التحالفات "القطاعية":

تحالفات "الضرورة" حول القضية الواحدة في الشرق الأوسط أحمد عاطف

Trending Events - - الافتتاحية - باحث متخصص في العلاقات الدولية والشؤون العربية

كشفت التطورات الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط، عن أن ثمة تغيراً في نمط التحالفات السائدة بالإقليم، من حيث طبيعتها ومدتها الزمنية، على نحو أدى إلى ظهور ما يسمى بالتحالفات ”القطاعية“أو تحالفات ”القضية الواحدة“.

تعد التحالفات ظاهرة حتمية تقتضيها طبيعة البيئة الدولية والإقليمية القائمة على تعدُّد القوى المؤثرة، ومن ثم تنوع سياساتها وأهدافها، وإذا كانت التحالفات لها عدد من الإيجابيات المتمثلة في الحد أحياناً من طموح بعض الدول في التوسع على حساب دول أخرى، بيد أن هناك من يرى أنها من أبرز مسببات عدم الاستقرار الدولي والإقليمي، إذ إنها تزيد من شعور الدولة بالخطر وعدم الأمان، كما أنها تؤدي إلى زيادة حدة التوتر بين الدول.

اأولً: التحالفات بين الدول.. اأنواعها ودوافعها

يمكن اعتبار التحالف بمنزلة "اتفاق بين دولتين أو أكثر على تدابير معينة، ولحماية أعضائه من قوةِ أخرى، وتبدو هذه القوة مُهدِدة لأمن كل من هؤلاء الأعضاء". وثمة أنواع عديدة من هذه التحالفات حسب معيار تصنيفها، كما أن لها أهدافاً ودوافع متنوعة، يمكن توضيحها كالتالي: 1- دوافع ومبررات التحالفات: تقوم السياسات الخارجية للدول إما على الحياد وعدم الانحياز، أو العزلة، أو التحالف. وفي هذا الصدد، فإن الدول تلجأ إلى "سياسة التحالف" استجابةً إلى بعض المقتضيات أو الضرورات، ففي كتابه "أصول التحالف"، يقول "ستيفن والتز" إن الدول تتحالف، إما لتوازن خطراً يهددها جميعاً أو تتحالف مع الدولة الأقوى ، وبشكل عام، فإن سياسة التحالف تنشأ لوجود عدة دوافع تُساهم في قيام هذه التحالفات، ومن أبرزها، ردع الأعداء والسعي إلى زيادة القوة. 2- أنواع التحالفات بين الدول: تتعدد التصنيفات الخاصة بالتحالفات بين الدول حسب المعايير المستخدمة في هذه التصنيفات، ومن أهمها : أ- من حيث قانونية التحالف: ثمة "تحالفات رسمية"، وهي تستند إلى معاهدات يتحمل الحلفاء بمقتضاها التزامات قانونية صريحة فيما يتعلق بموضوع التعاون، ومن ناحية أخرى، قد تكون "التحالفات غير رسمية"، بمعنى أنها لا تتطلب تعهداً رسمياً يقوم على وجود تنسيق بين عمليات صنع القرار. وعادةً ما تلجأ الدول الكبرى إلى التحالفات غير الرسمية، تجنباً لاندفاع الدول الصغرى إلى الاعتماد عليها، أما الدول الصغرى فتفضل إبرام التحالفات الرسمية. ب- من حيث عدد الأعضاء:

يمكن التمييز بين

"التحالفات الثنائية" ويُقصد بها تلك التي تقوم بين دولتين فقط، و"التحالفات الجماعية" والتي يزيد أعضاؤها على دولتين. ج- من حيث الهدف من التحالف: فقد تكون هذه التحالفات "دفاعية"، وتنشأ في هذه الحالة بدافع الخوف من خطر مشترك يتهدد الدول المتحالفة، وفي حالات أخرى قد تكون "تحالفات هجومية"، تستهدف الهجوم على دولة معينة أو انتهاج سلوك عدائي نحوها، لذلك غالباً ما يكون هذا النوع من التحالفات سرياً. د- من حيث المدة الزمنية: التحالفات قد تكون "مؤقتة"، وهي "تحالفات الضرورة"، وتكون لها مدة زمنية محدودة تنقضي بانتهاء الهدف الذي أُنشئت من أجله، كما حدث في حرب العراق عام 2003 من تحالف دولي لاحتلال العراق، ثم تقسيم المكتسبات بين أغلب المتحالفين، أو ما يحدث حالياً بشأن التحالف الدولي ضد "داعش"، فهذا النوع من التحالفات أشبة بالتحالفات "القطاعية"، بحيث ترى دولة أو أكثر– قد تكون لها أجندات مختلفة - أن ثمة قضيةً واحدةً تستدعي التحالف بشأنها فقط، وهناك التحالفات "الدائمة" والتي لا يُحدد لها أجل معين أو تاريخ محدد لانقضائها، مثل "حلف شمال الأطلسي" الذي يعمل منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية إلى الآن. ه- من حيث العانية: هناك تحالفات "علنية"، وهي مُعلنة أمام العالم، وأخرى "سرية" أي ذات طبيعة هجومية تتيح للدول الأعضاء الاستفادة من عنصر المفاجأة. و- من حيث البُعد الجغرافي: ثمة تحالفات تنشأ بين الدول المتجاورة جغرافياً، وتكون أقوى من غيرها بسبب عنصر الجوار. ومن ناحية أخرى، هناك تحالفات بين دول متباعدة جغرافياً، ولكن تربطها وحدة الهدف.

ثانياً: تطور التحالفات في ال�سرق الأو�سط

اتسمت منطقة الشرق الأوسط قبل ثورات الربيع العربي بوجود محورين رئيسسين من التحالفات، حسمت معظم بلدان المنطقة خياراتها ضمنهما، وهما طبقاً لما اصطلح على تسميته حينها، "محور الاعتدال" وضم كلاً من (السعودية، الإمارات، الكويت، مصر، الأردن، والسلطة الفلسطينية)، و"محور الممانعة" وشمل كلاً من (إيران، سوريا، حزب اله في لبنان، وحركة حماس في فلسطين)، وغير بعيدٍ عن هذا المحور ظهر "محور بين المحورين" تمثل في تركيا وقطر .

ومع اندلاع ثورات الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا عام 2011، شهدت خريطة التحالفات بمنطقة الشرق الأوسط تحولات جذرية، على نحو أدى إلى بلورة تحالفات "مرنة" بين عدد من دول المنطقة التي وجدت فيما بينها قواسم ومصالح مشتركة لمواجهة تهديدات راهنة أو تحقيق مصالح آنية. ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى 3 مراحل: 1- المرحلة التالية للثورات العربية: عصفت الثورات العربية بالمحاور التي كانت قائمة قبلها، وأدت إلى تفتيتها، فمحور الاعتدال تراجع بسبب التغيير في مصر، وانشغالها بالشأن الداخلي، فضلاً عن تحسن علاقاتها نوعاً ما مع إيران، مما أضعف هذا المحور.

وعلى الجهة المقابلة، كان ما يسمى "محور الممانعة" يواجه تصدعاً بسبب الموقف من الثورة السورية، وقد حدث هذا التصدع على مستويين، أولهما متعلق بعلاقة إيران وسوريا مع حركة حماس التي وقفت إلى جانب المعارضة السورية، مما أدى إلى تراجع الدعم الإيراني لها، والثاني يرتبط بالعلاقة بين سوريا وإيران من جهة، وتركيا من جهة أخرى، بسبب اختلاف مواقف هذه الدول من الأحداث في سوريا، ومن ثم، فقد سقطت مع "الثورات العربية" دعوات التحالف الثلاثية بين دمشق وأنقرة وطهران. 2- مرحلة صعود تيارات الإسام السياسي: مع صعود تيار الإسلام السياسي متمثلاً في جماعة الإخوان المسلمين وأحزابها في كل من مصر وتونس، بدأت تتشكل خريطة جديدة للتحالفات في المنطقة، كالتالي: أ- تحالف يضم (تركيا، قطر، مصر، وتونس) بالإضافة إلى الفاعلين من غير الدول القريبين من جماعة الإخوان، مثل حركة "حماس". ب- تحالف يضم دول مجلس التعاون الخليجي (مع وجود اختاف في التوجهات مع قطر)، بالإضافة إلى الأردن. ج- تحالف يشمل (إيران، سوريا، وحزب اله في لبنان). 3- مرحلة ما بعد ثورة 30 يونيو 2013: كان سقوط الإخوان المسلمين وفشل تجربة حكمهم في مصر بعد ثورة 30 يونيو 2013، بمنزلة "الزلزال" الذي انعكس على التحالفات الإقليمية بالمنطقة، حيث تبلورت خريطة جديدة من هذه التحالفات، وفقاً لما فرضته تطورات الأحداث في المنطقة، وذلك كالتالي: أ- تحالف (2+4) بين دول الخليج (السعودية، الإمارات، الكويت، والبحرين) بالإضافة إلى مصر والأردن، وهو بمنزلة تحالف سني في مواجهة نظيره الشيعي بقيادة إيران، وكذلك تهديدات التنظيمات والجماعات المتطرفة. ب- التحالف بين تركيا وقطر، والفاعلين من غير الدول مثل جماعة الإخوان المسلمين، و"حماس" في قطاع غزة. ج- التحالف بين إيران وتابعيها، وهم النظام العراقي (بدرجة محدودة)، ونظام بشار الأسد في سوريا، وحزب اله في لبنان.

ثالثاً: محددات التحالفات الإقليمية «القطاعية»

لم تعد التحالفات على مستوى إقليم الشرق الأوسط، ثابتة أو جامدة، بل هي تحالفات يمكن تسميتها ب"القطاعية أو المؤقتة"، التي تضم أكثر من دولة يجمعها هدف واحد، بحيث ينقضي هذا النوع من التحالف بتحقيق ذلك الهدف، ولا يعني انضمام دولة ما إلى "تحالف قطاعي" خروجها من تحالفات إقليمية أخرى في ظل احتمالية انضمام الدولة لأكثر من "تحالف" في ذات الوقت، بل ومع حلفاء لديهم أجندات وتوجهات مختلفة،

كما لا يُعبر عن هذا النوع من التحالفات "المؤقتة" بالضرورة أُطر مؤسسية أو تنظيمية خاصة، فهي تحالفات "القضية الواحدة" تفرضها "أحداث وقتية" تمر بها المنطقة، وفي هذا الصدد ثمة محددات تتشكل بناءً عليها خريطة التحالفات "القطاعية" بين دول المنطقة أو الفاعلين من غير الدول فيها، وهو ما يتضح كالتالي: 1- التحولات في دول الثورات العربية: حيث إن سعي مصر لتوطيد استقرارها الداخلي وتحسين أوضاع اقتصادها، قد دفعها للانخراط في التحالفات في مواجهة التهديدات التي تحدق بأمنها القومي سواء من الناحية الغربية (ليبيا) أو الشرقية (سيناء) أو الجنوبية (السودان)، كذلك، تدهورت الأوضاع في اليمن بعد انقلاب الحوثيين على السلطة الشرعية للرئيس عبدربه منصور هادي، وما يمثله ذلك من تهديدات للدول الخليجية وتحديداً السعودية، مما جعلها تفكر في تأسيس "تحالف مؤقت" لمجابهة هذا الخطر الحوثي.

وعلى صعيد الجبهة السورية، تفاقمت الاضطرابات الأمنية والمواجهات المسلحة بين نظام "بشار الأسد" والجماعات المعارضة وكذلك "داعش"، بما يفرض مزيداً من حالة عدم الاستقرار في الإقليم، الأمر الذي يدفع القوى الفعالة للتحرك من أجل تشكيل "تحالف قطاعي" للتعامل مع المعضلة السورية. 2- تمدد التنظيمات الإرهابية: شكل ظهور "داعش" تحدياً ضخماً أمام الدول العربية كافة، على نحو أدى إلى تغيير التركيبة الإقليمية الراهنة، وأسفر عن نوعٍ من "تحالفات الضرورة" التي جعلت الأولويات مختلفة، ولعل الموقف الأمريكي من نظام "بشار الأسد" في سوريا هو خير دليل على ذلك، فقد بدأت واشنطن وغيرها في التعاون مع مؤيدي "الأسد" من أجل مواجهة "داعش" . 3- النفوذ الإيراني المتصاعد: تجاوزت طهران فكرة "الهلال الشيعي"، وباتت مشاريعها الحالية للمنطقة أكبر وأوسع، فنفوذها السياسي والعسكري نقلها إلى تخوم كل من الحدود الإسرائيلية (عبر كل من لبنان وسوريا)، والحدود السعودية (عبر كل من العراق واليمن)، والحدود التركية (عبر كل من العراق وسوريا)، وجعلها تتحكّم أيضاً في حركة السفن في مضيق "هرمز" الاستراتيجي (بحكم موقعها الجغرافي)، وفي مضيق "باب المندب" (بحكم نفوذها في اليمن) الذي يُعتبر المدخل الجنوبي للبحر الأحمر ، كما تسعى طهران أيضاً إلى تطوير ترساناتها النووية، بما يثير مخاوف دول الإقليم، وقد دفع هذا الانتشار الإيراني المتصاعد في المنطقة، أكثر من طرف إقليمي نحو تشكيل تحالفات جديدة لمواجهة هذا المد الشيعي. 4- تغير هياكل السلطة: شهدت بعض القوى الإقليمية تغيراً في المؤسسات الحاكمة بها، مما انعكس على السياسات الخارجية لهذه الدول، ومن ثم على خريطة التحالفات المحتملة بالمنطقة، ومن الأمثلة البارزة على ذلك، ما حدث في إيران بعد وصول الإصلاحي "حسن روحاني" إلى سدة الحكم على إثر نجاحه في الانتخابات الرئاسية عام 2013، وهو ما يُعد بمنزلة "انتصار للاعتدال على التطرف"، على أساس أن حكومة "روحاني" قد تبتعد على نهج "التشدد" الذي اتبعه سلفه "أحمدي نجاد" في العديد من القضايا، وفي مقدمتها الملف النووي، والوضع في العراق وسوريا، وهو ما يعني احتمالية إبرام طهران صفقة مع واشنطن تحقق رغبات البلدين في عدد من الملفات الشائكة.

وثمة مثال آخر في هذا الصدد، يتعلق بالتغيرات الداخلية التي أجراها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ملك المملكة العربية السعودية على هياكل السلطة بعد رحيل شقيقه الملك عبدالله، وانعكاسات ذلك المحتملة على خريطة التحالفات الإقليمية في المنطقة، في ضوء بعض المؤشرات على وجود رغبة سعودية في تقديم أولوية "مواجهة الخطر الإيراني" على ما عداها، مما يعني ترتيباً جديداً للتحالفات يهدف إلى حشد "الكتلة السنية" الأوسع في المنطقة (السعودية، تركيا، ومصر) في مواجهة محور النفوذ الإيراني.

رابعاً: نماذج من «التحالفات القطاعية» في المنطقة

في ضوء المعطيات والمحددات السابقة، يظهر على الساحة الإقليمية عدد من التحالفات بين بعض دول المنطقة، والتي تنطبق عليها معايير "التحالفات القطاعية" بالمعني السابق توضيحه، كما تظهر في الأفق ملامح تحالفات جديدة محتملة من هذا النوع. وتتحدد خريطة تلك التحالفات، كالتالي: 1- تحالف إقليمي – دولي في مواجهة "داعش": ثمة شبه إجماع دولي وإقليمي على التهديدات التي يشكلها تنظيم "داعش"، وعلى الرغم من تباين توجهات السياسة الخارجية للعديد من دول الإقليم والقوى الدولية المتضمنة في التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة لمحاربة "داعش"، فإن هذه الدول رأت أن أمنها القومي ومصلحتها في هذا الملف تُحتم عليها أن تنحي خلافاتها في أي قضايا أخرى جانباً ولو لفترة مؤقتة، حتى تتخلص من الكابوس "الداعشي"، فعلى سبيل المثال، رأت القوى الدولية أنه يمكن أن تتحالف مع "بشار الأسد" لقتال "داعش". 2- تحالف خليجي مع مصر والأردن والجزائر والمغرب: إذ يسعى تحالف (2+4) المشار إليه سابقاً إلى توسيع قاعدته، وضم دول أخرى ذات مصالح مشتركة معه، مثل الجزائر والمغرب، على الرغم من الخلافات بين البلدين على خلفية مشكلة الصحراء الغربية، ومع ذلك، فإن مصلحة الدولتين في بعض الملفات الحيوية - مثل الوضع في ليبيا - تدفعهما إلى الانضمام للتحالف، خاصةً في ضوء مساعي الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي خلال الفترة الماضية إلى التنسيق مع دول هذا المحور من أجل سرعة تشكيل قوة عسكرية مشتركة ضد الإرهاب والتطرف، والتعاون في مختلف المجالات العسكرية، بما يضمن أمن الخليج ضد المخاطر الإيرانية والانفلات في اليمن، وكذلك مواجهة الخطر "الداعشي" والتنظيمات المسلحة في ليبيا، فضلاً عن تهديدات الجماعات المحسوبة على

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.