صعود الوسط:

تقدم التيارات غير الحزبية في الانتخابات الرئاسية الفرنسية

Trending Events - Future Report - - باحث دكتوراه بمعهد الدراسات السياسية بفرنسا - يوسف صابر

كشفت نتائج الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي فاز بها إيمانويل ماكرون عن تراجع تأثير الانتماءات الحزبية، وتآكل الانقسامات الأيديولوجية بين اليمين واليسار، في مقابل تركيز الناخبين الفرنسيين على المفاضلة بين أشخاص المرشحين لمنصب الرئيس بغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية أو البرامج التي يطرحونها في الحملات الانتخابية)1(، ويمثل تمسك الرئيس الفرنسي ماكرون زعيم حزب “إلى الأمام” ‪En Marche(‬ ،) خلال الحملات الانتخابية بشعار “عدم الانحياز”، وتجنب تصنيف حركته ضمن اليمين أو اليسار، تأكيداً على إخفاق الأحزاب الرئيسية في الحفاظ على ثقة الناخبين وتأييدهم خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة 2).)

اأولاً: ملامح النظام الانتخابي الفرن�سي

يصنف النظام السياسي الفرنسي ضمن النظم المختلطة، التي تجمع بين خصائص النظم الرئاسية والبرلمانية، حيث يتمتع الرئيس بالصلاحيات التنفيذية الأكبر وفقاً للدستور، وعلى الرغم من تعيين الرئيس لرئيس الوزراء، فإنه في حال حصول حزب لا ينتمي إليه الرئيس على الأغلبية البرلمانية، فإن رئيس الوزراء يتم اختياره من حزب مغاير لحزب الرئيس، حيث تسمى هذه الحالة "التعايش" Cohabitation(،) وخلال هذه الفترة يتم تكبيل صلاحيات الرئيس نتيجة إصدار المجلس التشريعي تشريعات مخالفة لتوجهات الرئيس)3.)

ويشترط لترشح أي شخص للانتخابات الرئاسية الحصول على دعم 500 من النواب البرلمانيين أو المسؤولين المحليين المنتخبين من 30 مقاطعة فرنسية مختلفة)4(، وخلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة، تم عقد الجولة الأولى من الانتخابات في 12 أبريل 2017، ونتيجة لعدم حصول مرشح واحد على الأغلبية المطلقة من الجولة الأولى، عقدت الجولة الثانية للانتخابات بين كل من إيمانويل ماكرون مرشح حزب "إلى الأمام"، وجان ماري لوبان مرشحة “الجبهة الوطنية” في 7 مايو 2017، وشهدت الانتخابات الفرنسية الأخيرة عقد مناظرتين تلفزيونيتين بين المرشحين للرئاسة لتعريف الناخبين ببرامجهم السياسية، وهو ما يمثل تأثراً بالنموذج الأمريكي في الانتخابات الرئاسية.

وتنص المادة السابعة من الدستور الفرنسي على أنه يتم انتخاب رئيس الجمهورية بالاقتراع السري المباشر لفترة رئاسية مدتها 5 سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، وإذا لم يحصل أيٍ من المرشحين على الأغلبية المطلقة من أصوات الاقتراع "50% +1" يتم عقد جولة ثانية بين أكثر اثنين من المرشحين حصولاً على الأصوات في الجولة الأولى)5.)

وتتبنى فرنسا نظام الانتخاب الفردي في الانتخابات الرئاسية، بالمقارنة بنظام القائمة النسبية المتبع في الانتخابات الإقليمية، كما تختلف الانتخابات الرئاسية ذات الطابع المباشر عن انتخابات مجلس الشيوخ الفرنسي، الذي يمثل الغرفة العليا للبرلمان الفرنسي، إذ يتم الانتخاب فيها من خلال الاقتراع غير المباشر، حيث يختار الناخبون ممثلين إقليميين يتولون انتخاب أعضاء مجلس الشيوخ، وتتسم الانتخابات الفرنسية بمعدلات المشاركة العالية بسبب حالة الترقب والزخم التي تصاحب الحملات الانتخابية للمرشحين في المرحلة السابقة على الانتخابات) .)

باحث دكتوراه بمعهد الدراسات السياسية بفرنسا

ثانياً: دلالات نتائج الانتخابات الرئا�سية

شهدت انتخابات الرئاسة الفرنسية الأخيرة تنافس 11 مرشحاً يمثلون تيارات وأحزاباً سياسية متعددة، وعلى الرغم من استمرار الانقسامات التقليدية بين اليمين واليسار في الانتخابات، فإن الظاهرة الأكثر وضوحاً تمثلت في صعود أحزاب وتيارات الوسط التي تخرج عن الاستقطاب التقليدي بين اليمين واليسار.

وفي هذا الإطار شهدت الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي أُجريت في )23 أبريل 2017( صعود كل من مرشح حزب )إلى الأمام( إيمانويل ماكرون، ومرشحة حزب )الجبهة الوطنية( ماري لوبان، إلى الجولة الثانية بعد حصولهما على نسبة 24.01% و21.3% على التوالي، وفي هذا الإطار كشفت الانتخابات الرئاسية عن عدة ملامح رئيسية تتمثل فيما يلي: 1- انحسار اليمين واليسار التقليدي: كسرت الانتخابات الرئاسية الحالية قاعدة تداول السلطة في فرنسا بين اليمين المعتدل واليسار، والتي استمرت قرابة 36 عاماً. فمنذ انتخاب "فاليري جيسكار ديستان" عام 1974 كمرشح وسطي لا ينتمي بوضوح لليمين أو لليسار، تناوب على الرئاسة الفرنسية رؤساء من اليمين المعتدل التقليدي، مثل: "جاك شيراك" و"نيكولا ساركوزي"، ورؤساء من اليسار مثل: "فرانسوا ميتران" و"فرانسوا هولاند")7.)

ويمثل صعود مرشحة اليمين المتطرف، ومرشح حزب وسطي إلى الجولة الثانية حالة استثنائية؛ حيث لم ينجح أيٌّ من مرشحي اليمين التقليدي "الجمهوريين" أو اليسار التقليدي "الحزب الاشتراكي" في الحصول على النسبة الأكبر من أصوات الناخبين في الجولة الأولى. ويكشف هذا عن مرور فرنسا بظروف استثنائية صادمة للناخبين، سواء على المستوى الداخلي مثل "الإرهاب"، أو الإقليمي، خاصة "خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي". 2- تراجع المشاركة الانتخابية: على الرغم من أن نسبة مشاركة الفرنسيين كانت مرتفعة كالعادة في الانتخابات الرئاسية الحالية، حيث وصلت إلى ما يقرب من 77% من إجمالي المسجلين على القوائم الانتخابية؛ فإنها تسجل تراجعاً تدريجياً في نسبة مشاركة الفرنسيين في الانتخابات الرئاسية مقارنةً بانتخابات عام 2012 ومن قبلها انتخابات عام 2007. وكانت نسبة المشاركة النهائية المسجلة في انتخابات عام 2007 هي الأعلى على الإطلاق، حيث وصلت إلى 83.77%، بينما سجلت انتخابات عام 2012 نسبة مقدارها 79.48%. وترجع نسبة الامتناع عن التصويت المتصاعدة إلى العديد من العوامل التي من أهمها ارتفاع عدم الثقة لدى المواطنين الفرنسيين في نُخب اليمين واليسارالتي كانت تحشد أعداداً مهمة من المؤيدين)8.) 3- مصداقية استطلاعات الرأي: أشارت معظم استطلاعات الرأي في فرنسا قبل الانتخابات إلى وجود خمسة مرشحين سيحصلون على أصوات الفرنسيين في الجولة الأولى من الانتخابات، وهم بترتيب التوقعات: ماكرون )23.5%(، لوبان )23.5%(، فيون (19%(، ميلينشون )17%(، وأخيراً هامون )9%(، وهو ما تحقق خلال الانتخابات)9.)

وقد جاءت النتائج النهائية للجولة الأولى بالفعل لتؤكد دقة تلك الاستطلاعات بفروقات بسيطة جداً، حيث حصل ماكرون على 24.01%، ولوبان على 21.3%، وفيون على 20.01،% وميلينشون على 19.58%، من إجمالي الأصوات في الجولة الأولى. 4- صعود الاستقطاب الطبقي والجغرافي: توصلت مراكز الدراسات الفرنسية إلى ميل الكوادر وأصحاب المهن الإدارية لانتخاب "ماكرون"، في حين فضلت الطبقات العمالية وأصحاب المهن متوسطة الدخل "لوبان"، وتوافقاً مع هذا الاتجاه، صوتت أيضاً الكتلة الأكبر من أصحاب الدخول المرتفعة )بمتوسط دخل 3000 يورو شهرياً أو أكثر( لصالح "ماكرون"، في حين صوتت الكتلة الأكبر من أصحاب الدخول المنخفضة )بمتوسط دخول 1250 يورو شهرياً أو أقل( لصالح "لوبان".

ويلاحظ تفضيل الأقل تعليماً لخطاب ماري لوبان، بينما يفضل المثقفون والأكثر تعليماً خطاب ماكرون محولين الانقسام السياسي بين "اليمين" و"اليسار" إلى انقسام جديد بين "مؤيدي العولمة" و"ذوى الميول الوطنية" أو بين "التقدميين" و"المحافظين" بعبارة أخرى) 10 .)

وقد حازت "لوبان" نسباً مهمة جداً في الأقاليم ذات الطابع الريفي أو شبه الحضاري مثل فوكلوز بنسبة تصل إلى 30،% بينما حاز "ماكرون" أعلى نسب له في أكبر وأشهر المدن الفرنسية، حيث فاز في باريس العاصمة بنسبة 34.83%، وفي بوردو بنسبة 31.26%، وأخيراً في نانت بنسبة 30.83% من الأصوات في الجولة الأولى)11.)

ثالثاً: ال�سيا�سات الداخلية والخارجية المتوقعة

كشفت نتائج الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة الفرنسية التي أُعلنت في )7 مايو 2017( عن فوز إيمانويل ماكرون بالانتخابات الرئاسية، بحصوله على حوالي 66.1% من الأصوات، مقابل حصول ماري لوبان على 33.9% من إجمالي عدد الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم، وعلى الرغم من خسارة لوبان، فإن التيار اليمني المتطرف قد حقق أعلى إنجاز في تاريخه بتمكنه من التأهل للجولة الثانية للانتخابات والحصول أصوات ما لا يقل عن 10.5 مليون مواطن فرنسي.

وتتوقف فاعلية دور ماكرون عقب انتخابه على نتائج الانتخابات التشريعية الفرنسية، حيث ترجح بعض المصادر حصول حزبي الحكومة التقليديين “الحزب الاشتراكي”، و“حزب الجمهوريين” على نسبة مهمة من مقاعد البرلمان نظراً لحداثة عهد كوادر حزب "إلى الأمام"، وفي حال دخول حزب الجبهة الوطنية في تحالفات مع الأحزاب اليمينية التقليدية فقد يخصم ذلك بلا شك من رصيد

الجمهوريين، ويزيد من أسهم اليمين المتطرف.

ويركز البرنامج السياسي للرئيس الجديد على معالجة مشكلات متفاقمة عجز سلفه فرنسوا هولاند عن حلها بعد أن تفاقمت في عهده. ولذا، يُتوقع أن يركز الرئيس الجديد خلال أول عام له على الإصلاحات الاقتصادية العاجلة من قبيل: تخفيض الإنفاق الحكومي بإلغاء 120 ألف وظيفة حكومية، وضبط الإيرادات والنفقات العامة ليصل فائض الموازنة إلى 60 مليار يورو بحلول عام 2022، وتخفيض نسبة البطالة إلى أقل من 12(% 7.)

وسيركز الرئيس الجديد على التعامل مع الانقسام المجتمعي من خلال دعم الحراك الثقافي والتعليمي بما يتوافق مع شعار رفعه ماكرون بعنوان "تهذيب الحياة العامة"، حيث يكون كل من التعليم والثقافة عنصر حسم في مواجهة الإرهاب والتطرف.

وفي السياق ذاته فإن إعلان ماكرون تركيزه على الإصلاح الإداري سوف يؤدي لتكتل الأحزاب التقليدية ضده، خاصة بعد إعلانه عزمه على إلغاء نظام تمديد العمل بالوظائف الحكومية لمن بلغوا سن التقاعد، والجمع بين الوظيفة الاستشارية والوظيفة التشريعية لأعضاء البرلمان، وذلك من أجل خلق فرص عمل جديدة دون زيادة في مخصصات الرواتب.

وعلى مستوى السياسة الخارجية، يطمح ماكرون في طرح ما يُسمى "الاتفاقات الديمقراطية" على مستوى الاتحاد الأوروبي بداية من العام الحالي، رغبة منه في تشجيع دول الاتحاد على مزيد من الشفافية، إلا أن اهتمامه الأكبر ينصب على الجانب الاقتصادي والسياسات الإنكماشية للاتحاد الأوروبي، والتي دفعت المملكة المتحدة للخروج من الاتحاد. ويرى ماكرون ضرورة وجود ميزانية موحدة لمنطقة اليورو، وخلق منصب وزير الاقتصاد والمالية الأوروبي الذي ينسق بين اقتصادات الدول الأعضاء. ويمارس هذا الأخير عمله تحت رقابة البرلمان الأوروبي الذي يضم ممثلين من كل الدول الأعضاء.

كما ستزيد قوة العلاقات الفرنسية – الأمريكية بسبب تقارب توجهات ماكرون مع إدارة ترامب، لا سيما تجاه الأزمة السورية والحرب على الإرهاب. وسيؤسس ماكرون خلية استخباراتية دائمة تختص بأمور التنظيم والتحري عن كوادر تنظيم "داعش" وتتبع مباشرة رئيس الجمهورية، وذلك ضمن إجراءات إضافية لمحاربة "داعش".

وعلى مستوى العلاقات الروسية – الفرنسية، فمن المتوقع أن يتبنى ماكرون نهجاً متشدداً تجاه موسكو، حيث حذر روسيا من استمرار سياساتها العدوانية في أوروبا، وأشار لضرورة الاستمرار في تطبيق عقوبات اقتصادية على روسيا طالما لم يتوقف التدخل الروسي في أوكرانيا.

ويعارض ماكرون الاقتراحات المنادية بتوسيع عضوية مجلس الأمن، ومنح حق النقض )الفيتو( لدول صاعدة "كالهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا"، وفي المقابل فإنه يؤيد حل الدولتين الذي تعارضه حتى الآن السلطات الإسرائيلية، إلا أنه يتجنب الصدام مع إسرائيل)13.)

ختاماً، من المتوقع أن يركز الرئيس الفرنسي على القضايا الداخلية الاقتصادية، ومواجهة القيود الحزبية والانقسامات المجتمعية المتصاعدة، وتربص الأحزاب التقليدية بحكومته، وسيضطر الرئيس للانتظار حتى انعقاد الانتخابات التشريعية الفرنسية في يونيو 2017 كي يتمكن من تحديد نطاق صلاحياته في مواجهة مجلس الوزراء والسلطة التشريعية التي قد تنتمي الأغلبية بها للأحزاب التقليدية مما يزيد من التحديات التي يواجهها ماكرون.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.