عقيدة عسكرية جديدة:

تداعيات متوقعة على العلاقات الروسية - الغربية

Trending Events - - كيف يفكر العالم الثاني؟ -

يمر العالم اليوم بفترة عدم استقرار شديد طالت معظم أنحائه. وبينما دار الحديث في الربع الأخير من القرن الماضي حول عدم جدوى الطرق التقليدية والسياسات القديمة في إدارة العلاقات الدولية وفهمها، وحول مرور العلاقات بين الدول بمرحلة تطور جديدة تراجعت فيه جدوى مفهوم السيادة، إذ بالحديث ينتقل في الوقت الرهن إلى تلك الإشارات الواضحة التي تؤكد عودة أهمية الجغرافيا السياسية للساحة الدولية.

يبدو أن القرن الحادي والعشرين يعود سريعاً إلى ما كان الوضع عليه في القرن التاسع عشر عندما طالبت الدول "غير الرئيسية" في النظام ــ مثل روسيا ــ بحقها في الدفاع عن مصالحها، واعتمدت سياسات خارجية حازمة. وتكشف العقيدة العسكرية الروسية لعام 2010 بوادر تدهور الوضع الأمني الدولي، إذ أوضحت بلغة دبلوماسية حذرة آنذاك أن "أحد أخطر التطورات التي شهدتها الساحة الدولية هو اقتراب حلف شمال الأطلسي (الناتو) من الحدود الروسية، مما يمثل تهديداً لها"، وهو ما دعا الأمين العام للناتو "أندريه فوج راسموسين" إلى إصدار بيان آنذاك أكد فيه على أن "هذه العقيدة الروسية لا تعكس الواقع لأن الناتو ليس عدواً لروسيا".

أولاً: تغيير المشهد والبيئة الأمنية

يمكن ملاحظة أن العقيدة العسكرية السابقة، جاءت في وقت لم تهدد فيه أغلب الأزمات والخلافات بين روسيا والغرب المصالح الروسية الحيوية، باستثناء زحف روسيا نحو جورجيا، ولذا كانت روسيا أكثر مرونة في مفاوضاتها مع شركائها في الناتو. أما اليوم فيبدو أن هناك تهديداً مباشراً للعديد من المصالح الحيوية للبلاد، مثل الاستقرار والتكامل وحتى بقاء روسيا كدولة مستقلة وكقوة عظمى، والأخيرة لا تقل أهميةً بالنسبة لروسيا عن سابقيها.

ولذا من المتوقع أن تأخذ العقيدة القادمة في الحسبان كل التغيرات السلبية التي وقعت في الأعوام الماضية قرب الحدود الروسية والمناطق المجاورة لها. فمع تطور الأزمة الأوكرانية وتصاعد الضغوط من قِبل الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، أصدر مسؤولون روس تصريحات متعددة حول الاحتمالات المختلفة المطروحة لمجابهة الضغوط الغربية، بما في ذلك تعليق نائب رئيس الوزراء ديميتري روجوزين على تحديث القوات النووية الاستراتيجية بالكامل بحلول 2020، والذي جاء في سياق الحديث حول احتمالات تجدد الصراع بين روسيا والغرب.

وقد جاءت لحظة الإعلان عن الحاجة لوضع عقيدة عسكرية جديدة قبل قمة الناتو في ويلز في 4 سبتمبر 2014، في إشارة واضحة من جانب روسيا لأعضاء الناتو إلى تأهب موسكو للرد على أي إجراءات أو قرارات عدائية تصدر من جانب الحلف. فعلى المستوى الرسمي، أعلن نائب رئيس مجلس الأمن الروسي عن أن "العمل مازال جارياً لوضع العقيدة العسكرية الجديدة"، وهو ما يوضح استعداد روسيا للتراجع إذا ما توقف الغرب عن التصعيد.

وبالنظر إلى نتائج قمة الناتو في ويلز، نجد أن هذه الإشارة قد تم أخذها في الاعتبار، فعلى الرغم من تحوّل انتباه قادة المؤتمر عن المشكلات الحقيقية التي يواجهها الحلف في أفغانستان وسوريا والعراق، والتركيز بدلاً من ذلك على مناقشة المشكلة المصطنعة

التي تخص التهديد الروسي، فإنه كان جلياً أن أعضاء الناتو لم يتفقوا، ولم يشأ أغلبهم الخوض في مواجهات لن تؤدي إلى حل، لذا استمر "الميثاق التأسيسي للعلاقات المتبادلة والتعاون والأمن" بين الناتو وروسيا لعام 1997 من دون تغيير، والذي ينص على استبعاد إقامة قواعد عسكرية دائمة قرب الحدود الروسية.

لكن من جهة أخرى، قام الناتو بالإعلان عن تشكيل قوات رد الفعل السريع قوامها 4 آلاف فرد، وهي إن كانت بطبيعة الحال لا تشكل أي تهديد لروسيا، إلا أنها تمثل خطوة أخرى للخلف فيما يتعلق بالشراكة وعلاقات التعاون بين الطرفين، واتجاهاً للتصعيد والمواجهة؛ وبالتالي فهي رسالة واضحة لروسيا مفادها أن الناتو يعتبرها خصماً له، ويوضح هذا كله أنه في ظل تغير الواقع الدولي وتغير موقف الناتو، لم تعد مراجعة العقيدة العسكرية الروسية أمراً مرغوباً فيه فحسب، بل إنه بات ضرورة ملحة.

ثانياً: المضمون المتوقع للعقيدة الجديدة

يتمثل الغرض من التخطيط العسكري عادةً في القدرة على التنبؤ بكل التحديات والتهديدات المحتملة، وحتى غير المحتملة. أما الغرض من العقيدة العسكرية فهو تقديم وثيقة سياسية تحدد المناطق الرئيسية التي تظن القيادة أنها تمثل تهديداً للأمن القومي.

ويتوقع أن تشتمل العقيدة الروسية الجديدة على ثلاث قضايا مركزية، وهي:

1 ـ العلاقات مع الغرب:

من المرجح أن يتم وصف الولايات المتحدة الأمريكية والناتو بصيغة أقل دبلوماسية، باعتبارهما يمثلان تهديداً للأمن القومي الروسي، مما قد يعيدنا إلى فترة المواجهة إبان الحرب الباردة، والأسوأ من ذلك هو أنه حتى أثناء فترة الحرب الباردة، ووقت تدهور العلاقات بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، استمر الحوار بينهما على مختلف المستويات.

أما الأزمة الأخيرة فهي تنبئ بمستوى صراع لم يكن قائماً من قبل، وذلك من خلال عقوبات تستهدف شخصيات بارزة، فضلاً عن تبادل العقوبات الاقتصادية المدمرة بين الطرفين. ويتوقع أن يلعب السلاح النووي دوراً مهماً في هذه العقيدة العسكرية الجديدة، فقد سرت تكهنات بأن تتضمن النسخة الجديدة من الوثيقة إمكانية استخدام السلاح النووي، ليس فقط للرد على أي هجوم باستخدام السلاح النووي، أو غيره من أسلحة الدمار الشامل، ولكن كذلك في مواجهة أي هجوم شامل أو واسع النطاق يتم استخدام الأسلحة التقليدية فيه.

وعلى الرغم من عدم استبعاد إمكانية توجيه "الضربة الاستباقية" في النسخة السابقة من العقيدة العسكرية، فإنه من المتوقع أن يزيد التأكيد واستخدام لغة أوضح، فضلاً عن تعظيم دور الردع النووي في الاستراتيجية العسكرية الروسية.

وإضافة لما سبق، يبدو من المستبعد أن يتم التعاون في مجال نزع السلاح النووي في المستقبل القريب، وقد بات ذلك جلياً بعد تجاهل روسيا اقتراح الرئيس الأمريكي أوباما للحد من السلاح النووي، فقد كانت معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية ـ 3 (START III )، التي تم توقيعها في أبريل 2010، أفضل ما يمكن تحقيقه، على الرغم من أنه لم تؤخذ في الاعتبار كل مخاوف الجانب الروسي، لاسيما إقامة منظومة متعددة الأطراف للرقابة على إطلاق الصواريخ ونظام الدروع المضادة للصواريخ، وفي ظل دخول أنواع جديدة من الأسلحة، مثل الأسلحة فوق الصوتية، والتي تفوقت فيها الولايات المتحدة الأمريكية تفوقاً لا خلاف عليه، فإنه يُعتقد أن أي توصل لإجراءات إضافية أخرى لخفض الأسلحة الاستراتيجية بإمكانه الحد من قدرة روسيا على الردع النووي.

2 ـ استراتيجية العمل في القطب الشمالي:

من المحتمل أيضاً أن تتم تغطية أنشطة روسيا في إقليم القطب الشمالي بشكل موسع في الوثيقة، وهذا لا يعد اعترافاً متأخراً بأهمية هذا الإقليم بالنسبة لروسيا فحسب، إذ لم يُذكر على وجه الخصوص في العقيدة السابقة، بل يُعد أيضاً أساساً ترتكز عليه روسيا لأنشطتها في الإقليم، وذلك في ضوء سباق التسلح في القطب الشمالي، وكذلك في ضوء تصاعد أهميته مؤخراً، إذ أُعتبِر القطب الشمالي كشرق أوسط جديد، ليس فقط لموارده المعدنية الكامنة، ولكن أيضاً لأهميته الجيوسياسية كممر بحري شمالي، مع ذوبان الجليد، وإمكانية خفض مدة السفر بحراً من أوروبا إلى أمريكا الشمالية إلى نحو أسبوعين فقط.

وتشير غالبية المداولات بين الخبراء إلى إمكانية نشوب صراع حاد في القطب الشمالي، وأن يكون مسرحاً للعمليات العسكرية ليس فقط بين روسيا والآخرين، ولكن كذلك بين كندا والدنمارك، إذ تقوم كندا بإجراءات عدائية تجاه الدنمارك من حين لآخر في

القطب الشمالي، فضلاً عن تضارب المصالح بين كندا والولايات المتحدة.

وشهد العام الحالي، تزايد الأنشطة الروسية في القطب الشمالي، ومن ذلك التدريبات العسكرية هناك والتي يُظن أنها الأولى من نوعها على هذا النطاق في الإقليم. وللإنصاف، فإن جميع دول القطب الشمالي، خاصة كندا، قامت بنشر قوات تكتيكية خاصة بها في الإقليم، إلا أن روسيا قد امتازت عن جيرانها بحيازتها أكبر أسطول كاسح للجليد، والذي من المتوقع أن يكتمل بحلول 2015، والمتوقع أن يتيح لروسيا القدرة على نشر أي قوات خاصة في القطب الشمالي، وأي تسهيلات لازمة، ولكن ما يميز الوجود الروسي في القطب الشمالي أنه لا يركز على التعبئة العسكرية وحدها، كما تفعل دول القطب الشمالي الأخرى، ولكنه يركز على التنمية العملية والنظرية للمنطقة.

ويأتي هذا التركيز الروسي على القطب الشمالي وسط توقعات بأن تفتح هذه الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية الكبرى له صراعاً بين الدول من أجل استغلال موارده المتنوعة، ولذا ربما يبدأ مجلس القطب الشمالي خلال الأعوام القليلة المقبلة النقاشات ليس حول قضايا البيئة والأبحاث العلمية فقط، ولكنه سيضطر إلى النقاش حول قضية عسكرة المنطقة ومعالجة الموارد وتوزيعها وطرق التجارة البحرية، لاسيما أن روسيا قد أنشأت في عام 2010 مركزاً لبناء سفن مجهزة للتنقيب عن النفط في سيفردوفينسك، وهي الأولى من نوعها في العالم، إذ تتمكن هذه السفن الروسية من العمل في درجات حرارة تقل عن الخمسين تحت الصفر، وهي مزودة بقوالب معينة لكسر الجليد.

وترى واشنطن أن روسيا تسعى، عسكرياً وفنياً، إلى إحكام سيطرتها على نفط القطب الشمالي، وأنها وضعت استراتيجية متكاملة للوجود العسكري في المنطقة، ولذا ربما جاء الكشف يوم 10 مايو 2014 عن استراتيجية الولايات المتحدة للعام الجديد في منطقة القطب الشمالي، كرد أمريكي على هذا النفوذ الروسي.

3 ـ التصدي لتهديدات غير تقليدية:

من ناحية أخرى، ترى القيادة الروسية، على ضوء التغيرات الحادثة داخل دول بعض مناطق العالم، أنه من الضروري مواجهة التهديدات غير التقليدية وغير المباشرة التي تهدد أمن البلاد؛ إذ يتوقع أن تتضمن العقيدة العسكرية الجديدة التهديدات الناتجة عن احتمال قطع شبكة الإنترنت عن روسيا، سواء من خلال قيام الحكومة الأمريكية بقطع خدمة الإنترنت عن المواقع الناطقة باللغة الروسية (Runet)، أو من خلال تعرض روسيا لهجوم إلكتروني، خصوصاً أن شركة آيكان (ICANN)، المسؤولة عن تسجيل أسماء النطاقات وإدارة عناوين الإنترنت، هي شركة خاصة أسست في الولايات المتحدة الأمريكية، ويقع مقرها في كاليفورنيا، ولا يمكن استبعاد هذه الاحتمالية، بعد المشكلات التي عانتها البنوك التي عاقبتها الولايات المتحدة بقطع خدمة بطاقات الائتمان والتحويلات اللاسلكية عنها، والتي أعقبها قرار فوري بتطوير نظام الدفع في روسيا.

ثالثاً: عواقب العقيدة العسكرية الروسية

في إطار التغيرات والتطورات الجارية ومخاوف المستقبل، نجد أن العقيدة العسكرية الجديدة جاءت في وقتها تماماً، فهي تعكس الوقائع الدولية السلبية والمتغيرة التي تواجهها روسيا، ولكنها تهدف كذلك إلى إعادة هيكلة وإعادة ترتيب أولويات التحديات التي تواجهها البلاد وتسمح بالتعبئة، وتخصيص الموارد اللازمة للاقتصاد السلمي والتنمية الاجتماعية في إطار بيئة دولية آمنة، خاصة في الوقت الذي يكون فيه الإنفاق الملائم على الدفاع لا يهدد رخاء الدولة. وعلى الرغم من أن هذه العقيدة تنطوي على لهجة أكثر حدة وسياسات أكثر حزماً تجاه الغرب، فإنها لا تقصد أن تبدأ بمعاداة الولايات المتحدة الأمريكية، أو الناتو، أو الاتحاد الأوروبي، بل تعكس إدراكاً للحقائق القائمة من وجهة نظر الدولة. فالتخطيط والاستراتيجية العسكرية لا يمكن رؤيتهما بمعزل عن موقف الدولة وما تراه خطراً يهدد بقاءها كدولة سيادية قوية. وفي الأحوال كلها، فإن هذه العقيدة العسكرية لن تكون هي المسؤولة عن إعاقة عودة العلاقات المصلحية بين روسيا والغرب.

وفي هذا الإطار يجب على موسكو ضمان تعميق شراكتها الاستراتيجية مع جيرانها في شرق أوروبا لمواجهة التحديات الأمنية النابعة من الغرب، خاصة فيما يتعلق بسعي حلف الناتو في التوسع شرقاً باتجاه الحدود الروسية، من خلال ضم دول جديدة، وإقامة قواعد عسكرية بها، فضلاً عن تخطيط الولايات المتحدة لنشر الدفاع الصاروخي في أوروبا، خصوصاً في بولندا ورومانيا القريبتين من الحدود مع روسيا، إذ ترى موسكو أن النظام سيقوض الردع النووي الروسي لأنه قد يمكن الغرب أيضاً من إسقاط الصواريخ الروسية. ومن جهة ثانية، فإن نطاق عمل الرادارات ومنظومة الدرع الصاروخية الأميركية تشمل الترسانة النووية لروسيا، مما يهدد الأمن القومي الروسي.

وفي الختام، يمكن القول إن ما زاد الأمر سوءاً في الصراع الروسي – الغربي أنه جاء في الوقت الذي ظهرت فيه تهديدات أخرى على الساحة مثل خطر تنظيم "داعش"، وهو خطر لا غنى فيه للغرب عن التعاون مع روسيا لدرئه، الأمر الذي يؤكد وجود مجالات تستلزم من الجانبين التعاون فيها لمواجهة التحديات الأمنية التي تفرضها، الأمر الذي يثير تساؤلاً مشروعاً وهو: كم سيخسر كل من روسيا والغرب حتى يتفهما هذه الحقيقة؟

يتوقـــع أن يلعـــب الســـلاح النـــووي دوراً مهمـــاً في العقيـــدة العســـكرية الروســـية الجديـــدة، فقد ســـرت تكهنات بـــأن تتضمن النســـخة الجديـــدة مـــن الوثيقـــة إمكانية اســـتخدام السلاح النووي، ليـــس فقط للـــرد علـــى أي هجوم باســـتخدام الســـلاح النـــووي، أو غيره من أســـلحة الدمار الشامل، ولكـــن كذلـــك في مواجهـــة أي هجـــوم شـــامل أو واســـع النطاق يتم استخدام الأســـلحة التقليدية فيه .

فيكتوريا بانوفا

أستاذ مشارك، قسم العلاقات الدولية والسياسة الخارجية لروسيا، معهد موسكو الحكومي للعلاقات

الدولية

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.