استراتيجية مزدوجة:

مصالح ومبادئ روسيا في إقامة نظام عالمي لأمن الطاقة نيكولاي باكوموف

Trending Events - - الافتتاحية -

تسعى روسيا لإقامة نظام عالمي لأمن الطاقة، يأخذ في الاعتبار مصالح الدول المنتجة والمستهلكة، وتلك التي تمر بها إمدادات الطاقة، وأن يستند هذا النظام إلى التعاون وإدراك وجود مصلحة مشتركة في تحقيق أسعار الطاقة، غير أن فرص إقامته تظل محدودة في إطار وجود تضارب كبير في المصالح بين الدول المختلفة.

يقوم نظام أمن الطاقة العالمي على ركيزتين أساسيتين، أولاهما، سياسات أمن الطاقة الوطنية، التي تتبعها كل دولة بمفردها. وثانيتهما، الدور الحيوي الذي يلعبه التعاون الدولي في هذه السياسات، ومن هذا المنطلق، ينبغي من أجل فهم دور ومكانة روسيا في نظام أمن الطاقة العالمي، أن نحلل موقفها الرسمي من مسائل أمن الطاقة.

وبحسب وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، فإن مشاركة روسيا الكاملة في نظام أمن الطاقة العالمي تعد واحدة من الأهداف الرئيسية التي وضعها الاتحاد الروسي في استراتيجية الطاقة الروسية حتى العام 2030، والتي تم إقرارها في نوفمبر )1 2009،( وتحدد هذه الاستراتيجية المبادئ الرئيسية لسياسة أمن الطاقة الروسية، وسيتم تحليل هذه الاستراتيجية من أجل استكشاف أبعاد هذه السياسة.

اأولً: اأربعة اأهداف ل�ستراتيجية الطاقة الرو�سية

وفقاً لما جاءت به الاستراتيجية الروسية، يتم تعريف أمن الطاقة بأنه الظروف التي تضمن تأمين بلد ما، ومواطنيه ومجتمعه ودولته واقتصاده من التهديدات التي تعترض إمدادات الوقود والطاقة، وهذه التهديدات تحددها عوامل خارجية، ترتبط بالعوامل الجيوسياسية والاقتصادية، بالإضافة

إلى الأزمات الفجائية، إضافة إلى حالة ووضع قطاع الطاقة في ذلك البلد)2).

ويلاحظ مما سبق أن روسيا تقدم تعريفاً لأمن الطاقة، كما لو أنها، من البلدان المستهلكة للطاقة، وليست من المنتجة لها، إذ إن هذا التعريف يأخذ وجهة نظر ومخاوف البلدان المستهلكة للطاقة، وليست المنتجة لها، وبالتالي فإن تحليل الاستراتيجية الروسية يعكس إدراكاً روسياً بتشابه المصالح بين الدول المنتجة والمصدرة للطاقة، وتلك المستهلكة لها.

ووفقاً لما جاء في "استراتيجية الطاقة"، فإن أحد أهم المحاور الأساسية في استراتيجية الطاقة الروسية يقوم على إقامة علاقات مستقرة مع المستهلكين التقليديين لموارد الطاقة الروسية، فضلاً عن الحفاظ على استمرارية هذه العلاقات بما يخدم المصالح الروسية، وترتكز سياسة أمن الطاقة الروسية على عدة أهداف استراتيجية تحاول الدولة بلوغها والحفاظ عليها)3،( وهو ما يتضح من تحليل استراتيجية الطاقة الوطنية: 1- روسيا كمصدر للطاقة: إن الحفاظ على أمن الطاقة العالمي يقوم في جانب كبير منه على الحفاظ على وضع روسيا كمنتج ومصدّر لموارد الطاقة، وأن هذا الوضع

سيستمر حتى العام 2030. 2- روسيا كطرف فاعل في صياغة أمن الطاقة: إذ تعتمد هذه الاستراتيجية على مشاركة روسيا في عملية صياغة نظام أمن الطاقة الدولي، بما يعنيه ذلك من تنويع طرق التصدير، إذ إن ذلك يعد أحد أهداف استراتيجية الطاقة الروسية، وبالتالي فإن استراتيجية الطاقة الروسية لا تهدف فقط للحفاظ على المصالح الروسية، ولكن تأخذ في الاعتبار مصالح الدول المستهلكة، والتي يهمها بالدرجة الأولى عدم الاعتماد على مصدر واحد للطاقة. وتهدف روسيا لتحقيق ذلك من خلال المشاركة الفاعلة في "المفاوضات الدولية حول قضايا الطاقة"، والتي تهدف من خلالها تحقيق التوازن ما بين مصالح المستوردين والمصدرين، وكذلك البلدان التي تمر بها إمدادات الطاقة، في المعاهدات والمنظمات الدولية. 3- روسيا كمعبر حيوي للطاقة: إذ تشير استراتيجية الطاقة إلى أن أحد الأهداف الروسية يتمثل في أن تمر خطوط إمدادات الطاقة عبر أراضيها، وذلك بالنظر إلى موقعها الجغرافي، إذ إن روسيا تسعى لأن تكون الممر الرئيسي للطاقة من مناطق الإنتاج في بلدان آسيا الوسطى ومنطقة بحر قزوين إلى أسواق أوروبا وشمال شرق آسيا، وهو ما يكشف عن المسعى الروسي لامتلاك تأثير أكبر في سوق الطاقة العالمي. 4- روسيا كزعيم إقليمي لمنطقة أوراسيا: إذ تسعى روسيا لأن تكون المهيمن الرئيسي على سوق الطاقة في منطقة أوراسيا، وذلك ليس فقط كمنتج للطاقة، ولكن كذلك من خلال ضمان السيطرة الروسية على مرور إمدادات الطاقة من وسط آسيا إلى المستهلكين الرئيسيين في آسيا وأوروبا من خلالها(4).

ثانياً: قمة �سانت بطر�سبرج واأمن الطاقة

تستند مشاركة روسيا في نظام أمن الطاقة العالمي على المبادئ التي نص عليها إعلان مجموعة الثماني حول أمن الطاقة العالمي، وهو الإعلان الذي تبنته مجموعة الثماني في قمة سانت بطرسبرغ في 2006، إذ تشير استراتيجية الطاقة الروسية بوضوح إلى القرارات والتوصيات التي تم قبولها في هذه القمة، إذ تعتبرها تساعد على تحقيق الثقة المتبادلة بين المنتجين والمستهلكين، كما أنها تراعي مصالحهما.

ويتمثل الإنجاز الحقيقي الذي حققته روسيا من خلال ترؤسها قمة مجموعة الثماني تلك، في قبول عدد من المبادئ الحاكمة لأمن الطاقة العالمي، بغض النظر عن تضارب المصالح الوطنية لكل دولة، وتتمثل هذه المبادئ فيما يلي: 1- زيادة الشفافية، والقابلية للتنبؤ واستقرار أسواق الطاقة

العالمية.

2- تحسين مناخ الاستثمار في قطاع الطاقة.

3- تحسين كفاءة استخدام الطاقة والاقتصاد في استهلاكها.

4- تنويع مصادر الطاقة.

5- ضمان الأمن المادي للبنية التحتية الحيوية الخاصة بالطاقة.

6- الحد من فقر الطاقة.

7- مناقشة مشكلة التغير المناخي وتحقيق التنمية المستدامة.

وعلى الرغم من أن استراتيجية الطاقة الروسية تحدد دور روسيا الأساسي في مجال أمن الطاقة كأحد أهم المنتجين في مجال الطاقة، فإن روسيا تضع في اعتبارها المساهمة بدور إيجابي في تحقيق بعض المبادئ الواردة سابقاً، خاصة فيما يتعلق بزيادة شفافية أسواق الطاقة واستقرارها، فضلاً عن تحسين مناخ الاستثمار في مجال الطاقة، وكذلك تنويع مصادرها.

من ناحية أخرى، كشفت قمة سانت بطرسبرغ عن وجود إدراك واضح للحاجة إلى التعاون الدولي من أجل ضمان أمن الطاقة العالمي، حيث ورد في البيان النهائي لمجموعة الثماني ما نصه: "إن الطبيعة العالمية لهذه التحديات والاعتماد المتبادل والمتزايد بين البلدان المنتجة والبلدان المستهلكة والبلدان التي تمر بها إمدادات الطاقة يتطلب شراكة قوية بين كل الأطراف المعنية من أجل تعزيز أمن الطاقة العالمي".

وقد حقق الجهد الدبلوماسي الروسي في مجال ضمان أمن الطاقة نجاحاً آخراً في قمة سانت بطرسبرغ، فللمرة الأولى على الإطلاق، تم التصريح بأهمية ضمان أمن العرض والطلب على الطاقة في وثيقة دولية بهذا المستوى، حيث جاء في نص الإعلان: "إدراكاً منا للمصلحة المشتركة للبلدان المنتجة والبلدان المستهلكة في تعزيز أمن الطاقة العالمي، فإننا نحن قادة مجموعة الثماني نلتزم بالأخذ في الاعتبار وجهات نظر الأطراف المعنية، حول الاعتماد المتبادل المتزايد، ومسائل أمن العرض والطلب"(5).

ويمكن القول إن المبادئ العامة التي تشكل أساس التعاون المستقبلي بين الدول المختلفة لتعزيز أمن الطاقة، لاتزال مبهمة وغير محددة، على الرغم من اقتراح روسيا مراراً في السنوات القليلة الماضية، إعداد وثيقة دولية لتحقيق ذلك الغرض، وعلى الرغم من وثيقة قمة مجموعة الثماني في 2006، والتي تدعو للتعاون بين الدول ذات المصالح المتضاربة.

تقدم روسيا تعريفاً لأمن الطاقة، كما لو أنها، من البلدان المستهلكة للطاقة، وليست من المنتجة لها، إذ إن هذا التعريف يأخذ وجهة نظر ومخاوف البلدان المستهلكة للطاقة، وليست المنتجة لها.

ثالثاً: الإطار القانوني المقترح للتعاون في اأمن الطاقة

نظراً لغياب أسس واضحة للتعاون في مجال أمن الطاقة، أصدرت روسيا في أبريل 2009 "مقاربة مفاهيمية للإطار القانوني الجديد للتعاون حول الطاقة (الأهداف والمبادئ) Conceptual Approach to the New Legal ( Framework for Energy Cooperation : Goals and)، Principles وهي المقاربة التي تم توزيع نصها على الدول الأعضاء في مجموعة العشرين، وأعضاء اتحاد الدول المستقلة (Commonwealth of Independent States)، والمنظمات الدولية ذات العلاقة، إضافة إلى المفوضية الأوروبية(6).

ومن خلال هذه الوثيقة، عبرت روسيا عن قلقها حيال الصراعات الناشئة حول الطاقة، والتي من الممكن حلها على نحو استباقي في إطار من التعاون الدولي، غير أن تلك المقاربة لم تلق أية استجابة دولية.

ويمكن تفسير غياب رد الفعل الدولي على الاقتراح الروسي بوجود مشكلة أساسية في تعزيز أمن الطاقة العالمي، إذ إن كل المبادرات المقترحة من جانب الدول في هذا المجال تتسم بأنها ذات فاعلية محدودة بسبب تضارب مصالحها القومية فيما يتعلق بمفهوم أمن الطاقة بالنسبة لكل دولة منها.

ولذلك، فإن "الإطار القانوني" يدرك هذا التضارب في المصالح، ويسعى لعلاجه من خلال وضع اتفاقية دولية جديدة وملزِمة من الناحية القانونية من شأنها أن تضم أهم الفاعلين في سوق الطاقة من الدول المنتجة والمصدرة للطاقة، والدول التي تمر من خلالها إمدادات الطاقة، وكذلك الدول المستهلكة (المستوردة)، وذلك من أجل معالجة كل جوانب التعاون الدولي في مجال الطاقة(7).

وبتحليل هذه المبادئ، نلاحظ أن هناك تقارباً بينها وبين تلك الواردة في وثيقة قمة مجموعة الثماني في سانت بطرسبرج، وهو ما يوضح محورية البيان الختامي لقمة بطرسبرغ بالنسبة للسياسة الروسية في مجال أمن الطاقة.

ويتضمن "الإطار القانوني" عدداً من المبادئ التي تنظم أمن الطاقة، ومن بين تلك المبادئ" الشمولية، أي إمكانية تطبيقها على العلاقات بين جميع الدول، والانفتاح على انضمام أعضاء جدد في أي وقت، فضلاً عن الحيادية وعدم التمييز، أي أن يكون هناك تمثيل متوازن لمصالح كل الأطراف.

ويعكس الإطار القانوني إدراك روسيا أن التعاون في مجال أمن الطاقة يجب أن يرتكز على المبادئ التالية: أن أمن الطاقة العالمي وحدة واحدة، ولا يمكن أن يتجزأ، وأنه ينبغي تحقيق الاعتماد المتبادل بالنسبة لكل المشاركين في سوق الطاقة، وأن أمن العرض والطلب هما وجهان لعملة واحدة هي أمن الطاقة العالمي(8).

ومن الملحوظ أنه على الرغم من غياب استعداد بعض الدول والمنظمات الدولية لإعداد أو تبني وثيقة عالمية شاملة تنسجم مع المقترح الروسي، فإن روسيا لم تغير موقفها من "الإطار القانوني" كركيزة أساسية للتعاون في مجال أمن الطاقة.

خاتمة

يمكن القول إنه في ضوء تحليل الوثائق الروسية الرسمية الخاصة بسياسة أمن الطاقة، يلاحظ أن روسيا تدرك خطورة التهديدات والتحديات التي تواجه أمن الطاقة، وأن روسيا مصممة على التخلص من هذه التهديدات والتحديات وعلى ضمان أمن الطاقة العالمي باعتباره هدفاً رئيسياً لسياساتها.

وترى روسيا ضرورة إجراء حوار بين الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة وكذلك تلك التي تمر إمدادات الطاقة بها، وذلك من أجل أن يكون الحوار شاملاً، ويأخذ في الاعتبار مصالح كل مجموعة، كما ترى أن الحوار يجب أن يهدف بالدرجة الأولى لتحسين فاعلية نظام أمن الطاقة العالمي، ولكي تساهم في تأسيس آلية دولية من أجل الحد من المخاطر وزيادة قابلية التنبؤ بالأزمات التي قد تضرب قطاع الطاقة تحقيقاً لاستقرار سوق الطاقة.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.