجسـدي الخطيـر، أو تهديـد حيـاة شـخص، أو الإضـرار بالنظـم الإلكترونيــة، أو الإضــرار الخطيــر بصحــة أو حيــاة قطــاع مــن العامـة"، وبالتالـي فـإن هـذا التعريـف يسـتبعد الدعايـة أو الترويـج للإرهــاب)9،( لكــن بموجــب التعديــل التشــريعي لقانــون مكافحــة الإرهــاب والصــادر فــي عــام 2014، فــإن الترويــج والدعايــة

للأعمال الإرهابية يعد جريمة يعاقب عليها القانون)

).

ويضـاف إلـى مـا سـبق، فإنـه بموجـب التعديـل نفسـه، صـار يدخــل ضمــن جرائــم الإرهــاب، الذهــاب أو البقــاء فــي "منطقــة معلنـة" (Declared Area )، أي المنطقـة التـي تقـع فـي دولـة أجنبيـة ويتواجـد بهـا تنظيـم إرهابـي ينخـرط فـي أعمـال عدائيـة، ويتمثـل الحـد الأقصـى للعقوبـة فـي السـجن عشـر سـنوات، ومـن الممكــن أن يدفــع الفــرد بأنــه ســافر إلــى أحــد تلــك المناطــق لأســباب شــرعية، والتــي تتمثــل حصــراً فــي القيــام بمهمــة رســمية، أو زيــارة أحــد أفــراد العائلــة، وبالتالــي فــإن زيــارة إحــدى تلــك المناطــق بغــرض القيــام بنشــاط تجــاري، أو زيــارة أحــد الأصدقــاء، لا تعفــي الشــخص مــن المســاءلة القانونيــة(11).

أمـا فـي الحالـة الأمريكيـة، فتجـدر الإشـارة إلـى وجـود عـدة تعريفـات للإرهـاب فـي القوانيـن الأمريكيـة المعنيـة بالإرهـاب، والتــي تتفــق جميعــاً علــى عــدد مــن العناصــر الأساســية تتمثــل فــي: وجــود ســبق إصــرار وترصــد، ووجــود دافــع سياســي أو دينــي لتنفيــذ الفعــل الإرهابــي، واســتهداف الإرهــاب للمدنييــن، وأن مرتكبــي الجرائــم الإرهابيــة يكونــون ضمــن الفواعــل مــن دون الــدول أو العناصــر التخريبيــة(12).

وقــد تبنــت تشــريعات وطنيــة أخــرى هــذا المنحــى ذاتــه، ومنهــا علــى ســبيل المثــال: القانــون الفرنســي لعــام 2010، والقانـون العراقـي لعـام 2005، والقانـون الأردنـي المعـدل فـي )13 2014،( فضــاً عــن القانــون المصــري لعــام 2015. 2- عـدم وضـع تعريـف محـدد للإرهـاب: يتمثـل الأسـلوب الآخـر الــذي اتبعتــه بعــض التشــريعات الوطنيــة فــي تحديدهــا مدلــول الجريمــة الإرهابيــة فــي الاكتفــاء بتجريــم بعــض الأفعــال التــي تعتبرهـا إرهابيـة، دون وضـع تعريـف محـدد للإرهـاب، وترتكـز التشــريعات التــي أخــذت بهــذا النهــج علــى أن ثمــة صعوبــات جمــة تعتــرض التعريــف الدقيــق للإرهــاب، ممــا يعنــي أن الصياغــة غيــر الدقيقــة أو الواســعة للمفهــوم قــد تنطــوي علــى مخاطـر المسـاس بالحقـوق والحريـات، وتهديـد الحـق فـي كفالتهـا والتمتــع بهــا، ومــن أمثلــة هــذه التشــريعات التــي تبنــت هــذا الأســلوب :القانــون الألمانــي لعــام 2005، والقانــون الإماراتــي لعــام (14 2014).

ثانياً: نطاق الولية الق�شائية في مكافحة الأعمال الإرهابية

قـد لا يكفـي أن تعمـد الـدول فـي تشـريعاتها إلـى تجريـم الأعمـال الإرهابيــة، إذ يتعيــن وضــع أحــكام بشــأن معرفــة أي محكمــة أو محاكــم، وفــي أي دولــة، تكــون مؤهلــة لمقاضــاة الأشــخاص المشــتبه بارتكابهــم جريمــة متصلــة بالإرهــاب، وذلــك لضمــان عــدم توفــر مــاذات آمنــة لهــم.

وعـادة لا تثـار صعوبـة عنـد ارتـكاب الجريمـة الإرهابيـة فـي أراضـي دولـة مـا، حيـث يقـع واجـب المقاضـاة فـي هـذه الحالـة علــى عاتــق تلــك الدولــة اســتناداً إلــى مبــدأ "إقليميــة القوانيــن" والمقصــود بــه تطبيــق قوانيــن الدولــة علــى جميــع الأشــخاص الموجوديـن فـي إقليمهـا، وينطبـق الأمـر ذاتـه بالنسـبة لماحقـة الجرائــم التــي ترتكــب علــى متــن الســفن والطائــرات المســجلة لــدى الدولــة أو تحمــل علمهــا( ).

وتجــدر الإشــارة هنــا إلــى أن بعــض التشــريعات قــد ذهبــت إلــى أبعــد مــن مبــدأ الإقليميــة، حيــث طالبــت هــذه التشــريعات الـدول المعنيـة بضـرورة أن تكـون قـادرة علـى ماحقـة جرائـم معينــة ترتكــب خــارج أراضيهــا مــن جانــب رعاياهــا، بصــرف النظــر عــن مــكان ارتكابهــا. ويقــوم هــذا النــوع مــن الولايــة القضائيــة علــى مــا يطلــق عليــه مبــدأ "الرعويــة أو الجنســية الموجبــة".

وثمــة مبــررات إضافيــة تبــرر انعقــاد الاختصــاص فيمــا يجـاوز الحـدود الإقليميـة، وذلـك عندمـا ترتكـب هـذه التصرفـات المجرمــة بغيــة إجبــار حكومــات هــذه الــدول علــى القيــام أو الامتنــاع عــن القيــام بعمــل مــا، هــذا بالإضافــة إلــى مبــدأ "الجنســية الســالبة"، حيــث يكــون لبعــض الــدول ولايــة قضائيــة تشــمل الجرائــم المرتكبــة فــي الخــارج بحــق أحــد رعاياهــا.

وفــي المقابــل، تبنــت مختلــف الــدول التــي شــملتها الدراســة مبــدأ "الولايــة العالميــة" (Universal Competence )، وذلــك لتأكيــد ســريان ولايتهــا القضائيــة لماحقــة الجنــاة الذيــن ارتكبــوا جرائــم إرهابيــة خــارج حــدود إقليمهــا بصــرف النظــر عــن جنســياتهم، وهــو مــا يعــرف بمبــدأ "إمــا التســليم، وإمــا

المحاكمــة")16،( ومقتضــاه أنــه حيــن يطلــب مــن إحــدى الــدول تســليم فــرد أجنبــي موجــود علــى أراضيهــا يكــون قــد ارتكــب خــارج حدودهــا الإقليميــة جريمــة إرهابيــة، فإنــه يتعيــن علــى هــذه الدولــة، إمــا أن تســلمه إلــى الدولــة الطالبــة أو أن تحاكمــه فــي محاكمهــا الخاصــة بهــا.

ويتمثـل الهـدف الأساسـي مـن هـذا المبـدأ فـي الحـرص علـى محاكمـة مرتكبـي الجرائـم الإرهابيـة مـن قبـل حكوماتهـم الوطنية أو تسـليمهم إلـى البلـد المسـتعد لمحاكمتهـم، وذلـك بهـدف ضمـان عــدم توفــر مــاذات آمنــة للإرهابييــن. وبطبيعــة الحــال، فــإن إعمـال هـذا المبـدأ يــستلزم اعتمــاد تــشريعات إضافية في مزيــد مــن الــدول والتــزام أقــوى بمحاكمــة الإرهــابيين في الحــالات الــتي لا يصح فيهــا التـسليم.

وإعمـالاً لهـذا المبـدأ، نـص قانـون مكافحـة الجرائـم الإرهابيـة بدولـة الإمـارات فـي المـادة الثالثـة علـى أنـه: "تسـري أحـكام هذا القانـون علـى كل أجنبـي وجـد فـي إقليـم الدولـة بعـد أن ارتكـب ضـد دولـة أخـرى فـي الخـارج إحـدى الجرائـم المنصـوص عليها فيـه أو الـواردة فـي إحـدى الاتفاقيـات الدوليـة النافـذة التـي تكـون الدولـة طرفـاً فيهـا، وذلـك فـي حالـة عـدم تسـليمه(17).

ثالثاً: التدابير الحترازية لمكافحة الإرهاب

تضمنــت أغلــب التشــريعات الوطنيــة المختصــة بمكافحــة الإرهــاب تبنــي بعــض الإجــراءات والتدابيــر الاحترازيــة التــي تتجــاوز نطــاق الإجــراءات القضائيــة العاديــة بهــدف التصــدي الفعــال للجرائــم الإرهابيــة قبــل وقوعهــا، وتمثلــت أهــم هــذه الإجــراءات فيمــا يلــي: 1- التدابيــر المتعلقــة بمنــع الإرهــاب: فقــد قامــت العديــد مــن الـدول بإصـدار تشـريعات جديـدة أو تعديـل القائـم منهـا مـن أجـل

منع وقوع الهجمات الإرهابية، ومن ذلك على سبيل المثال: • الاحتجـاز مـن دون محاكمـة: إذ تمنـح السـلطات الأمنيـة سـلطة الاعتقــال واســتجواب الأشــخاص لفتــرة معينــة مــن دون توجيــه أي تهــم، وقــد اتبعــت العديــد مــن الــدول الغربيــة هــذا الإجــراء بصــورة أساســية، كمــا فــي حالــة روســيا والولايــات المتحــدة وألمانيــا وإســبانيا وفرنســا، ومــن ذلــك قانــون "باتريــوت آكــت" الأمريكـي (Patriot Act )، والمعنـي بمكافحـة الإرهـاب، والذي منــح لأجهــزة إنفــاذ القانــون الاتحــادي، مثــل مكتــب التحقيقــات الفيدرالــي (FBI)، ســلطة اعتقــال واســتجواب أي شــخص مــن دون توجيــه أي تهــم لــه، وهــو مــا يعــزز مــن قــدرة الأجهــزة الأمنيــة فــي الحصــول علــى المعلومــات الازمــة لمواجهــة أي عمــل إرهابــي، ولكنهــا فــي المقابــل، قــد تفتــح المجــال واســعاً لانتهــاكات حقــوق الإنســان(18).

أمــا قانــون "منظمــة الأمــن والاســتخبارات الأســترالي" Australian Security & intelligence ( organization)، فيمنــح الحــق لأجهــزة الأمــن فــي إصــدار مذكــرة "اســتجواب" لأي شــخص، وهــو مــا يتيــح احتجــازه لمــدة 24 ســاعة، أو مذكــرة "اســتجواب واحتجــاز" لمــدة تصــل إلــى أســبوع، إذا كان يعتقــد أن اســتجواب هــذا الشــخص ســوف يسـاعد علـى الحصـول علـى معلومـات اسـتخباراتية مهمـة تتعلـق بجريمــة إرهابيــة، حتــى لــو لــم تثــر أيــة شــكوك حــول إمكانيــة ارتكابـه لأي جريمـة إرهابيـة، وتجـدر الإشـارة هنـا إلـى أنـه تـم إصــدار 16 مذكــرة اســتجواب خــال العقــد الأخيــر، ولكنــه لــم يتــم إصــدار أي مذكــرة "اســتجواب واحتجــاز" إلــى الآن(19).

كمــا يتيــح القانــون الأســترالي "الاعتقــال الوقائــي" (Preventive Detention ) لمــدة تتــراوح بيــن 24 و48 سـاعة لأي شـخص، علـى أسـاس أنـه باعتقالـه، فــإن هــذا سيســاهم فــي منــع ارتــكاب أي عمــل إرهابــي يتوقــع أن يحــدث خــال 14 يومــاً، أو لحمايــة الأدلــة فــي عمــل إرهابــي وقــع بالفعــل خــال 28 يومــاً ســابقة(20).

وتجــدر الإشــارة إلــى أن الــدول تباينــت فــي تحديـد الفتـرة الزمنيـة لاحتجـاز دون توجيـه أي محاكمـة، وقـد بلغـت حوالـي يوميـن فـي حالتـي الولايــات المتحــدة وألمانيــا، وخمســة أيــام فــي الحالتيــن الروســية والإســبانية وســتة أيــام فــي الحالــة الفرنســية(21). • تقييــد حريــة الأشــخاص: تنــص بعــض التشـريعات الوطنيـة علـى "إخضـاع مـن توفـرت فيهــم الخطــورة الإرهابيــة" لأي مــن التدابيــر التاليــة: المنــع مــن الســفر، وحظــر الإقامــة فــي مــكان معيــن، أو تحديــد الإقامــة فــي مــكان معيـن، أو حظـر ارتيـاد أماكـن أو محـال معينـة،

أو منـع الاتصـال بأشـخاص معينيـن)22،( وهـو مـا ينطبـق كذلـك علـى القانـون الأسـترالي، إذ إن القانـون الجنائـي يمنـح الشـرطة الفيدراليــة فــرض قيــود علــى الأشــخاص، مثــل عــدم الاتصــال بأشــخاص معينيــن أو تحديــد الإقامــة فــي مــكان معيــن علــى أسـاس أن هـذا الإجـراء سـوف يمنـع وقـوع عمليـة إرهابيـة، أو أن الشـخص قـام بتدريـب أو تلقـى تدريبـاً مـن منظمـة إرهابيـة، وذلــك مــن دون الحاجــة إلــى إثبــات أن الشــخص ارتكــب أي جريمــة) 23 ). • حظــر تــداول الأســلحة: تتضمــن بعــض التشــريعات فــرض ضوابــط مشــددة علــى نقــل الأســلحة والذخائــر والمتفجــرات والمـواد النوويـة والكيميائيـة والبيولوجيـة ووسـائل إيـصالها عـبر الحـــدود، وتحديــداً حظــر تزويــد أو بيــع أو نقــل أي نــوع مــن الأسـلحة أو الذخائـر إلـى الأفـراد أو الكيانـات المدرجـة أسـماؤها فــي القوائــم الســوداء التــي تضعهــا الــدول. • حظــر التجنيــد للجماعــات الإرهابيــة: وحظــر تقديــم المشــورة التقنيــة والمســاعدة والتدريـب فيمـا يتصـل بالأنشـطة العسـكرية لصالــح الأفــراد والكيانــات الإرهابيــة. • رفـض توفيـر المـاذ الآمـن: وذلـك للذيـن يخططــون للأعمــال الإرهابيــة أو يدعمونهــا أو يرتكبونهـا، وبصفـة خاصـة، رفـض منـح الإرهابييــن صفــة اللجــوء، وتقديمهــم إلــى العدالــة. • حظــر ســفر الإرهابييــن: أي الأفــراد المدرجــة أســماؤهم فــي قوائــم التنظيمــات والكيانــات الإرهابيــة إلــى الــدول التــي ليســوا مــن رعاياهــا أو مــن المــرور عبرهــا. • مراقبــة الحــدود ومنــع تزويــر وثائــق الســفر وبطاقــات الهويــة)24:( وقــد اســتحدثت غالبيــة الــدول محــل الدراســة نظمـاً جديـدة لتــأمين الحــدود مـن قبيـل تشـديد إجــراءات تفتــيش الـــشحنات، وإصـــدار وثـــائق ســـفر مقـــروءة آليـــاً، واســتخدام الاسـتدلال البيولوجـي باسـتخدام البصمـات ومامـح الوجـه، علـى نحـو مـا دعـت إليـه منظمـة الطيـران المدنـي الــدولي، والتي كان لهـا عظيـم الأثـر فـي عرقلــة أنــشطة الإرهــابيين عــبر الحــدود الدوليــة. 2- التدابير المتعلقة بمنع تمويل الإرهاب: فقــد احتــوت كل التشــريعات المعنيــة بمكافحــة الإرهــاب علــى بنـود خاصـة لمكافحـة تمويـل الإرهـاب، أو أفـردت قوانيـن كاملـة لمعالجــة تلــك القضيــة، وتتمثــل المامــح العامــة لتلــك البنــود أو القوانيـن فيمـا يلـي:

• تجريـم تقديـم أو جمـع الأمـوال فيمـا يتصـل بارتـكاب الأعمـال

الإرهابية. • تجميــد أصــول وأمــوال الأشــخاص المشــتبه فــي ارتكابهــم أعمـال إرهابيـة وأمـوال الكيانـات التـي يملكهـا أو يسـيطر عليهـا بصــورة مباشــرة أو غيــر مباشــرة هــؤلاء الأشــخاص. • منــع الأشــخاص والكيانــات الــواردة أســماؤهم فــي القوائــم الســوداء مــن إتاحــة الأمــوال لصالــح آخريــن ضالعيــن فــي ارتـكاب أعمـال إرهابيـة. وفـي هذا السـياق، أنــشأت دول عديــدة وحــدات اسـتخبارات ماليـة لرصـد أسـاليب الدفـع الجديـدة والنظم غيــر الرســمية للتحويــات النقديـــة والماليـــة ومراقبــة اســتخدام حاملــي النقديــة علــى نحــو أكثــر فعّاليــة. كمــا أصــدرت لوائــح تنظيميـة للحيلولـة دون اســتخدام المنظمــات غيـر الهادفـة للــربح للأمــوال والتحويــات النقديــة التــي تتــم لحســابها فــي تمويــل عمليــات إرهابيــة(25). • إلــزام الشــركات والمؤسســات الماليــة الخاصــة بإنشــاء برامــج لمكافحــة غســيل الأمـوال وفـق مـا نـص عليـه البـاب الثالـث مـن قانـون باتريـوت آكـت الـذي قـام بتعديـل قانــون "ســرية البنــوك"(26).

يمنـــح قانـــون "منظمـــة الأمـــن والاســـتخبارات الأســـرالي" الحـــق لأجهـــزة الأمـــن في إصـــدار مذكـــرة "اســـتجواب" لأي شـــخص، وهـــو مـــا يتيـــح احتجـــازه لمـــدة 24 ســـاعة، أو مذكـــرة "اســـتجواب واحتجـــاز" لمـــدة تصـــل إلى أســـبوع، إذا كان يعتقـــد أن اســـتجواب هـــذا الشـــخص ســـوف يســـاعد علـــى الحصـــول علـــى معلومـات اسـتخباراتية مهمـة تتعلـق بجريمـــة إرهابيـــة، حتـــى لـــو لم تـــر أيـــة شـــكوك حـــول إمكانيـــة ارتكابـــه لأي جريمـــة إرهابيـــة.

3- مناهضــة الفكــر المتطــرف: فقــد اهتــم قانــون مكافحــة الجرائــم الإرهابيــة بدولــة الإمـارات، علـى وجـه الخصـوص، بقضيـة التطــرف، وســعى لاحتــواء الأفــراد الذيــن يتبنــون الفكــر المتطــرف أو الإرهابــي، وبالتالــي مــن المحتمــل قيامهــم بعمليــات إرهابيــة، وذلــك مــن خــال إيداعهــم فــي أحــد مراكــز المناصحــة، وتجــدر الإشــارة هنــا إلــى أن القانــون الإماراتــي هــو التشــريع الوحيــد تقريبــاً الــذي أورد نصوصــاً لمعالجــة الأفــراد المتطرفيــن أو الإرهابييــن المحتمليــن(27).

رابعاً: العقوبات المن�شو�ص عليها في قوانين مكافحة الإرهاب

لا شــك فــي أن منــع الأعمــال الإرهابيــة أمــر ضــروري للغايــة فــي أي دولــة تحكمهــا ســيادة القانــون، ومــن أجــل إزالــة هــذا الخطــر الــذي يمكــن أن يقــوض الأمــن العــام، تعمــد القوانيــن المختلفـة إلـى تغليـظ العقوبـات حتـى تمثـل رادعـاً كافيـاً لمرتكبـي هــذه الجرائــم. ونتيجــة لذلــك، فقــد ســعى المُشــرع الوطنــي فــي العديــد مــن الــدول إلــى ردع الجرائــم الإرهابيــة، وتبنــى سياســة "التشــدد فــي العقوبــات"، ســواء اســتند فــي هــذا التجريــم إلــى نصـوص قانـون العقوبـات أو إلـى النصـوص الـواردة فـي بعـض التشــريعات الخاصــة المكملــة لــه. وفيمــا يلــي، نلقــي مزيــداً مــن الضــوء علــى أهــم مامــح السياســة العقابيــة التــي انتهجهــا المُشــرع الوطنــي فــي تجريــم الأعمــال الإرهابيــة المختلفــة: 1- الطبيعـة الرادعـة: إن العقوبـة فـي مختلـف التشـريعات محـل الدراسـة تهـدف إلـى تحقيـق هدفيـن اثنيـن، أولهمـا: ردع مرتكبـي

الجرائـم الإرهابيـة ومعاقبتهـم علـى مـا اقترفـوه مـن جرائـم تـأذى منهــا المجتمــع. وأمــا الهــدف الآخــر فهــو إتاحــة الفرصــة لمــن يريـد مـن الأفـراد الإرهابييـن العـدول عـن هـذا السـلوك البغيـض والإعفــاء مــن المســؤولية، وذلــك مــن خــال إبــاغ الســلطات بالجرائـم أو العمليـات الإرهابيـة التـي يشـرع التنظيـم الإرهابـي الــذي ينتمــي إليــه فــي تنفيذهــا، وذلــك رغبــة منهــا فــي تقليــل نطــاق الخســائر فــي الأرواح والممتلــكات التــي يمكــن أن تنجــم مـن جـراء تنفيـذ هـذه الأعمـال. 2- توسـيع النطـاق: علـى الرغـم مـن حـرص المُشـرع الجنائـي علــى تحديــد الجرائــم الإرهابيــة علــى نحــو دقيــق وتجريــم ســلوكيات وأعمــال إجراميــة جديــدة تقــع فــي دائــرة الجرائــم الإرهابيــة، فإنــه حــرص كذلــك علــى اتبــاع منهــج التوســع فــي المعاقبــة علــى الجرائــم الإرهابيــة وماحقــة مرتكبيهــا، وذلــك مــن خــال النــص علــى تشــديد العقوبــة الخاصــة بــأي مــن الجرائــم العاديــة مــن الجنايــات والجنــح إذا مــا ارتكبــت لغــرض إرهابــي، ولقــد اتبــع المشــرع الإماراتــي هــذا النهــج التوســعي بالنــص علــى أن الجرائــم الإرهابيــة إنمــا تشـمل الجنـح والجنايـات المنصـوص عليهـا فــي قوانيــن أخــرى متــى ارتكبــت بغــرض إرهابــي وفــق مــا ورد فــي المــادة الثانيــة مــن هــذا التشــريع)28،( ويرتبــط ذلــك بعــدم خضــوع جرائــم الإرهــاب وجرائــم تمويلــه للتقــادم أو لســقوط العقوبــة بمضــي المــدة. 3- الطابــع الجنائــي: بمعنــى عــدم إمكانيــة خضـوع الفعـل الإرهابـي لأسـباب الإباحة أو التبريـر المتعـارف عليهـا فـي النظريـة العامـة للقانـون الجنائـي. ولذلــك نجــد أن مختلــف التشــريعات الوطنيــة محــل الدراســة قــد اهتمــت بالنــص – صراحــة – علــى عــدم اعتبــار جرائــم الإرهـاب جرائـم سياسـية لكـي لا تخضـع لقواعـد وأحـكام تسـليم المجرميــن، وهــو مــا يشــكل تطــوراً نوعيــاً مهمــاً فــي المنهــج المتبــع فــي الاتفاقيــات الدوليــة والتشــريعات الوطنيــة المعنيــة بمكافحــة الإرهــاب)29( وبنــاء عليــه، فقــد تــم اســتبعاد الأعمــال الإرهابيــة، أيــاً كانــت أهدافهــا، مــن دائــرة الجرائــم السياســية بحيــث تنــدرج فــي نطــاق المســاءلة الجنائيــة. 4- الإجــراءات الوقائيــة: تقتــرن العقوبــات باتخــاذ بعــض التدابيـر الاحترازيـة، مثـل الإذن للسـلطات المعنيـة بكشـف سـرية الحسـابات والمعامـات المصرفيـة، والمنـع مـن السـفر، والتحفـظ علــى أمــوال الجماعــات والتنظيمــات المشــتبه فــي ارتكابهــا جرائـم إرهابيـة، والتنقيـب فـي المعلومـات الإلكترونيـة المخزنـة، ويمثـل القانونـان الأمريكـي والبريطانـي لمكافحـة الإرهـاب أبـرز الأمثلــة الواضحــة فــي هــذا الشــأن.

5- العقوبــات التكميليــة: أحيانــاً تفــرض عقوبــات تكميليــة مثــل المصـادرة والغرامـة بضعـف قيمـة المـال الـذي تـم إتافـه نتيجـة الجريمــة الإرهابيــة، وحظــر تولــي المناصــب الحكوميــة أو مباشـرة أنشـطة اجتماعيـة وحرمـان مرتكبـي هـذه الجرائـم مـن مباشــرة حقوقهــم المدنيــة، وذلــك علــى اعتبــار أن هــذه الجرائــم مــن الجرائــم المخلــة بالشــرف والاعتبــار. 6- التجريــم الوقائــي: ويقصــد بذلــك تبنــى أحــكام تعكــس اتبــاع النهـج الوقائـي فـي مكافحـة الإرهـاب، وذلـك مـن خـال تجريـم، بعــض الأفعــال التــي قــد يكــون لحدوثهــا انعكاســات وتداعيــات خطيــرة علــى أمــن المجتمعــات لكونهــا تســهل علــى نحــو كبيــر ارتــكاب الجريمــة الإرهابيــة، حتــى ولــو لــم تقــع هــذه الأخيــرة فعــاً، فيمــا يعــرف "بالفعــل المجــرم وقائيــاً" (obstacle offense). ومــن صــور التجريــم ذات البعــد الوقائــي، علــى سـبيل المثـال: تجريـم تكويـن تنظيمـات غيـر مشـروعة تسـتخدم العنــف لتحقيــق أغــراض إرهابيــة، وتقديــم المســاعدة لمرتكبــي الأعمـال الإرهابيـة عبـر تزويدهـم بالأسـلحة أو توفيــر أماكــن لاختبائهــم حتــى لا تتمكــن الســلطات المعنيــة مــن القبــض عليهــم، وأيضـاً جرائـم تمويـل العمليـات الإرهابيـة، والتحريـض وإقنـاع الغيـر بارتـكاب جريمـة إرهابيـة. ومـن أمثلة التشـريعات التـي اتبعت هــذا النهــج: التشــريع المصــري والتشــريع البريطانــي( 30 ). 7- القواعــد الاســتثنائية: حيــث تتضمــن تشــريعات مكافحــة الإرهــاب خروجــاً علــى بعـض القواعـد العامـة فـي القانـون الجنائـي فــي ظــل خصوصيــة الجرائــم الإرهابيــة ومــن أجــل إحــكام الرقابــة علــى مرتكبيهــا وضمــان ماحقتهــم علــى نحــو يكفــل الحيلولــة دون وقــوع هــذه الجرائــم وحمايــة المجتمعــات البشــرية مــن خطرهــا إلــى أقصــى حــد ممكــن.

ومـن أهـم الأمثلـة التـي يمكـن الإشـارة إليهـا فـي هـذا الصدد، مــا قررتــه غالبيــة التشــريعات المقارنــة بالنســبة لمســؤولية الشــريك، حيــث جرمــت هــذه التشــريعات فعــل الاشــتراك فــي جرائــم الإرهــاب بصــورة مســتقلة وعاقبــت الشــريك بالعقوبــة المقــررة للجريمــة الأصليــة التــي اشــترك فيهــا، ســواء وقعــت الجريمـة الإرهابيـة فعـاً أو لـم تقـع، وهـو اسـتثناء مـن القواعـد العامـة لمسـؤولية الشـريك والتـي تشـترط وقـوع الجريمـة فعـاً لمعاقبــة الشــريك، وذلــك بغــض النظــر عــن صــورة الاشــتراك فـي الجريمـة الإرهابيـة، وسـواء تـم قبـل وقـوع الجريمـة، كمـا هـي الحـال بالنسـبة إلـى تزويـد الإرهابييـن بالأسـلحة أو تمويلهـم، أو بعــد وقوعهــا، كمــا هــي الحــال لمــن أخفــى المتهــم بارتــكاب الجريمـة أو الأشـياء المتحصلـة مـن ارتكابهـا أو حصول الشـريك علــى منفعــة لنفســه أو لغيــره مــن وراء ارتكابهــا.

وعلـى سـبيل المثـال، نجـد فـي التشـريع المصـري لمكافحـة

تبعـــت بعـــض الـــدول إجـــراءات لغـــرض تعويـــض ضحايـــا الأعمـــال الإرهابيـــة تتماثـــل مـــع الإجـــراءات القائمـــة لتعويـــض ضحايـــا الحـــروب مـــن العســـكريين والمدنيـــين، إذ أنشـــأت هـــذه الـــدول هيئـــات إداريـــة مســـتقلة تهـــدف إلى دعـــم ومســـاعدة ضحايـــا الإرهـــاب، وتكفـــل تمتعهـــم بالحقـــوق والاســـتحقاقات باعتبارهـــم ضحايـــا انتهـاكات حقـوق الإنسـان التـي يتعـين علـــى الـــدول حمايتهـــا وكفالتهـــا للأفـــراد جميعـــ ً.

الإرهـاب فـي المادتيـن الخامسـة والسادسـة أنـه يعاقـب بالعقوبـة ذاتهــا للجريمــة التامــة كل مــن شــرع أو اتفــق أو ســاعد- بــأي صـورة- علـى ارتـكاب الجرائـم الإرهابيـة، ولـو لـم تقـع الجريمـة بنــاء علــى ذلــك الاتفــاق أو تلــك المســاعدة)31،( فــي حيــن أن المشــرع الإماراتــي كان أقــل تشــدداً، إذ نــص علــى معاقبــة كل مــن هــدد أو خطــط أو ســعى أو حــرض علــى ارتــكاب جريمــة إرهابيــة بالعقوبــة ذاتهــا المقــررة للشــروع فــي الجريمــة التــي هــدد أو خطــط أو ســعى أو حــرض علــى ارتكابهــا)32). 8- معاقبــة الشــركاء والمحرضيــن: فرضــت العديــد مــن التشــريعات العقوبــة ذاتهــا بالنســبة لــكل مــن الفاعــل الأصلــي والشــريك والمحــرض والمخطــط والممــول، وذلــك باعتبــار أن العمـل الإرهابـي لا يظهـر للوجـود إلا مـن خال مـروره بمراحل التحريـض والتخطيـط والتمويـل، ثـم يأتـي دور منفـذ هـذا العمـل والشــريك فيــه. وكذلــك الحــال بالنســبة للشــروع، فقــد فرضــت مختلــف التشــريعات الوطنيــة العقوبــة ذاتهــا المقــررة فــي حالــة الجريمــة التامــة، ويقــدم لنــا نــص المــادة الخامســة مــن القانــون المصـري مثـالاً مهمـاً فـي هـذا الخصـوص، كمـا ينـص القانـون الأســترالي لمكافحــة الإرهــاب علــى "الســجن مــدى الحيــاة لــكل شــخص قــام بالتآمــر للقيــام بفعــل بغــرض الإعــداد أو التخطيــط لفعــل إرهابــي"(33). 9- التمييــز بيــن الأشــخاص الطبيعييــن والاعتبارييــن: فالأشـخاص الطبيعيـون يُقدمـون إلـى المحاكمـة، أمـا الأشـخاص الاعتباريـون )كالشـركات..( فيتـم تصفيـة ممتلكاتهـم ومصادرتهـا لخزانــة الدولــة. ويقــدم المشــرع الفرنســي)34( فــي هـذا الصـدد مثـالاً مهمـاً، حيـث ينـص علـى اعتبـار الكيانــات الاعتباريــة، باســتثناء الــدول، مســؤولة جنائيـاً عـن الجرائـم الإرهابية التي ترتكب لحسـاب أجهزتهــا أو ممثليهــا، ويقــرر عليهــا نوعيــن مــن العقوبـات: أولهمـا يشـمل العقوبـة الماليـة المتمثلـة فـي الغرامـة والتـي تبلـغ خمسـة أضعـاف الغرامـة المقـررة علـى الأشـخاص الطبيعييـن. أمـا العقوبـة الأخـرى، فهـي العقوبـة المدنيـة التـي تتـراوح بيـن المنـع المؤقـت أو النهائـي مـن ممارسـة النشـاط أو الحــل والتصفيـة. 10- تدابيــر تعويــض الضحايــا: إذ يوجــد لــدى العديـد مـن النظـم القانونيـة أحـكام تشـريعية تتعلـق بحمايــة حقــوق الضحايــا. وهــذا مــا ينطبــق علــى كل مــن التشــريع الكنــدي والأمريكــي والروســي والفرنســي)35،( فماحقــة المجرميــن قضائيــاً ومعاقبتهــم، بمــن فيهــم المشــتبه بارتكابهــم أعمــالاً إرهابيـة، ليسـت أمـراً كافيـاً لضمـان اتخـاذ العدالـة الجنائيـة مجراهـا، بـل لابـد مـن مراعـاة احتياجـات الضحايــا ومصالحهــم، وتقديــم الدعــم لهــم. ولقــد اتبعــت بعــض الــدول إجــراءات لغــرض تعويــض ضحايــا الأعمــال الإرهابيــة تتماثــل مــع الإجــراءات القائمــة لتعويــض ضحايــا الحــروب مــن العســكريين والمدنييــن، إذ أنشــأت هــذه الـدول هيئـات إداريـة مسـتقلة تهـدف إلـى دعـم ومسـاعدة ضحايـا الإرهــاب، وتكفــل تمتعهــم بالحقــوق والاســتحقاقات باعتبارهــم ضحايــا انتهــاكات حقــوق الإنســان التــي يتعيــن علــى الــدول حمايتهــا وكفالتهــا للأفــراد جميعــاً. ومــن أمثلــة التدابيــر التــي اتبعتهــا الــدول فــي هــذا الشــأن مــا يلــي: • تزويـد الضحايـا بمعلومـات عـن دورهـم فـي إجـراءات العدالـة الجنائيــة، وطبيعــة التعــاون المتوقــع منهــم؛ وتقديــم المســاعدة القضائيــة طــوال فتــرة الإجــراءات القضائيــة(36). • ضمــان ســامة الضحايــا واحتــرام خصوصيتهــم؛ وحمايتهــم مـن أي تهديـد أو تخويـف قـد يتعرضـون لـه مـن قبـل العناصـر والجماعــات الإرهابيــة. • تقديــم المســاعدات الماديــة والنفســية والطبيــة والاجتماعيــة لهــؤلاء الضحايــا مــن خــال الوســائل الحكوميــة والطوعيــة والمجتمعيــة المختلفــة. • المبــادرة إلــى تخصيــص مــوارد لجبــر وتعويــض الضحايــا وأســرهم عمــا لحقهــم مــن إيــذاء جــراء جرائــم الإرهــاب(37).

خام�شاً: انتقادات قوانين مكافحة الإرهاب

يثيـر تجريـم الأعمـال الإرهابيـة عـدداً مـن القضايـا المهمـة فـي إطــار قانــون حقــوق الإنســان، ويأتــي فــي مقدمــة هــذه القضايــا

مـدى الالتـزام بمبـدأ "لا جريمـة ولا عقوبـة إلا بنـص قانونـي". فقــد اهتمــت التشــريعات الوطنيــة فــي الــدول محــل الدراســة، وكمــا ســلف البيــان، بتحديــد الجرائــم الإرهابيــة المعاقــب عليهــا فــي قوانينهــا المختلفــة تحديــداً دقيقــاً يتيــح قــدراً مــن التنبــؤ المعقــول بــأن إتيــان هــذا الســلوك أو هــذه الأفعــال مــن شــأنه التعــرض لقواعــد المســاءلة الجنائيــة ذات الصلــة. كمــا تبنــت الـدول المذكـورة سياسـات عقابيـة قوامهـا التشـدد فـي معاقبـة مـن ارتكـب الجرائـم الإرهابيـة لمـا ينتـج عنهـا مـن مخاطـر جسـيمة تصيـب سـامة المجتمـع وأمنـه)38.( ويتمثـل جوهـر هـذا التشـدد فــي التوســع فــي ســلطة الدولــة علــى حســاب حقــوق الأفــراد وحرياتهـم، غيـر أن قـدر هـذا التوسـع وضوابطـه والرقابـة عليـه هــي مســألة تتفــاوت فيهــا هــذه التشــريعات المختلفــة.

ولا شــك فــي أن مبــدأ احتــرام حقــوق الإنســان، فــي ســياق مكافحــة الإرهــاب، يشــمل بالضــرورة مراعــاة معاملــة مرتكبــي جرائـم الإرهـاب المزعوميـن "معاملـة منصفـة"، أي كفالـة التمتع بجميـع الحقـوق والضمانـات)39( التـي يحظـى بهـا مواطنـو دولـة الاعتقـال الذيـن يكونـون فـي ظـروف مماثلـة، مـن حيـث مراعـاة الإجــراءات القانونيــة الواجــب اتباعهــا عنــد الاعتقــال )كفالــة الحــق فــي إخطــار دولتــه والاتصــال بممثلهــا والحــق فــي الاتصــال بمحــام(، وعنــد الاحتجــاز رهــن المحاكمــة )إشــراف الســلطات القضائيــة علــى هــذا الاحتجـاز، وكفالـة الحـق فـي عـدم التعـرض للتعذيــب والحــق فــي التعويــض فــي حالــة حـدوث تجـاوزات فـي حقـه(، وعنـد التحقيق والمحاكمـة. وذلـك لأنـه لا يجـوز للدولـة أن تلجــأ فــي مواجهــة الخــروج علــى القانــون بخــروج مماثــل، لأن مــن شــأن ذلــك أن ينـال مـن شـرعيتها كدولـة قانـون، كمـا أنـه مـن شـأن عـدم الالتـزام بضوابـط الشـرعية الجنائيــة وانتهــاك حقــوق الإنســان عنــد التعامـل مـع مرتكبـي الجرائـم الإرهابيـة أن يغلـق الطريـق أمـام هــؤلاء الجنــاة للعــودة إلــى جــادة الصــواب، وأن يعمــق لديهــم الشــعور بكراهيــة المجتمــع وتأكيــد فكرتهــم الســلبية عنــه، وهــو مـا يـؤدي إلـى صعوبـة القضـاء علـى الفكـر المتطـرف وجـذور الإرهــاب) 40 ).

ومـن بيـن هـذه القضايـا المهمـة أيضـاً كيفيـة تحقيـق التـوازن بيــن الحقــوق المدنيــة للإنســان وكفالــة حرياتــه الأساســية مــن جانـب، وبيـن قوانيـن محاربـة الإرهـاب)41،( إذ تعـد أحـد الأسـئلة الأبديـة التـي تواجـه المشـرعين هـي كيفيـة حمايـة المجتمـع مـن خطـر الإرهـاب مـع احتـرام الحقـوق الأساسـية للمواطنيـن.

ويمكـن القـول إنـه ليسـت هنـاك إجابـة حاسـمة لهـذا السـؤال، فثمـة اتجـاه ينـادي بحتميـة الدفـاع عـن حقـوق الإنسـان وحرياتـه الأساسـية، حتـى فـي مواجهـة قوانين مكافحـة الإرهـاب. وبطبيعة الحــال، فــإن هــذا الاتجــاه يتجاهــل حقيقيــة أنــه تــم إحبــاط عــدد مـن العمليـات الإرهابيـة بفضـل قوانيـن مكافحـة الإرهـاب، بينمـا يــرى اتجــاه آخــر أن علــى المواطنيــن التنــازل عــن جانــب مــن حقوقهـم وحرياتهـم الأساسـية مـن أجـل تحقيـق الهـدف الأسـمى، وهـو تحقيـق أمـن المجتمـع ككل)42.( وبطبيعـة الحـال، فـإن هـذا الاتجـاه يتجاهـل انتهـاكات حقـوق الإنسـان التـي قـد تترتـب علـى بعـض البنـود الـواردة فـي قوانيـن مكافحـة الإرهـاب.

وبغــض النظــر عــن الجــدل الدائــر، يمكــن القــول إن أهــم الانتقــادات التــي توجــه لقوانيــن مكافحــة الإرهــاب تتمثــل فيمــا يلــي: 1- تعريــف الإرهــاب بصــورة غامضــة: إذ تميــل أغلــب التشــريعات، كمــا ســبقت الإشــارة، إلــى التوســع فــي تعريــف الإرهـاب، أو تعريفـه بصـورة غامضـة، بحيـث يتضمـن أفعـالاً، وإن كانـت غيـر مشـروعة، إلا أنـه لا يمكـن تصنيفهـا باعتبارهـا جرائــم إرهابيــة، ومــن ذلــك، علــى ســبيل المثــال، التظاهــر العنيــف، فهــو وإن كان يمثــل فعــاً مجرمــاً وغيــر مشــروع، إلا أنــه فــي نظــر العديــد مــن الجماعــات الحقوقيـة لا ينبغـي تصنيفـه علـى أنـه عمـل إرهابــي( 43 ).

يســـمح قانـــون "باتريـــوت آكـــت" للحكومـــة باعتقـــال أي شـــخص أجنبـــي مشـــكوك في أنـــه علـــى صلـــة بالأعمـــال الإرهابيـــة حتـــى ســـبعة أيـــام مـــن دون توجيـــه أي تهـــم لهـــم، أو إمكانيـــة التمـــاس الإفـــراج عنهـــم أمـــام القاضـــي المختـــص، كمـــا أن المدعـــي العـــام يحـــق لـــه إصـــدار قـــرار باعتقـــال المهاجريـــن الشـــرعيين وغـــر الشـــرعيين لآجـــال غـــر محـــددة، حتـــى يتـــم ترحيلهـــم، طالمـــا أن هنـــاك أسســـ جيـــدة تجعلهـــم يعتقـــدون أنهـــم قـــد يتورطـــون في أعمـــال إرهابيـــة.

2- الاعتقــال مــن دون تهمــة أو محاكمــة لمـدة غيـر محـددة: ويعـد أكبـر مثـال علـى ذلـك معتقـل جوانتانامـو، حيـث يتـم اعتقـال آلاف مــن المتهميــن أو حتــى المشــكوك فــي أنهــم علــى صلــة بالأعمــال الإرهابيــة، والذيــن يتــم اعتقالهــم لفتــرات غيــر محــددة بموجـب قانـون "باتريـوت آكـت" الأمريكي، وقــد اتبعــت بريطانيــا المســلك نفســه فــي أعقــاب الحــادي عشــر مــن ســبتمبر.

فوفقــاً لقانــون "باتريــوت آكــت"، يســمح للحكومـة باعتقـال أي شـخص أجنبـي مشـكوك فـي أنـه على صلة بالأعمــال الإرهابيــة حتــى ســبعة أيــام مــن دون توجيــه أي تهــم لهـم، أو إمكانيـة التمـاس الإفـراج عنهـم أمـام القاضـي المختـص، كمـا أن المدعـي العـام يحـق لـه إصـدار قـرار باعتقـال المهاجرين الشــرعيين وغيــر الشــرعيين لآجــال غيــر محــددة، حتــى يتــم ترحيلهـم، طالمـا أن هنـاك أسسـاً جيـدة تجعلهـم يعتقـدون أنهـم قـد يتورطـون فـي أعمـال إرهابيـة، كمـا يسـمح القانـون البريطانـي باعتقـال غيـر المواطنيـن، الذيـن يتـم تصنيفهـم كإرهابييـن لآجـال غيــر محــددة مــن دون توجيــه أي تهــم أو محاكمتهــم، والذيــن لا يمكــن تســليمهم إلــى بلدانهــم الأصليــة نظــراً لإمكانيــة تعرضهــم للتعذيـب( 44 ). 3- الرقابــة والتجســس علــى المواطنيــن: إذ إن مــن التداعيــات السـلبية لأحـداث 11 سـبتمبر 2001 إطـاق يـد الحكومـات فـي الرقابــة والتجســس علــى مواطنيهــا بغــرض مكافحــة العمليــات

الإرهابيــة، ومحاولــة إحباطهــا قبــل وقوعهــا، ومــن ذلــك التعديــات المتعاقبــة التــي أدخلــت علــى قانــون تنظيــم ســلطات التحقيــق لعــام 2000 (Regulation of investigatory Powers)، Act وهــو القانــون الرئيســي للرقابــة واعتــراض الاتصـالات، فقـد تـم تعديلـه عـدة مـرات بهـدف توسـيع سـلطات التجســس علــى كل الاتصــالات، ســواء كان نظــام البريــد أو شــركات الاتصــالات أو البريــد الإلكترونــي، وذلــك دون وجــود أي آليــة قضائيــة لمراجعــة عمليــة التجســس، كمــا أن المحكمــة التــي تــم إنشــاؤها بموجــب هــذا القانــون لمراقبــة أي انتهــاكات نتيجــة لعمليــات التجســس كانــت محــل شــك، فقــد كان عــدد الشـكاوى المقدمـة للمحكمـة فـي الفتـرة مـن عـام 1989 وحتـى عـام 1999 حوالـي 338 شـكوى، ولـم يتـم الحكـم فـي أي منهـا لصالـح المشـتكي، واسـتمر هـذا الوضـع حتـى عـام (45 2006).

كمــا توجــد فــي الولايــات المتحــدة، العديــد مــن برامــج التجســس، وكان أشــهرها برنامــج المراقبــة المحلــي، الــذي تــم إنشـاؤه تحـت وكالـة الأمـن القومـي، والـذي بموجبـه تـم التجسـس علــى مكالمــات وإيميــات آلاف الأشــخاص، وذلــك مــن دون الرجـوع لأي محكمـة، كمـا أن وزارة الدفـاع الأمريكيـة تديـر هي الأخـرى برامـج للتجسـس المحلـي، ومـن ذلـك وكالـة اسـتخبارات الجغرافيــا المكانيــة القوميــة (National Geospatial Intelligence)، Agency والتــي كان لديهــا برنامــج يهــدف لجمـع معلومـات عـن 133 مدينـة أمريكيـة، وذلـك بغـرض بنـاء خريطـة لـكل منطقـة، تتضمـن هويـة كل شـخص فـي كل بيـت، فضــاً عــن خلفيتــه وانتماءاتــه السياســية(46).

4- تراجــع الحريــات المدنيــة: فمــن أجــل ضمــان ســرية الإجــراءات الحكوميــة، قامــت الولايــات المتحــدة، علــى ســبيل المثــال، بتقييــد حريــة الوصــول إلــى المعلومــات، مــن خــال زيـادة عـدد الوثائـق التـي يتـم تصنيفهـا علـى أنهـا وثائـق سـرية، وبالتالـي لا تتـم إتاحتهـا للعامـة، فضـاً عـن تقليـل عـدد الوثائـق، التــي يتــم رفــع الســرية عنهــا، ومــن ثــم فــإن المعلومــات التــي تعتمـد عليهـا الجماعـات الحقوقيـة للقيـام بأدوارهـا الرقابيـة تكـون غيــر كاملــة أو مشــوهة(47).

ويأتــي ضمــن انتهــاك الحريــات المدنيــة ســماح الســلطات الحكوميـة بمراقبـة الاتجاهـات العامـة للقـراءة فـي المجتمـع مـن خــال مراقبــة المكتبــات العامــة، ومبيعــات الكتــب، بالإضافــة إلـى سـماح القانـون بتفتيـش الملكيـة الخاصـة وأجهـزة الكمبيوتـر الشــخصية، فضــاً عــن مراقبــة البريــد الإلكترونــي والوصــول إلــى الســجات التعليميــة والماليــة للأشــخاص المشــتبه بهــم، وذلـك مـن دون أي إخطـار مسـبق لهـم، ومـن دون الحاجـة إلـى تقديـم دليـل علـى أن المشـتبه بـه متـورط فـي أعمـال تخريبيـة أو إرهابيـة، وتجـدر الإشـارة فـي هـذا الإطـار إلـى أن هـذه القوانيـن لا تقتصــر علــى الحــالات الإرهابيــة وحدهــا، ولكنهــا تمتــد إلــى أي تحقيــق فيدرالــي بمــا فيهــا الجرائــم العاديــة(48).

ومـن جهـة ثانيـة، فـإن شـركات الخدمـات التجاريـة كمـزودي خدمــة الإنترنــت يجــب عليهــا أن تقــوم بتقديــم أي بيانــات عــن عمائهـا، إذا مـا تقدمـت مكتـب التحقيقـات الفيدرالـي (الإف بـي آي) بطلـب الحصـول علـى تلـك المعلومـات، علـى أسـاس أن تلك المعلومـات مهمـة لمنـع حـدوث عمـل إرهابـي أو لمواجهة أنشـطة اســتخباراتية معاديــة، كمــا يتوجــب علــى تلــك الشــركات عــدم الكشــف عــن أن الإف بــي آي طلــب أي مــن هــذه المعلومــات، وإلا تعتبـر ارتكبـت جريمـة بموجـب القانـون(49).

وبالتالــي فإنــه بعــد أن كان الافتــراض الســائد فــي الولايــات المتحــدة أن الحكومــة تتمتــع بالشــفافية فــي مواجهــة العامــة، فــي حيــن أن المعلومــات الشــخصية تتــم حمايتهــا مــن الانتهــاك مــن قبــل الحكومــات، صــار العكــس هــو الصحيــح بعــد أحــداث الحــادي عشــر مــن ســبتمبر(50). 5- عـدم تقديـم العـون لاجئيـن: ينبغـي أن يكـون هنـاك اتسـاق بيــن التشــريعات الوطنيــة لمكافحــة الإرهــاب وأحــكام القانــون الدولــي لاجئيــن والتزامــات الــدول فــي ظــل قواعــد القانــون الدولـي الإنسـاني، بحيـث لا تُتخـذ الاعتبـارات الأمنيـة وإجراءات وتدابيــر مكافحــة الإرهــاب ذريعــة لعــدم تقديــم العــون للأفــراد الذيـن يفـرون مـن ويـات النزاعـات المسـلحة فـي بلدانهـم سـعياً للعيـش الآمـن والكريـم. غيـر أن الواقـع العملـي، فـي هـذا الشـأن، مختلــف عمــا هــو مأمــول. وفــي الولايــات المتحــدة، تكاثــرت الدعـوات لمنـع اسـتقبال الاجئيـن السـوريين. وفـي كندا، سـمحت الحكومـة الليبراليـة الحاليـة بقـدوم بعـض السـوريين فقـط شـريطة ألا يكونــوا ذكــوراً أســوياء فــي ســن القتــال(51).

أمـا فـي فرنسـا، وبعـد هجمـات باريـس فـي نوفمبـر 2015

والاشـتباه فـي أن أحـد منفـذي الهجـوم مـن الاجئيـن الذيـن دخلـوا إلــى الاتحــاد الأوروبــي مــع موجــة الاجئيــن الأخيــرة، تعالــت الأصـوات المناديـة بمنـع دخـول الاجئيـن وطالبـي اللجـوء(52).

ملحوظات ختامية:

تؤكـد مراجعـة التشـريعات الوطنيـة لمكافحـة الإرهـاب فـي عـدد مـن الـدول الغربيـة والعربيـة عـن وجـود توافـق عـام علـى تبنـي إجــراءات احترازيــة ووقائيــة لمنــع الجرائــم الإرهابيــة وتشــديد العقوبــات وتوســيع نطاقهــا لتشــمل مرتكبــي هــذه الجرائــم والمحرضيــن عليهــا ومموليهــا والمخططيــن للقيــام بهــا وكافــة الكيانــات الاعتباريــة الداعمــة لهــا. وفــي هــذا الصــدد يمكــن الإشــارة لعــدة ملحوظــات أساســية يتمثــل أهمهــا فيمــا يلــي: 1- توســعت أغلــب الــدول فــي تعريــف الإرهــاب، ليتضمــن ليــس فقــط أعمــال العنــف التــي تســتهدف الدولــة أو مواطنيهــا بغـرض إكراههـا علـى ارتـكاب فعـل معيـن أو الامتنــاع عنــه، ولكنهــا تضمنــت كذلــك التحريــض العلنــي علــى ارتــكاب الأعمــال الإرهابيـة، كمـا ياحـظ أن أغلـب التعريفـات قـد امتـازت بالغمـوض أو العمومية الشـديدة، فـي حيـن أن الـدول الأخـرى ذهبـت إلى عدم وضـع تعريـف للإرهـاب، والاكتفـاء بتجريـم بعـض الأفعـال التـي تعتبرهـا إرهابيـة. 2- اتخــذت الــدول العديــد مــن التدابيــر الاحترازيـة، التـي مـن شـأنها منـع ارتـكاب الجريمــة الإرهابيــة، ومــن ذلــك الاحتجــاز مــن دون محاكمــة أو فــرض قيــود علــى حريــة الأشــخاص، مثــل تحديــد الإقامــة فــي مــكان معيــن، وهــي كلهــا تدابيــر، وإن سـاهمت فـي إحبـاط عـدد مـن العمليـات الإرهابيـة، إلا أنهـا تثيـر انتقـادات مـن جانـب المنظمـات الحقوقيـة علـى أسـاس انتهاكهـا حقــوق الإنســان وحرياتــه الأساســية. 3- عمــدت العديــد مــن التشــريعات إلــى التوســع والتشــدد فــي المعاقبــة علــى الجرائــم الإرهابيــة، ومــن ذلــك: • النــص علــى تشــديد عقوبــة أي مــن الجرائــم العاديــة مــن الجنايــات والجنــح إذا مــا ارتكبــت لغــرض إرهابــي. • النــص فــي بعــض القوانيــن علــى معاقبــة الشــروع وأحيانــاً الاشــتراك فــي ارتــكاب أي جريمــة إرهابيــة بالعقوبــة نفســها المقــررة للجريمــة التامــة. • عــدم خضــوع جرائــم الإرهــاب للتقــادم أو ســقوط العقوبــة بمضــي المــدة. • عــدم إمكانيــة إخضــاع الفعــل الإرهابــي لأســباب الإباحــة أو التبريــر. 4- علــى الرغــم مــن الانتقــادات التــي توجــه لبعــض التدابيــر الـواردة فـي قوانيـن مكافحـة الإرهـاب، نظـراً لمـا تتضمنـه مـن انتهــاكات لحقــوق الإنســان وحرياتــه الأساســية، فإنــه لا يمكــن إغفـال حقيقـة أن هـذه التدابيـر سـاعدت فـي إلقـاء القبـض علـى العديــد مــن العناصــر الإرهابيــة وإحبــاط مخططاتهــم. 5- يكشــف الواقــع أن الشــعوب نفســها تكــون داعمــة لإجــراء تعديــات تشــريعية لتعزيــز ســلطة الأجهــزة الأمنيــة فــي مكافحــة الإرهــاب، فقــد أظهــر اســتطاع للــرأي تــم إجــراؤه فــي 13 ســبتمبر 2001، أي عقــب أحــداث 11 ســبتمبر، أن 61% يدعمـون التضحيـة بالحريـات المدنيـة مـن أجـل مواجهـة العمليــات الإرهابيــة.

وعلــى الرغــم مــن مــرور عــدة أعــوام علــى أحــداث 11 ســبتمبر الإرهابيــة، كشــف اســتطاع للــرأي تــم إجــراؤه فــي يوليــو 2003 أن 55% يــرون أن قانــون باتريــوت آكــت ضــروري ومهــم للولايــات المتحـدة لمكافحـة الإرهـاب، فـي حيـن رأي 27% فقـط أنـه سـلبي، وفـي اسـتطاع رأي أجــراه مركــز بيــو (PEW) فــي فبرايــر 2011، عبّـر 42% مـن المسـتطلعة آراؤهم بــأن قانــون باتريــوت آكــت أداة ضروريــة لمكافحــة الإرهــاب، فــي حيــن رأي 34% أنهــا تمثــل تهديــداً للحريــات المدنيــة، بينمــا رأى 11% أنهـم لا يسـتطيعون تحديـد مـا إذا كان القانـون ضروريـاً لمكافحـة الإرهـاب أم أنـه يمثـل انتهـاكاً لحقـوق الإنسـان ويكشـف مـا سـبق، عـن اسـتعداد الشـعوب للتضحيـة بالحريـات المدنيـة وتعزيـز سـلطات الأجهزة الأمنيــة مــن أجــل مواجهــة العمليــات الإرهابيــة(55).

وفــي المجمــل فــرض تصاعــد الجرائــم الإرهابيــة علــى دول العالــم ترجيــح الاعتبــارات الأمنيــة علــى مــا دونهــا لحمايــة المواطنيــن والمنشــآت العامــة والممتلــكات الخاصــة مـن التهديــدات الإرهابيــة، وهــو مــا يســتدل عليــه بمقولــة ريتشــارد بوزنـر، القاضـي بمحكمـة الاسـتئناف، أنـه "فـي أوقـات الخطـر، يـزداد وزن الاهتمـام بالأمـن العـام، مقارنـة باعتبـارات الحريـة، بــل ويتــم التضييــق علــى الحريــات المدنيــة، ولكــن فــي أوقــات الســلم، فــإن التــوازن ينعكــس فــي الاتجــاه المقابــل، وتــزداد الحريــات المدنيــة"(53،( وهــو مــا يثيــر التســاؤل حــول مــا إذا كانـت قوانيـن مكافحـة الإرهـاب قـد جـاءت للتعامـل مـع وضـع طــارئ، وبالتالــي قــد يتــم التخلــي عنهــا مــع زوال مســبباتها، أم أنهـا أصبحـت الوضـع الطبيعـي الجديـد)54،( الـذي يجـب الاعتيـاد عليــه، علــى نحــو مــا صــرح بــه ديــك تشــيني، نائــب الرئيــس الأمريكــي الأســبق، فــي أعقــاب أحــداث الحــادي عشــر مــن ســبتمبر.

ويأتـــي ضمـــن انتهـــاك الحريـــات المدنيـة سـماح السـلطات الحكوميـة بمراقبـــة الاتجاهـــات العامـــة للقـــراءة في المجتمـــع مـــن خـــال مراقبـــة المكتبـــات العامـــة، ومبيعـــات الكتـــب، بالإضافـــة إلى ســـماح القانـــون بالتفتيـــش للملكيـــة الخاصـــة وأجهـــزة الكمبيوتـــر الشـــخصية، فضـــاً عـــن مراقبـــة الإيميـــات والوصـــول إلى الســـجات التعليميـــة والماليـــة للأشـخاص المشـتبه بهـم، وذلـك مـن دون أي إخطـــار مســـبق لهـــم، ومـــن دون الحاجـــة إلى تقـــديم دليـــل علـــى أن المشـــتبه بـــه متـــورط في أعمـــال تخريبيـــة أو إرهابيـــة.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.