مؤتمر يالطا:

إعادة هيكلة النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية

Trending Events - Future Report - - تقرير المستقبل - أحمد حمدون معيد بقسم العلوم السياسية، بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة

تعـد تسـويات الحـرب العالميـة الثانيـة مـن أهـم الأطـر الاتفاقيـة التـي أسـهمت فـي إعـادة هيكلـة النظـام الدولـي والنظـام الإقليمـي فــي القــارة الأوروبيــة، فقــد قضــت هــذه التســويات علــى التوجهـات التوسـعية لألمانيـا واليابـان، وتقسـيم القـارة الأوروبيـة إلــى نطاقــات نفــوذ منفصلــة بيــن الــدول المنتصــرة، وهــو مــا أدى لتكريـس الانقسـامات القوميـة والأيديولوجيـة خـال الحـرب البـاردة، بالإضافـة لتأسـيس منظمـة الأمـم المتحـدة، التـي لاتـزال الإطــار المؤسســي الأهــم فــي تنظيــم التفاعــات الدوليــة.

اأولاً: موؤتمرات مع�سكر الحلفاء

بــدأ التخطيــط لتســويات مــا بعــد الحــرب العالميــة الثانيــة بعــد انـدلاع الحـرب بعاميـن تقريبـاً فـي أغسـطس 1941 حينمـا التقـى الرئيــس الأمريكــي برئيــس وزراء المملكــة المتحــدة، وأصــدرا مـا أضحـى يعـرف بـــ "ميثـاق الأطلنطـي"، والـذي تضمـن عـدة مبـادئ مـن بينهـا حـق تقريـر المصيـر لمختلـف الشـعوب، وحرية الماحـة فـي البحـار، والتعـاون الاقتصـادي الدولـي، ونزع سـاح الــدول المعتديــة، وتقليــل الحواجــز التجاريــة؛ وقــد تبنــى هــذا الميثــاق فــور صــدوره باقــي دول الحلفــاء بمــا فــي ذلــك الاتحــاد الســوفييتي، وقــد مثلــت القيــم الــواردة فــي ميثــاق الأطلنطــي الأســاس الــذي قــام عليــه ميثــاق الأمــم المتحــدة فيمــا بعــد.

بعـد هـذا اللقـاء عقـدت الـدول الكبـرى بمعسـكر الحلفـاء وهـم الولايــات المتحــدة، وبريطانيــا، والاتحــاد الســوفييتي العديــد مــن المؤتمـرات، بعضهـا للتنسـيق أو التخطيـط العسـكري والعملياتـي للحـرب ضـد ألمانيـا ودول المحـور، كمؤتمـر أركيديـا فـي ينايـر 1942، والبعــض الآخــر لوضــع تصــور للعالــم مــا بعــد انتهــاء الحـرب وهزيمـة ألمانيـا وحلفائهـا، كمؤتمـر القاهـرة فـي نوفمبـر 1943، ومؤتمــر طهــران فــي نوفمبــر 1943، ومؤتمــر يالطــا فــي فبرايــر 1945، ومؤتمــر بوتســدام فــي يوليــو 1945، وقــد عقــد الأخيــر بعــد هزيمــة ألمانيــا واحتــال قــوات الحلفــاء كامــل أراضيهــا وقبــل إعــان اليابــان استســامها غيــر المشــروط فــي 15 أغســطس 1( 1945.)

أسســت هــذه المؤتمــرات ومــا تاهــا مــن مؤتمــرات أخــرى بيــن الــدول الكبــرى مــا يمكــن اعتبــاره البنيــة التحتيــة لهيكلــة القــارة الأوروبيــة والنظــام العالمــي بعــد هزيمــة دول المحــور لحيــن الوصــول لتســويات نهائيــة، فقــد تــم تأســيس المفوضيــة الاستشـارية الأوروبيـة فـي مؤتمـر طهـران فـي نوفمبـر 1943، وقــد أوكلــت إليهــا دراســة المشــاكل السياســية فــي أوروبــا بعــد انتهـاء الحـرب ورفـع توصيـات للـدول الكبـرى، كمـا تـم تأسـيس مفوضيـة الشـرق الأقصـى فـي مؤتمـر موسـكو لـوزراء الخارجية فـي ديسـمبر 1945 للتوصيـة إلـى الحلفـاء حـول تقريـر مصيـر اليابــان عقــب احتالهــا مــن جانــب القــوات الأمريكيــة)2.)

ثانياً: اتفاقيات ال�سلام والت�سوية

تقاسـمت الـدول المنتصـرة السـيطرة علـى دول المحـور مـن خال تشــكيل مفوضيــات عســكرية تخضــع للــدول صاحبــة الوجــود العســكري الأكبــر فــي الــدول المحتلــة، وتــم إنشــاء مفوضيــات مشــتركة لإدارة كل مــن إيطاليــا، ورومانيــا، وفنلنــدا، وبلغاريــا، والمجــر؛ كمــا تــم إنشــاء مجلــس خــاص لإدارة ألمانيــا وآخــر لإدارة النمسـا مـع تقسـيمهم لأربعـة أجـزاء بيـن الولايـات المتحـدة والمملكــة المتحــدة والاتحــاد الســوفييتي وفرنســا.

واســتمرت تلــك المفوضيــات والمجالــس فــي الســيطرة علــى الأوضـاع فـي البلـدان المحتلـة والإشـراف علـى تسـريح الجيوش،

ومحاكمـة مجرمـي الحـرب، ومصادرة الأسـلحة، وتعديـل الحدود، ومـا إلـى ذلـك مـن أمـور إلـى أن تـم الوصـول إلـى اتفاقيـات سـام نهائيــة مــع دول المحــور المهزومــة، وقــد تــم الوصــول لبعــض تلـك الاتفاقيـات فـرادى، كمـا حـدث مـع اليابـان فـي اتفاقيـة سـان فرانسيســكو فــي ســبتمبر 1951، أو مــع النمســا فــي اتفاقيــة اســتقال النمســا فــي مايــو 1955، كمــا تــم الوصــول للبعــض الآخــر فــي مؤتمــر باريــس للســام المنعقــد بيــن شــهري يوليــو وأكتوبــر 1946 والــذي انتهــى بتوقيــع اتفاقيــات ســام مــع كلٍ مـن إيطاليـا ورومانيـا والمجـر وبلغاريـا وفنلنـدا فـي 10 فبرايـر 1947، وهــي دول صغــرى فــي معســكر المحــور مقارنــة بــكلٍ مــن ألمانيــا واليابــان والتــي تــم التعامــل معهــا بنهــج مختلــف) .)

ولــم تســهم تســويات مــا بعــد الحــرب العالميــة الثانيــة فــي اســتعادة الاســتقرار، فقــد كانــت نهايــة الحــرب العالميــة الثانيــة بطيئـة وتفجـرت الانقسـامات والاسـتقطابات بيـن الـدول المنتصرة التـي مهـدت لمرحلـة الحـرب البـاردة فـي العاقـات الدوليـة، كمـا تفجــرت الحــروب بالوكالــة فيمــا بيــن الــدول، مثــل الحــرب فــي شــبه الجزيــرة الكوريــة والحــرب الأهليــة فــي فيتنــام) .)

ولــم يكــن هنــاك أي تفــاوض فعلــي علــى شــروط الســام، وإنمـا قـام الحلفـاء بفـرض إرادتهـم علـى الـدول المهزومـة عبـر سلسـلة مـن الاتفاقيـات المعلنـة جزئيـاً، وهـذا بعـد أن قامـوا فعليـاً باحتـال أراضـي تلـك الـدول ونقـل ماييـن مـن المواطنيـن عبـر الحـدود، ومحاكمـة مجرمـي الحـرب، ونقـل السـيادة علـى بعـض الأقاليـم لـدولٍ أخـرى؛ وقـد ترتـب علـى تلـك الترتيبـات المؤقتـة إتاحــة الفرصــة للــدول المنتصــرة لأن تهيمــن بإرادتهــا المنفــردة علـى المناطـق الخاضعـة لسـيطرتها مـن دون أيـة مسـاءلة عامـة أمـام مؤتمـر للسـام، فقـام الاتحـاد السـوفييتي علـى سـبيل المثـال بضـم الـدول التـي حررهـا الجيـش الأحمـر مـن الاحتـال الألماني فــي وســط وشــرق أوروبــا وتحويلهــا إلــى جمهوريــات ســوفييتية اشـتراكية عبـر تنصيـب حكومـات مواليـة لموسـكو) .)

واتبعــت الــدول الغربيــة سياســات الاتحــاد الســوفييتي نفســها مــع الــدول التــي تمــت الســيطرة عليهــا فــي الحــرب كاليابــان وألمانيــا الغربيــة ولكــن، بمنهــج مختلــف، فقــد قــام باقــي الحلفــاء بتهيئــة تلــك الــدول لاســتعادة الســيطرة فــي فتــرة قصيــرة مــع ضمـان تحالفهـا مـع المعسـكر الغربـي دون فـرض وصايـة عليها، فاســتعادت اليابــان اســتقالها وفــق معاهــدة الســام اليابانيــة فــي سـبتمبر1951، واسـتعادت ألمانيـا الغربيـة اسـتقالها بعـد الحـرب بعـدة سـنوات مـع انضمامهـا للمعسـكر الغربـي والناتـو، ولكـن لـم يتــم التوصــل لاتفاقيــة نهائيـة للســام بخصــوص توحيــد شــطري ألمانيــا إلا عــام 1990 بعــد ســقوط ســور برليــن ومــع اقتــراب الحــرب البــاردة علــى الانتهــاء.

وتســببت تســويات الحــرب العالميــة الثانيــة فــي تغييــر خريطــة العالــم، حيــث تــم تقســيم ألمانيــا إلــى نطاقــات نفــوذ بيــن الــدول المنتصــرة، كمــا تــم تقســيم شــبه الجزيــرة الكوريــة بعــد الصراعـات الأهليـة التـي تعـد مـن أهـم نمـاذج الحـروب بالوكالـة بيـن الولايـات المتحـدة والاتحـاد السـوفييتي وهـو مـا ينطبـق علـى الصــراع الممتــد فــي فيتنــام.

ثالثاً: تاأ�سي�س الاأمم المتحدة

تعـد منظمـة الأمـم المتحـدة ضمـن الترتيبـات المؤسسـية التـي تـم التوافـق عليهـا عقـب الحـرب العالميـة الثانيـة، حيـث كان إعـان الأمـم المتحـدة الصـادر مـن دول الحلفـاء فـي مطلـع عـام 1942 بمنزلـة الطـرح الأولـي لإنشـاء مؤسسـة دوليـة تحـل محـل عصبـة الأمــم، وتقــوم علــى فــرض قواعــد القانــون الدولــي، وقــد تمــت صياغــة هــذا الإعــان كتطويــر لمبــادئ "ميثــاق الأطلنطــي" الصــادر فــي أغســطس 1941 .)

وتــم اســتئناف التفــاوض حــول تأســيس الأمــم المتحــدة عقــب انتهــاء الحــرب فــي أواخــر عــام 1944، حيــث اجتمــع ممثلــون لـدول الحلفـاء فـي أغسـطس 1944 فـي واشـنطن لمناقشـة تشـكيل الأمــم المتحــدة، وتــم الاتفــاق علــى هيــكل المنظمــة وصاحيــات مجلـس الأمـن، وتوصـل الحلفـاء لاتفاقيـة أوليـة تمـت مراجعتهـا فـي مؤتمـر سـان فرانسيسـكو بيـن أبريـل ويونيـو 1945 إلـى أن تـم توقيـع ميثـاق الأمـم المتحـدة فـي 26 يونيـو 1945 وانضمـت للمنظمـة تباعـاً دول المحـور كافـة بعـد حصولهـا علـى الاسـتقال.

واكتملــت أركان النظــام الدولــي بتأســيس نظــام نقــدي ومالــي بتوقيـع اتفاقيـات بريتـون وودز فـي يوليـو 1944، والتـي أنشـأت البنـك الدولـي للتنميـة وإعـادة الإعمـار، وصنـدوق النقـد الدولـي، والاتفاقيـة العامـة للتعريفـة الجمركيـة والتجـارة، وكمـا هـي الحـال مـع تسـويات السـام، وانعكسـت تسـويات الحـرب العالميـة الثانيـة علـى نظـم التصويـت داخـل هـذه المنظمـات التـي أعطـت للـدول المنتصــرة فــي الحــرب هيمنــة كاملـة علــى عمليــة صنــع القــرار مـن خـال الأوزان التصويتيـة فـي المنظمـات الاقتصاديـة وحـق النقـض )الفيتـو( فـي مجلـس الأمـن الدولـي.

وفــي المجمــل لــم تحقــق تســويات مــا بعــد الحــرب العالميــة الثانيــة الاســتقرار فــي التفاعــات الدوليــة فــي ظــل تصاعــد الحـرب البـاردة بيـن الولايـات المتحـدة والاتحـاد السـوفيتي وتفجر الحـروب بالوكالـة فـي أقاليـم العالـم المختلفـة وافتقـاد المؤسسـات الدوليــة للفاعليــة وتعطيــل وظائفهــا مــن جانــب القــوى العظمــي فضـاً عـن تصاعـد الانقسـامات الأيديولوجيـة والقوميـة والطائفية.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.