معاهدة فرساي:

تحولات النظام الدولي بعد الحرب العالمية الأولى

Trending Events - Future Report - - تقرير المستقبل - د. إيمان أحمد عبدالحليم باحثة متخصصة في الشؤون العربية

أســهم "مؤتمــر الصلــح" الــذي عقــد فــي قصــر "فرســاي" فــي العاصمــة الفرنســية باريــس فــي إعــادة تشــكيل النظــام الدولــي وخريطــة القــارة الأوروبيــة عقــب الحــرب العالميــة الأولــي، حيــث عقــد هــذا المؤتمــر خــال الفتــرة مــن 18 ينايــر 1919 حتـى 20 ينايـر 1920، لاسـتعادة الاسـتقرار فـي النظـام الدولـي وفـرض شـروط الاستسـام علـى الـدول المهزومـة فـي الحـرب العالميـة الأولـى)1.)

اأولاً: هيمنة الدول الكبرى

شــهد مؤتمــر الصلــح فــي باريــس دعــوة القــوى المنتصــرة فــي الحـرب العالميـة الأولـى والتـي أعلنـت العـداء مـع ألمانيـا، فبلـغ عـدد الوفـود المشـاركة 32 وفـداً مـن 27 دولـة وكيانـاً سياسـياً، فيمــا لــم يشــارك الوفــد الألمانــي ووفــود الــدول المهزومــة فــي فعاليــات المؤتمــر، واقتصــر دور أعضــاء الوفــد الألمانــي علــى التوقيــع فقــط علــى بنــود المعاهــدة بعــد إعدادهــا، وكان دخولهــم قاعـة فرسـاي للتوقيـع مشـهداً مهينـاً، حيـث كان يرافقهـم الحـراس ولـم يسـمح لهـم بالجلـوس.

وعلــى الرغــم مــن دعــوة القــوى المنتصــرة فــي الحــرب للمشـاركة فـي المؤتمـر، لـم يـدع منـدوب عـن الاتحـاد السـوفييتي الســابق، لأن الثــورة البلشــفية التــي قامــت بهــا فصلتهــا عــن الحلفــاء فناصبوهــا العــداء، وكانــت الكلمــة النهائيــة خــال المؤتمــر للــدول الكبــرى، بريطانيــا وفرنســا والولايــات المتحــدة الأمريكيـة وإيطاليـا واليابـان، وذلـك قبـل أن تنسـحب إيطاليـا بعـد وقــت قصيــر احتجاجــاً علــى عــدم الاســتجابة لبعــض مطالبهــا، وحتــى اليابــان فــكان دورهــا ثانويــاً إلــى حــد كبيــر، وســيطر علــى المؤتمــر الثاثــة الكبــار وهــم: الرئيــس الأمريكــي وودرو ويلسـون، ورئيـس الـوزراء الفرنسـي جـورج كليمنصـو، ورئيـس الـوزراء البريطانـي ديفيـد لويـد جـورج(، الذين اتخـذوا القرارات الرئيسـية خـال المؤتمـر ثـم وافقـت عليهـا الوفـود المشـاركة فـي مرحلــة لاحقة)2.)

ثانياً: بنود "معاهدة فر�ساي"

شـهد مؤتمـر الصلـح اهتمامـاً خاصـاً بصياغـة "معاهـدة فرسـاي" مــع ألمانيــا، والتــي تــم التوقيــع عليهــا فــي 28 يونيــو 1919، وبلــغ عــدد صفحاتهــا 230 صفحــة وتكونــت مــن 15 فصــاً و440 بنــداً، وتضمنــت فــي مقدمتهــا الموافقــة علــى تأســيس عصبـة للأمـم بعـد أن أصـر الرئيـس ويلسـون علـى وجـوب أن يكـون الميثـاق العصبـة جـزءاً لا ينفصـل مـن تسـويات الصلـح، وبجانــب ذلــك كانــت الأقســام الرئيســية للمعاهــدة علــى النحــو التالــي: 1- القسـم الخـاص بالحـدود: حيـث فُـرض علـى ألمانيـا التخلـي عــن كافــة مســتعمراتها وامتيازاتهــا فيمــا وراء البحــار، وتنظيــم شـؤون تلـك المسـتعمرات فـي ظـل نظـام الوصايـة الـذي تشـرف عليــه عصبــة الأمــم. وقــد نصــت المعاهــدة كذلــك علــى إعــادة "الالـزاس" و"اللوريـن" إلـى فرنسـا، والتـي حصلـت أيضـاً علـى مناجـم الفحـم فـي منطقـة "السـار"، التـي تقـرر أن تعهـد إدارتهـا لمـدة 15 عامـاً إلـى لجنـة خاصـة تحـت إشـراف عصبـة الأمـم، علـى أن يجـري اسـتفتاء بعـد انقضـاء المـدة المحـددة حـول بقـاء سـكانها مـع الجانـب الألمانـي أو الانضمـام إلـى فرنسـا، أو البقـاء تحـت إشـراف عصبـة الأمـم.

كمــا حصلــت بلجيــكا علــى ثــاث مــدن مهمــة هــي "ايوبــن"

و"مالمــدي" و"مورســن"، وتقــرر إجــراء تصويــت فــي القســم الشـمالي مـن "شـلزوفيك" لتقـرر الأغلبيـة الدنماركيـة مصيرهـا، وتنازلــت ألمانيــا عــن الجــزء الأكبــر مــن جهاتهــا الشــرقية فــي "بـوزن" و"بروسـيا الغربيـة" إلـى بولنـدا، مـع إجـراء اسـتفتاء في "ســيلزيا العليــا"، واعتبــار "دانــزج" ولايــة حــرة داخــل الاتحــاد الكمركــي البولنــدي، وإجــراء اســتفتاء فــي أجــزاء "بروســيا الشــرقية" لتقــرر الانضمــام إلــى بولنــدا أو البقــاء فــي ألمانيــا.

وبالإضافــة إلــى ذلــك، اســتردت تشيكوســلوفاكيا مقاطعــة هولتشــين مــن ألمانيــا، وأصبحــت مدينــة "دانســيج" الألمانيــة الكبـرى حـرة تحـت وصايـة عصبـة الأمـم، وتمـت إعـادة شـريط "ميميــل" إلــى الســيطرة الليتوانيــة، وخســرت ألمانيــا 13% مــن أقاليمهــا الأوروبيــة )أكثــر مــن 27,000 ميــل مربــع( وعشــر سـكانها )مـا بيـن حوالـي 6.5 و7 ماييـن نسـمة(، كمـا أسـفرت بنـود "معاهـدة فرسـاي" عـن تأسـيس تسـع دول لـم تكـن موجـودة مــن قبــل، هــي: فنلنــدا والنمســا وتشيكوســلوفاكيا ويوغوســافيا وبولنــدا والمجــر ولاتفيــا وليتوانيــا واســتونيا. 2- القســم الخــاص بالضمانــات والقيــود العســكرية: كان هــدف المعاهـدة ضمـان أمـن جيـران ألمانيـا، وخصوصـاً فرنسـا، عـن طريــق إضعــاف القــوة العســكرية لألمانيــا، التــي سُــمح لهــا بالاحتفــاظ بجيــش لا يزيــد علــى 100 ألــف مقاتــل، علــى أن تكــون خدمــة الضبــاط فيــه لمــدة 25 ســنة متواليــة، وأن تكــون خدمــة الجنــود العادييــن لمــدة 12 ســنة لضمــان عــدم اكتســابهم خبــرة كبيــرة فــي ميــدان المعركــة، وألا يزيــد عــدد الضبــاط والجنـود الذيـن يسـرحون عـن نسـبة 5% فـي السـنة، مـع اتخـاذ قــرار بإلغــاء الخدمــة العســكرية الإجباريــة.

وتضمنــت المعاهــدة كذلــك نــزع الأســلحة الألمانيــة، خاصــة المدافـع الكبيـرة، وتحديـد القـوة البحريـة الألمانيـة، كمـا تـم حظـر صنــع أو اســتيراد الطائــرات والســفن والمدرعــات، وتــم منــع تصنيــع الغــازات الســامة، فضــاً عــن تدميــر مصانــع الذخيــرة المملوكـة لألمانيـا، ولضمـان أمـن فرنسـا تقـرر أن تحتـل قواتهـا الجانــب الغربــي مــن نهــر "الرايــن" لمــدة 15 ســنة، وإيجــاد منطقـة منزوعـة السـاح فـي شـرق "الرايـن"، مـع اشـتراط عـدم اتحــاد ألمانيــا والنمســا. 3- القســم الخــاص بالتعويضــات: نصــت المــادة )231( مــن "معاهـدة فرسـاي" علـى أن: "حكومـات الـدول الحليفة والمشـاركة تؤكــد، وألمانيــا توافــق، علــى مســؤولية ألمانيــا وحلفائهــا فــي التســبب بالخســائر والأضــرار التــي تكبدهــا مواطنــو حكومــات الــدول الحليفــة والمشــاركة بســبب الحــرب التــي فرضــت

عليهــم بعــدوان ألمانيــا وحلفائهــا"، وليُفــرض علــى ألمانيــا دفــع التعويضــات عــن الخســائر التــي أصابــت المدنييــن فــي الحــرب وتقديـم الحسـاب الختامـي لهـا عنـد ذلـك فـي أول مايـو 1921، وإلـى أن يحيـن ذلـك الوقـت تدفـع ألمانيـا خمسـة مليـارات دولار وتدفـع الباقـي علـى ثاثيـن عامـاً، وألزمـت أيضـاً بتسـليم جميـع سـفنها التجاريـة التـي تزيـد حمولتهـا علـى 1600 طـن، ونصـف الســفن التــي تصــل حمولتهــا إلــى 800 طــن وكذلــك أســاطيل الصيــد) 3 .)

ثالثاً: اإ�سكاليات تطبيق المعاهدة

ترتـب علـى معاهـدة فرسـاي العديـد مـن الإشـكاليات التـي سـببت عــدم الاســتقرار فــي القــارة الأوروبيــة والنظــام الدولــي، حيــث شــهدت فعاليــات إعــداد المعاهــدة خافــات واســعة بيــن الــدول المنتصــرة، ولــم يكــن اســتبعاد الاتحــاد الســوفييتي مظهرهــا الوحيـد، إذ حاولـت كل دولـة مـن الـدول الكبـرى المحافظـة علـى مصالحهــا الخاصــة، فــأرادت بريطانيــا مثــاً أكبــر عــدد مــن المســتعمرات، وضمــان اســتمرار تفوقهــا البحــري، والمحافظــة علــى تــوازن القــوى فــي أوروبــا.

وســعت فرنســا كذلــك لتأميــن نصيبهــا مــن المســتعمرات، مضافــاً إلــى ذلــك دفــع ألمانيــا تعويضــات كبيــرة لهــا، والقضــاء علــى قوتهــا العســكرية، أمــا الولايــات المتحــدة الأمريكيــة فقــد عارضــت سياســة فرنســا وبريطانيــا فــي مجــال الاســتعمار، ونــادت بمنــح حــق تقريــر المصيــر للشــعوب، واشــترطت أن يكــون ميثــاق "عصبــة الأمــم" جــزءاً لا يتجــزأ مــن المعاهــدة الموقعــة مــع ألمانيــا، وهــو مــا اســتجاب لــه الحلفــاء بعــد جــدل طويــل) 4 .)

وتمثلــت المفارقــة الكبــرى فــي عــدم توقيــع الكونجــرس الأمريكـي علـى ميثـاق "عصبـة الأمـم" لمـا رآه مـن قيـود علـى صاحياتــه فــي إعــان الحــرب، بــل وحتــى عــدم التوقيــع فــي نهايـة الأمـر علـى "معاهـدة فرسـاي"، ولتقـوم الولايـات المتحـدة بالتوقيــع علــى معاهــدات ســام منفصلــة مــع كل مــن ألمانيــا والنمســا والمجــر فــي عــام 1921.

وعلــى مســتوى آخــر، كان هنــاك خــاف كبيــر بشــأن آليــة فـرض التعويضـات علـى ألمانيـا، إذ سـعت الولايـات المتحـدة مـن ناحيتهــا إلــى إعــادة إعمــار الاقتصــاد الأوروبــي لكــي تســتوعب أوروبــا البضائــع الأمريكيــة، ولذلــك لــم تكــن مســتعدة لفــرض عقوبــات اقتصاديــة كبيــرة علــى ألمانيــا، ورأت وجــوب حصــر التعويضـات بحـدود الاتفاقيـات التـي تمـت قبـل عقـد الهدنـة بحيث تشـمل الأضـرار التـي حدثـت لا تكاليـف الحـرب، وهـو مـا تمـت الموافقــة عليــه فــي ختــام المفاوضــات. ولكــن الخــاف تصاعــد حـول مقـدار التعويضـات ومدتهـا وطريقـة جمعهـا، وتـم الاتفـاق فـي أبريـل عـام 1921 علـى تثبيـت التعويضـات الألمانيـة بمقدار 6.6 مليــار جنيــه اســترليني، دفعــت ألمانيــا قســطه الأول فــوراً.

وتوقفــت ألمانيــا عــن الدفــع بعــد التضخــم المالــي، ممــا أدى إلــى احتــال إقليــم "الروهــر" الغنــي بصناعاتــه ومناجمــه مــن قِبـل القـوات الفرنسـية والبلجيكيـة فـي عـام 1923، وقـد احتجـت بريطانيـا والولايـات المتحـدة علـى هـذه الخطـوة لفرنسـا، وقامـت الــدول بعقــد اجتمــاع اتفــق فيــه علــى إنشــاء لجنــة تدعــى "لجنــة داوز" أقــرت مبلغــاً تدفعــه ألمانيــا علــى أقســاط علــى مــدى 60 عامــاً لفرنســا، والتــي انســحبت فــي المقابــل مــن الإقليــم، مــع الســماح أيضــاً لألمانيــا بالحصــول علــى قــرض لكــي تدفــع التعويضـات، ونجحـت محـاولات ألمانيـة أخـرى للحصـول علـى تعديـل بشـأن المبالـغ النهائيـة عندمـا خفـض "مشـروع يونـج" فـي عـام 1929 الرقـم المطلـوب مـن ألمانيـا بمقـدار يناهـز 75،% ومـع ذلـك فقـد أوقـف الانهيـار المالـي فـي عـام 1931 دفـع كافـة التعويضــات.

وفــي الداخــل الألمانــي تســببت معاهــدة فرســاي فــي احتقــان متصاعـد، بـدأ منـذ لحظـة التوقيـع عليهـا، حيـث اعتـرض الوفـد الألمانـي بشـدة علـى بنودهـا لأنهـا لـم تلتـزم بشـروط الاستسـام، والنقـاط الــ 14 التـي أعلنهـا الرئيـس ولسـون، فضاً عن اسـتحالة تنفيـذ كثيـر مـن نصوصهـا، وتـم اتهـام الوفـد الموقـع بـ"الخيانـة" وتحديـداً مـن جانـب التيـارات اليمينيـة فـي الدولـة)5.)

وقـد نـدد أدولـف هتلـر بالمعاهـدة فـور وصولـه إلـى الحكـم، وخــال الفتــرة مــن مــارس 1937 حتــى مــارس 1939، قــام بتجميــد تطبيــق المعاهــدة والســعي نحــو توســيع حــدود ألمانيــا لتضــم مجــدداً النمســا وتشيكوســلوفاكيا وشــريط "ميميــل"، ومــع هجومــه علــى بولنــدا فــي الأول مــن ســبتمبر 1939، تفجــرت الحــرب العالميــة الثانيــة مــن جديــد.

وختامـاً، تسـببت معاهـدة فرسـاي فـي تأجيـج الرغبـة فـي الثأر والانتقــام لــدى ألمانيــا، وهــو مــا أدى لصعــود التيــارات القوميــة اليمينيــة المتطرفــة التــي اتبعــت سياســات توســعية عدوانيــة أدت لتفجـر الحـرب العالميـة الثانيـة.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.