أفريقيا الصاعدة: بين تحدي التنمية والهيمنة الجديدة

لم تعد الصورة النمطية التي كانت سائدة عن أفريقيا تنطبق عليها اليوم، خاصة انتشار الحروب الأهلية، وأزمات الغداء والأمراض المستعصية، وإنما باتت هناك جوانب أخرى تُطرح بصورة كثيفة عن أفريقيا. هذه الجوانب تدعو للتفاؤل بمستقبل القارة الأفريقية، وتشير بقوة إلى أن

Trending Events - - كيف يفكر العالم الثاني؟ - سعيدة محمد عمر باحثة في الشؤون الأفريقية من جيبوتي

أولاً: النمو المتسارع في أفريقيا

ووفقاً لبيانات صندوق النقد الدولي فإن سبعة من الاقتصادات العشرة الأكثر نمواً تقع في أفريقيا جنوب الصحراء، وذلك في الوقت الذي تحاول فيه الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا التعافي من آثار الأزمة الاقتصادية، بينما تعاني دول أوروبية أخرى مثل اليونان وإسبانيا من أزمات اقتصادية ومعدلات بطالة مرتفعة.

وقد ارتفعت معدلات النمو الاقتصادي في أفريقيا جنوب الصحراء بنحو 4.7% عام 2013، ومن المتوقع أن يرتفع النمو إلى 5.2% مع نهاية العام الحالي، ويعزز أداء الاقتصاد الأفريقي زيادة الاستثمارات في الموارد الطبيعية والبنية التحتية بشكل عام. ويدعم هذا النمو بشكل متنام في الدول الغنية بالموارد بما في ذلك سيراليون وجمهورية الكونغو الديمقراطية وغينيا الاستوائية، بالإضافة لتحسن ملحوظ في اقتصاد مالي، مع عودة الاستقرار السياسي والأمني لها. وقد أعلنت نيجريا في الربع الأول من العام الحالي القيمة الجديدة لناتجها المحلي الإجمالي الذي بلغ نحو 510 مليارات دولار في عام 2013، لتصبح بذلك أكبر اقتصاد أفريقي، متجاوزة جنوب أفريقيا التي سجلت بدورها 370 مليار دولار. وبالإضافة إلى ما سبق، فإن الدول غير الغنية بالموارد الطبيعية، خاصة إثيوبيا ورواندا سجلت نمواً اقتصادياً قوياً عام 2013،

شهدت القارة الأفريقية منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي، عدداً من التحولات السياسية عبرت عنها الأدبيات الأفريقية بالموجة الأفريقية للتحول الديمقراطي، والتي أثرت بشكل أو بآخر على النمو الاقتصاد الأفريقي مع مرور الوقت. وعلى الرغم من أنه لا يمكن الادعاء بأن موجة التحول الديمقراطي هذه، والتي أطاحت العديد من النظم السلطوية، وفتحت المجال أمام التعددية والتداول السلمي للسلطة، قد أنتجت تحولاً حقيقياً نحو الديمقراطية، فإنها في كثير من الأحوال أعادت إنتاج النظم السلطوية السابقة بأشكال مختلفة، ومع ذلك فقد استطاعت النخب الجديدة خلال العقدين الأخيرين أن تحرك الاقتصاد الأفريقي نحو الأمام وتسجل نمواً ملحوظاً لا يمكن تجاهله بأي حال من الأحوال، وهو ما فتح المجال أمام تنافس قوي على القارة بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، في ظل تراجع نفوذ القوى الاستعمارية التقليدية السابقة.

تمتلك أفريقيا نحو 12% من احتياطي النفط العالمي، و40% من احتياطي الذهب وما يقدر بـ 90% من احتياطي البلاتنيوم والكروم، ونحو 60% من الأراضي الصالحة للزراعة، بالإضافة إلى كميات هائلة من الأشجار المنتجة للأخشاب عالية الجودة.

ثانياً: التنافس الصيني – الأمريكي في القارة

وصل الاستثمار الصيني المباشر في أفريقيا عام 2013 إلى 25 مليار دولار، بوجود أكر من 2500 شركة صينية استثمارية في شتى المجالات. ومن خلال هذه الاستثمارات الحيوية بلغت التجارة بين أفريقيا والصين 210 مليارات دولار في العام ذاته

إن النمو المتسارع للاقتصادات الأفريقية خلال العقد الأخير، وتراجع نفوذ الدول الاستعمارية كفرنسا وبريطانيا، أظهرا تنافساً واضحاً بين الصين والولايات المتحدة على الفرص والموارد الموجودة في القارة، ويمثل العامل الاقتصادي أهم دوافع الصين للتفاعل مع أفريقيا، إذ تنظر إلى أفريقيا على أنها عنصر مركزي في مشروع استدامة نمو اقتصاد الصين وتطويره على المدى البعيد، وتدرك الصين نظرة الأفارقة للغرب على أنه مستعمر قديم. وعليه، فإنها تعتمد في سياستها في أفريقيا على مفهوم "القوة الناعمة"، وبناء شراكة اقتصادية استراتيجية، بعيداً عن السياسة، وتجاهل الوضع المتردي للتنمية السياسية في الدول التي تستثمر فيها، وهو ما يرضي في الغالب القيادات الأفريقية.

وقد وصل الاستثمار الصيني المباشر في أفريقيا عام 2013 إلى 25 مليار دولار، بوجود أكثر من 2500 شركة صينية استثمارية في شتى المجالات. ومن خلال هذه الاستثمارات الحيوية بلغت التجارة بين أفريقيا والصين 210 مليارات دولار في العام ذاته. ونظراً لأنه من المتوقع أن يصل تعداد السكان في أفريقيا إلى ملياري نسمة بحلول عام 2050، فإن الصين تعتبر أفريقيا مجالاً حيوياً لنموها الاقتصادي، وذلك من خلال فتح أسواق جديدة لمنتجاتها، وتعزيز قواعد نفوذها الحالية. بالإضافة إلى ذلك تقدم الصين فرصاً تنموية قوية للدول الأفريقية في الوقت الراهن، ففي الشرق الأفريقي تقوم الشركات الصينية ببناء ميناء جديد يرتبط بخط سكة حديد يتم انشاؤه وفقاً للمعايير الحديثة في مجال السكك الحديدية، يربط بين إثيوبيا "الحبيسة" وجيبوتي، للوصول إلى البحر عبر مدينة تجوراء الجيبوتية، وكذلك بدء العمل على إنشاء مشروع مشابه لربط مالي بالموانئ السنغالية بتكلفة تصل إلى 11 مليار دولار.

في المقابل، فإنه لا يخفى على أحد الاهتمام الأمريكي المتزايد بالقارة الأفريقية، حيث ارتبط هذا الاهتمام مؤخراً بثلاثة محاور رئيسية، يتعلق المحور الأول بالموارد الطبيعية، خاصة النفط والغاز، والثاني يتعلق بالاستفادة من الفرص الاستثمارية في ظل حالة النمو التي تشهدها كثير من الاقتصادات الأفريقية، أما المحور الثالث فيرتبط بالحرب على الإرهاب، خاصة في ظل نمو وانتشار الجماعات المتطرفة في أفريقيا.

ولطالما ترددت الشركات الأمريكية في الاستثمار في أفريقيا على الرغم من معدلات النمو المرتفعة، لكنها بدأت الآن تنظر إلى القارة باعتبارها فرصة مهمة لتحقيق الأرباح، وهو ما جعلها تسعى لأخذ قسم من الكعكة التي أصبح الصينيون يهيمنون على الجانب الأكبر منها.

ومن أجل إنقاذ نفوذها وترسيخ دورها في القارة ومجابهة تنامي النفوذ الصيني، جاءت القمة الأمريكية – الأفريقية الأولى

• استمرار تدفق رؤوس الأموال إلى أفريقيا جنوب الصحراء: إذ سجل ارتفاعاً وصل إلى نحو 5.3% من الناتج المحلي الإجمالي الإقليمي في عام 2013، وهو أعلى من متوسط البلدان النامية بنحو 3.9%، كما ارتفع صافي الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI) في المنطقة إلى 16% ليسجل نحو 43 مليار دولار عام 2013، بفضل اكتشافات جديدة للنفط والغاز في العديد من البلدان، بما في ذلك أنجولا وموزامبيق وتنزانيا.

• تباطؤ التضخم في المنطقة: وذلك ارتباطاً بعوامل مثل انخفاض أسعار الغذاء والوقود عالمياً، وتحسن السياسة النقدية للعديد من الدول الأفريقية، فقد كانت معدل الزيادة السنوية نحو 6.3% عام 2013، وذلك مقارنة بعام 2012 الذي وصل التضخم فيه إلى نحو 10.7%، وإن كان هناك بعض البلدان التي مثلت استثناءً في هذا الإطار مثل غانا وملاوي، حيث ارتفع التضخم بسبب خفض قيمة العملات الوطنية. ومن جانب آخر، فقد أثرت سياسة الانفتاح الاقتصادي على النمو في بوركينا فاسو وموزمبيق من خلال سياسات التعدين الجديدة التي اعتمدتها، وخفض الضرائب لجذب المستثمرين الأجانب، في حين تشهد شرق أفريقيا تطورات مهمة متعلقة باكتشافات النفط والغاز الطبيعي في كينيا وأوغندا وتنزانيا.

ويمكن إرجاع تسارع النمو في القارة الأفريقية للأسباب التالية:

• زيادة التحويلات المالية: إلى نحو 6.2% بنحو يقدر بـ 32 مليار دولار في عام 2013، تجاوزاً لـ 30 مليار دولار الذي تم التوصل إليها في عام 2011، وقد ساعدت هذه التدفقات بالإضافة إلى انخفاض أسعار المواد الغذائية على تعزيز الدخل الحقيقي للأسر وزادت من الإنفاق.

• نمو السياحة في أفريقيا: خاصة في عام 2013، بشكل ساهم في دعم ميزان المدفوعات للعديد من الدول في المنطقة، فوفقاً لمنظمة السياحة العالمية التابعة للأمم المتحدة، نمت السياحة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بنسبة تصل إلى 5.2% عام 2013، لتسجل 36 مليون دولار، بالمقارنة بنحو 34 مليون دولار عام 2012، مما مثّل مساهمة في الإيرادات الحكومية، خاصة الدخل، وفرص العمل.

كل هذه العوامل تدعو للتفاؤل بمستقبل القارة الأفريقية، وتشير بقوة إلى أن القارة الأفريقية ربما تكون في بداية انطلاقة اقتصادية قوية تشبه تلك التي اختبرتها الصين منذ نحو 30 سنة، فطبقاً لتوقعات صندوق النقد الدولي ستكون القارة الأفريقية هي الأعلى نمواً خلال السنوات الخمس القادمة.

ثالثاً: التنمية المفقودة

تشير الاحصاءات إلى أن القارة الأفريقية ربما تكون في بداية انطلاقة اقتصادية قوية تشبه تلك التي اختبرتها الصين منذ نحو

30 سنة، فطبقاً لتوقعات صندوق النقد الدولي ستكون القارة الأفريقية هي الأعلى نمواً خلال السنوات الخمس القادمة.

على الرغم من التطورات الاقتصادية المتلاحقة في أفريقيا، فإن ذلك لم يترجم لتنمية اقتصادية واجتماعية حقيقية وحياة أفضل للشعوب الأفريقية، فمازال الفقر مهيمناً، ومعدلات البطالة مرتفعة، والبنية التحتية تعاني حالة من الضعف والتهالك في حين لاتزال قطاعات الصحة والتعليم تعاني تحديات كبيرة، وهو ما يمكن أن يحد من إمكانيات النمو في المستقبل. فنيجيريا صاحبة أكبر اقتصاد في القارة، وذات الـ 170 مليون نسمة، يعيش نحو 64% من سكانها تحت خط الفقر، وتحتل المرتبة 153 من أصل 187 بلداً في مؤشر التنمية البشرية للأمم المتحدة، وكذا المرتبة الـ 144 في مؤشر الشفافية الدولية لعام 2013 الذي يشمل 177 دولة، كما تشغل جنوب أفريقيا التي تعد ثاني أكبر اقتصاد في القارة المرتبة الـ 72.

وقد صدر تقريران في مايو 2013 أحدهما صادر عن البنك الأفريقي للتنمية، بالتعاون مع منظمة النزاهة الدولية الأمريكية، ويتناول فترة ثلاثة عقود كاملة حتى عام 2009، بعنوان "تدفق الأموال غير المشروعة من أفريقيا، موارد التنمية الخفية"، فيما يتناول التقرير الثاني، الصادر عن "لجنة التقدم الأفريقي African Progress Panel " المؤلفة من 10 جهات برئاسة الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان، "الوظائف والعدالة وتطبيق المبادئ: اقتناص الفرص في زمن التحولات العالمية"، وركز التقريران على إهدار الموارد الأفريقية من خلال ممارسات يتصف بعضها بالفساد واستغلال النفوذ بشكل صريح، وبعضها لا في واشنطن في الفترة من الرابع وحتى السادس من أغسطس من 2014، والتي حضرها رؤساء دول وحكومات 51 دولة أفريقية. وقد سيطر الملف الاقتصادي على أجندة القمة، وتحديداً زيادة الاستثمارات الأمريكية في أفريقيا، لذلك كان الحدث الأبرز في القمة إعلان أوباما عن استثمارات أمريكية جديدة في القارة بقيمة 14 مليار دولار في مجالات الطاقة والبناء والنقل والقطاع المصرفي، هذا بالإضافة لتخصيص 7 مليارات دولار لدعم الصادرات الأمريكية لأفريقيا، والتي لا يتعدى حجمها حالياً 1.5% من إجمالي الصادرات الأمريكية في عام 2013، كما أعلن الرئيس الأمريكي عن دعم إدارته لتجديد وتوسيع نطاق قانون الفرص والنمو الأفريقي، الذي يسمح بدخول بعض السلع الأفريقية إلى الأسواق الأمريكية معفاة من الضرائب ولمبادرة دعم الطاقة في أفريقيا، والتي أطلقها أوباما الصيف الماضي لمضاعفة إنتاج الطاقة في بعض الدول الأفريقية. ومن الملفت للنظر في مجريات أعمال هذه القمة، أن الجانب الأمريكي انتهج الأسلوب الصيني في التعامل مع أفريقيا، فأمريكا الداعية لتبني الديمقراطية وتعزيز الحكم الرشيد، فضلت تجاهل هذا الجانب والابتعاد عما يحرج القادة الأفارقة، والاكتفاء بمناقشة الاستثمارات المرتقبة وسبل تهيئة مناخ مشجع للاستثمار. يعد خرقاً للقانون، لكنه يتسبب في تدفق الأموال إلى خارج القارة، ويؤدي إلى ضياع مليارات الدولارات من عوائد الضرائب كان من الممكن أن تساهم في تحقيق التنمية الحقيقية للشعوب.

وعلى الرغم من أنه من المعتاد أن تتركز اتهامات الفساد على القيادات السياسية الأفريقية؛ فإن التقريرين يشيران بوضوح إلى مسؤولية الشركات الغربية وممارساتها عن هذا الهدر في الموارد. وأحدهما يحدد صفقات معينة باسم الشركات المعنية، والوسطاء الذين لعبوا أدواراً في إبرامها، يتزامن ذلك مع اهتمام على المستوى الشعبي بهذه القضية، متمثلاً في إنشاء منظمات أهلية للعمل على كشف الفساد، بالإضافة إلى التحركات الشعبية العفوية. وبالنسبة لتقرير مؤسسة النزاهة الدولية، فقد بلغت قيمة الأموال التي خرجت من الدول الأفريقية خلال العقود الثلاثة السابقة على عام 2009، وفق أكثر التقديرات اعتدالاً نحو 1.4 تريليون دولار، منها نحو 1.2 تريليون مصنفة كأموال غير مشروعة، وبلغ حجم هذه الأموال التي تسربت للخارج نحو 29 مليار دولار سنوياً خلال الفترة التي غطتها الدراسة، من بينها 22 مليار دولار في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء وحدها. وقد تسبب ذلك في خسائر تقدر بنسبة 2% من إجمالي الناتج القومي للقارة الأفريقية في السبعينيات، لتقفز إلى 11% عام 1987، وذلك في أعلى معدل، قبل أن تنخفض إلى 4% خلال حقبة التسعينيات، ثم تعاود الارتفاع إلى ما بين 8% و7% لعامي 2007 و2008 بالترتيب.

وقد بلغ حجم الأموال التي خرجت بشكل غير مشروع في عام 2009 وحده ثلاثة أضعاف إجمالي المساعدات المقدمة للدول الأفريقية، وأشار تقرير البنك الأفريقي للتنمية إلى نتائج وردت في دراسات سابقة تحدد أنه مقابل كل دولار واحد يرد أفريقيا في هيئة مساعدات خارجية، تخسر القارة 10 دولارات في هيئة أموال ومكاسب تغادر البلاد بشكل غير مشروع. ومما سبق، تبرز الحاجة الملحة إلى مكافحة الفساد بأساليب أكثر فعالية، من أجل تحقيق تنمية حقيقية يعتد بها، فالحروب الأهلية في أفريقيا خلال العقود الماضية كانت نتيجة غياب العدالة الاجتماعية، والتوزيع العادل للسلطة والثروة.

وعليه، فإن هذا التناقض في المشهد الأفريقي في الوقت الراهن يثير المخاوف من إمكانية فتح الباب مرة أخرى أمام المزيد من الأزمات السياسية والأمنية في القارة. فالعلاقة بين التنمية الاقتصادية والديمقراطية علاقة تأثير وتأثر، فالحرية السياسية والمساءلة الشعبية للنظم الحاكمة ورقابتها شروط أساسية مسبقة ومساعدة على التنمية الاقتصادية. ولذلك فإن النمو الاقتصادي الأفريقي على الرغم من ارتفاعه قد يكون محدود التأثير ما لم ينعكس إيجاباً على تطور وتنمية الشعوب الأفريقية، ويقترن بإصلاحات سياسية من شأنها أن توجد نظماً ديمقراطية، تضبط التنافس الدولي على موارد القارة، وتعمل على تحقيق تنمية حقيقية ترتكز على العدالة الاجتماعية، وهذا ما ينتظره الأفارقة منذ عقود عدة.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.