الواقعية:

محاولات تسيير أعمال منطقة الشرق الأوسط

Trending Events - - الافــتــتـــــــاحــيــة -

" الواقعيـة" مصطلـح ذو مائـة وجـه، 90 فـي المائـة منهـا جيـد، والــ 10 فـي المائـة الأخـرى تخضـع للنقـاش، ويمثـل كل ذلــك إطــاراً للتفكيــر يمكــن ملاحظــة ملامــح صارمــة لــه فــي مدرســة مــن مــدارس التفكيــر فــي العلــوم السياســية ودراســات الأمــن، هــي "المدرســة الواقعيــة" التــي توجــه العقــول – فــي صورتهـا التقليديـة - إلـى ضـرورة التركيـز علـى أهميـة الدولـة ودوافــع المصلحــة وتأثيــرات القــوة فــي فهــم مــا يــدور، ولــم تتمكــن النظريــات التاليــة مــن "طرحهــا أرضــاً"، علــى الرغــم مــن الانتقــادات الحــادة لتلــك الطريقــة فــي التحليــل، بــل يبــدو فــي الوقــت الحالــي.

وبعيــداً عــن "الأكاديميــا"، تســيطر قواعــد تفكيــر كثيــرة، ذات توجــه واقعـي علـى النقـاش العـام، فـي مقـالات الـرأي بالصحــف اليوميــة وبرامــج الحــوارات فــي القنــوات الفضائيـة، تحـاول إعـادة اكتشـاف تعبيـرات مثـل "فـن الممكن" أو "الحلول الوسـط" أو المسـاحات الرماديــة، أو التعايــش مــع المشــاكل. كمــا يبــدو فــي عالــم السياســة بوضــوح شــديد أن احتمــالات الحـرب تتحـول إلـى صفقـة تفاهمـات، أو الإقـرار بأمـر واقـع، كمـا يتـم التراجـع عـن توجهـات وقـرارات بـدت وكأنهـا اسـتراتيجية ولا بديـل لهـا، باسـتثناء عالـم التواصـل الاجتماعي، الـذي لاتـزال تحكمـه قواعـد خاصـة تسـتعصي علـى الواقعيـة.

ببسـاطة شـديدة، فـإن كل الأطـراف الفاعلـة أو العاقلـة فـي الإقليـم، قـد اتجهـت نحـو تبنـي أفـكار أو توجهـات أو سياسـات تتفاعــل بشــكل شــديد "البرجماتيــة" مــع مــا يــدور حولهــا، مسـتبعدة كل فكـرة متسـلطة أو جامـدة أو حتـى "تاريخيـة"، ولـو مؤقتــاً، لكــي تتمكــن مــن تســيير أوضــاع الإقليــم فــي المرحلــة الحاليــة، مــن دون صدامــات غيــر ضروريــة، يمكــن أن يتــم الانــزلاق إليهــا مــن دون قصــد، للتخلــص علــى الأقــل، مــن تيـارات ظلاميـة أو متوحشـة تـكاد تطيـح بمـا بقـي مـن الإقليـم، مهــددة بقــاء وهويــة دول المنطقــة، بشــكل لــم يســبق لــه مثيــل منـذ اجتيـاح التتـار لهـا، بدايـة مـن فـارس وبغـداد والشـام وحتـى أبــواب القاهــرة. وبالطبــع لا تســير الأمــور بتلــك الصــورة، فهنـاك تعقيـدات حـادة، وقـد وجـد دائمـاً مـن يتعـاون مـع التتـار، لكــن البقــاء أصبــح اســم لعبــة أمــم الشــرق الأوســط حاليــاً.

إن الملامــح العامــة لتوجهــات الأطــراف المؤثــرة علــى شــؤون الإقليــم فــي المرحلــة الراهنــة تشــير إلــى وجــود

"واقعيــة جديــدة"، يبــدو معهــا أن الجميــع – باســتثناءات محـدودة - قـد قـرروا مـرة واحـدة أن يتفاعلـوا بمرونـة شـديدة،

مــع مــا يجــري، مــع تجاهــل مؤقــت للخلفيــات التاريخيــة أو المشـاكل المذهبيـة أو الحساسـيات الشـخصية لكـي يتـم التمكـن مــن تســيير أعمــال الإقليــم، بهــدف وقــف التدهــور حتــى لا تصـل المنطقـة إلـى حافـة الانهيـار، حتـى لـو وصـل ذلـك إلـى تفاهمــات كانــت تبــدو – منــذ فتــرة قصيــرة – غيــر محتملــة، أو سياسـات حـادة لـم يكـن مـن المتصـور، فـي ظـل التعقيـدات الحاليـة، أنهـا ممكنـة، مـع القابليـة للتفكيـر فـي تنـازلات أو دفـع

ثمـن مـا، وهنـا توجـد مؤشـرات تتعلـق بالطريقـة التـي تتفاعـل بهــا الــدول مــع بعضهــا البعــض حاليــاً، منهــا مــا يلــي:

1- إن هنــاك إعــادة اعتبــار واضحــة للكيانــات الكبيــرة

المنظمــة الموحــدة التــي تســمى "الــدول"، فقــد وضــح أولاً أن انهيــار أي دولــة أو فشــلها فــي أداء مهامهــا، يضــع الشــعب والأرض والحكومــة والســيادة – وهــي مــا اصطلــح علــى أنهــا مكونــات الدولــة – علــى حافــة المجهــول الــذي يتضمــن ســيناريوهات شــديدة الســوء، مثــل انهيــار الحكومــات المركزيــة والفوضــى داخــل العواصــم، وتقســيم أراضــي الدولــة، وإثــارة المشــاعر المذهبيـة، ولجـوء السـكان إلى الـدول المجاورة، وانتشـار العــدوى فــي المناطــق القريبــة. وعلــى الرغــم مــن أن الدولـة وحدهـا لـم تعـد الفاعـل الوحيـد فـي إدارة الشـؤون الداخليــة والعلاقــات الإقليميــة، فــإن مــا قــام بــه "الفاعلــون مــا دون الــدول" خــلال الفتــرة الماضيــة، أثبــت أن الــدول "إذا توحـدت داخليـاً" هـي الفاعـل الأقـوى فـي تحديـد مصيـر نفسـها وتفاعـلات الإقليـم، وأن دولـة موحـدة بنظـام سـيئ أقـل خطـورة مــن دولــة منهــارة أو فاشــلة تتحــول إلــى بــركان يلقــي بالحمــم فــي كل اتجــاه. وهــي فكــرة واقعيــة بامتيــاز.

2- إن الأطــر التقليديــة لإدارة العلاقــات الإقليميــة قــد

بــدأت تشــهد إعــادة نظــر، ففكــرة أن هنــاك دولــة يمكــن أن توصـف إلـى الأبـد بأنهـا "عـدو" لأسـباب أيديولوجيـة أصبحـت معرقلـة لتسـيير أعمـال الإقليـم، لـذا احتلـت "البرجماتيـة" موقـع "الأيديولوجيــة" ولــو مؤقتــاً، وتــم كبــح التوجهــات الشــخصية أو الميـول النفسـية أو الحسـابات الخاصـة مـن جانـب البعـض. كمــا وضــح أن هنــاك حــدوداً لسياســات الاحتــواء والعقوبــات فـي مواجهـة الـدول الشـقيقة أو الكبيـرة، إلا علـى مـدى أطـول وبثمــن أكبــر ممــا يتصــور، وبالتالــي ظهــرت توجهــات تتعلــق بمــا يمكــن أن يســمى "النــوم مــع العــدو"، بحيــث يتــم التفاعــل معـه والتحسـب لأعمالـه فـي نفـس الوقـت، ويمكـن لأي تحليـل بســيط لمواقــف دول المنطقــة تجــاه الحــرب ضــد "داعــش" أن يكشـف عـن تعقيـدات لا نهايـة لهـا، بشـأن الطريقـة التـي تـدار

بهــا أعمــال الإقليــم حاليــاً. 3- (وهــيالفكــرةالمكملــة)فــإنالتراجــععمــا يعتقــد أنــه "ثوابــت" وارد فــي كل الأحــوال، فهنــاك قــرارات بشـن حـروب تـم التراجـع عنهـا وقـرارات بعـدم الخـوض فـي حـروب تمـت إعـادة التفكيـر فيهـا، وقـرارات بتأديـب "أطـراف شـريرة" تـم التريـث فـي التصعيـد فيهـا، ولـم يكـن الأمـر فـي كل الأحـوال يرتبـط بالخشـية مـن نتائـج التصعيـد، وإنمـا باعتبـارات تتعلــق بأنــه لــم يكــن هنــاك خيــار آخــر ســوى التصعيــد، الــذي يــؤدي إلــى نتائــج غيــر محســوبة للطرفيــن، خاصــة إذا كان الطــرف الآخــر– بفعــل تركيبتــه الداخليــة – غيــر قــادر علــى الســيطرة، فــدول الإقليــم لا تهــدف حاليــاً إلــى الســيطرة علــى ســلوكها فقــط وإنمــا الســيطرة علــى ســلوك الطــرف الآخــر أيضــاً، وبالتالــي ظهــرت قاعــدة وهــي أنــه يجــب أن تكــون هنـاك حـدود للتصعيـد حتـى لا يضـار الطرفـان معـاً، لـذا بـدأت التفاهمــات، لكنهــا ليســت مفتوحــة أو "دون شــروط".

هنـاك نوعيـة أخـرى مـن المؤشـرات التـي تتعلـق بالطريقـة التــي تتصــرف بهــا الــدول فــي مواجهــة مصــادر تهديــد أمــن الإقليـم، منهـا مـا يلـي: 1- إن معظـم الـدول أصبحـت تعتقـد أنهـا لا يمكـن أن تظـل "ســاكنة" تجــاه مــا يــدور فــي المنطقــة، فمــا كان يســمى Do Nothing لــم يعــد خيــاراً مطروحــاً علــى قائمــة اختيــارات دول المنطقـة، فـي مواجهـة تهديـدات ومخاطـر لـم تعـد تفصلهـا سـوى مئـات الكيلومتـرات عـن معظـم الـدول. وبالطبـع يمكن أن يكـون هنـاك مـن يأمـل فـي أن لا تصـل المشـكلات إلـى حـدوده، أو أن يحلــم بــأن لا يواجــه موقفــاً كالــذي تواجهــه دول أخــرى شــقيقة أو قريبــة، أو أن تكــون لديــه مواريــث مــن حســن النيــة التـي تتيـح لـه تخيـل أنـه قـادر علـى التعامـل مـع الموقـف عندمـا يواجهــه، أو أن يقــرر أن لا ينضــم إلــى "جماعــة المواجهــة" مكتفيــاً بالمســاندة، حتــى لا تنتبــه لــه مصــادر التهديــد القريبــة مـن حـدوده، لكـن بصفـة عامـة أصبحـت "اسـتراتيجيات العمـل" سـمة سـائدة فـي المنطقـة.

2- إن كثيــراً مــن دول المنطقــة أصبــح يــدرك بوضــوح أن مسـألة اسـتخدام القـوة، لا منـاص منهـا، فـي أحـوال محـددة، فالجيــوش أصــلاً قــد شــكلت لتحــارب، والأســلحة قــد وجــدت لتسـتخدم وقـت الضـرورة، وهنـا أطـراف مناوئـة لا تحـاول فقـط ردع الجميــع، وإنمــا بــث الرعــب فــي قلوبهــم، ولا يوجــد حــل ســوى بــث الرعــب فــي قلوبهــا هــي نفســها. فقــد ظهــرت فــي المنطقـة جماعـات لا تجـد مشـكلة فـي اقتحـام العواصـم أو فصـل الـرؤوس أو تدميـر أبـراج الكهربـاء ولـو تمكنـت مـن القيـام بمـا هـو أسـوأ لفعلـت، ولا يبـدو أنـه يمكـن الاتصـال أو التفـاوض أو التفاهـم معهـا، فهـي تتعامـل مـع العالـم علـى أنـه يضـم داريـن؛ دار للكفــار الذيــن يجــب أن يســتباحوا ويقتلــوا ويأســروا ويتــم بيعهـم فـي سـوق العبيـد، ودار للإسـلام الـذي يبـدو أكثـر دمويـة ممـا يمكـن أن تفسـر بـه أي نصـوص إيمانيـة، وهنـا تحسـم القـوة الموقـف، فإمـا أن يسـتفيقوا أو يموتـوا.

3- إن معظــم أطــراف المنطقــة قــد تيقــن مــن أن مســألة التحالفــات أو الائتلافــات أو التفاهمــات تمثــل مســألة أساســية فـي المرحلـة الحاليـة، فــلا يوجــد طــرف واحــد علــى اســتعداد لخـوض حـرب إقليميـة كبـرى وحـده، ولا توجـد ضـرورة لذلـك أيضــاً، خاصــة أن مصــادر التهديــد الحاليــة فــي المنطقــة هــي بطبيعتهـا عابـرة للحـدود، وعابـرة للأقاليـم، وبالتالـي أصبحـت التحالفــات مســألة أساســية، ســواء تــم التعبيــر عنهــا بمصطلــح دول الجــوار، التــي تضــم أطرافــاً تؤثــر عليهــا أوضــاع دولــة ملاصقــة، أو ائتلافــات الراغبيــن، التــي تؤثــر علــى مصالحهــم تهديــدات تتجــاوز فــي خطورتهــا حجــم المشــاكل المتراكمــة بيــن أطرافهــا. وعلــى الرغــم مــن أن تشــكيل التحالفــات ليــس مســألة ســهلة، فهنــاك مشــكلات الأهــداف والقيــادة والتمويــل والعمليــات و"الاســتئذان"، وغيرهــا، فــإن التحالفــات أصبحــت مســألة أساســية.

فــي إطــار كل ذلــك، فــإن فكــرة النصــر والهزيمــة قــد تقدمــت أو تعقــدت بصــورة تمثــل إنجــازاً حقيقيــاً للتفكيــر الاسـتراتيجي فـي منطقـة الشـرق الأوسـط، فبعيـداً عـن الأفـكار الرومانيـة القديمـة التـي أشـار فـي إطارهـا قائـد أحـد الجيـوش إلـى "أن انتصـاراً آخـر قـد يدمـر جيشـه" بفعـل حجـم الخسـائر البشـرية التـي تكبدهـا فـي معركة انتهـت بانتصاره، تـدرك معظم الـدول حاليـاً أنـه فـي صراعـات المنطقـة لـم يعـد هنـاك نصـر ســاحق أو هزيمــة فادحــة، وإنمــا مســتويات مــن الانتصــارات والهزائـم فـي الحقيقيـة، فـي مباريـات أو معـارك طويلـة المـدى، تسـتخدم فيهـا كل أدوات القـوة، وهـي مسـألة لا يوجـد حـل لهـا، فـكل طـرف يقـرر مـا يجـب أن يقـوم بـه، محـاولاً تحقيـق أهدافـه بالتــوازي مــع تقليــص خســائره، ومصارحــة شــعبه، بأنــه فــي حالــة حــرب مزمنــة، وقــد تصبــح مؤلمــة، لكــن لا يوجــد مفــر مـن خوضهـا، ولـن توجـد احتفـالات فـي نهايتهـا.

وهكــذا، فــإن هنــاك ملامــح واقعيــة جديــدة فــي منطقــة الشــرق الأوســط أدت إلــى توجهــات عمليــة فــي التعامــل مــع الأطــراف الأخــرى المجــاورة أو غيــر المجــاورة، وقــادت إلــى تحــولات حقيقيــة فــي نمــط العلاقــات والتحالفــات (أو فــي الحقيقـة الائتلافـات) بيـن أطـراف الإقليـم، وبينهـا وبيـن الـدول الكبـرى فـي العالـم، فـي ظـل هـدف مشـترك هـو مواجهـة قـوى عاتيــة تهــدد أمــن ومصالــح شــعوب الإقليــم.

وتتمثــل المشــكلة هنــا فــي أن التاريــخ يعيــد نفســه، علــى الرغــم مــن أن ذلــك لا يحــدث كثيــراً، فخــلال الحــرب العالميــة الثانيــة، كان الحلفــاء يعملــون معــاً – علــى الرغــم مــن تناقضاتهــم الحــادة – لتصفيــة الخطــر "النــازي" الــذي يهــدد الجميــع، فــي الوقــت نفســه الــذي يفكــرون فيــه فــي توازنــات مــا بعــد الحــرب، فالخطــر العاجــل لــم يمنــع أحــد مــن التفكيــر فــي الخرائــط التاليــة، وهــذه هــي قضيــة الشــرق الاوســط فــي المرحلــة الحاليــة، حتــى إشــعار آخــر.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.